سليدرشؤون سياسية

3 يوليو .. القرار

تمر الأيام والسنوات وتظل هناك تواريخ مفصلية في عمر الأوطان لا يمكن أن تطمسها السنين أو تسقط من ذاكرة الشعوب الحية. ففي تاريخ مصر الحديث، يبرز يوم الثالث من يوليو كواحد من أهم تلك المواعيد الإستراتيجية التي كانت نقطة تحول جذرية؛ أنقذت مصر من نفق مظلم من الصراعات الطائفية والمجتمعية التي كادت تعصف بمفهوم الدولة الوطنية المستقرة.

إن قراءة هذا اليوم من منظور تحليلي تستوجب العودة إلى الجذور العميقة للأزمة وتأمل المآلات التي آلت إليها مصر بعد سنوات من ذلك القرار الشجاع والمصيري؛ حيث قد جاء يوم الثالث من يوليو استجابة حتمية لمد جماهيري غير مسبوق تدفق في ميادين مصر وشوارعها خلال ثورة الثلاثين من يونيو؛ إذ لم يكن هذا التحرك الشعبي مجرد احتجاج على سياسات اقتصادية أو إدارية متردية، بل كان انتفاضة وجودية قادها ملايين المصريين لحماية دولتهم الثقافية والاجتماعية التي استمرت آلاف السنين؛ فالمؤشرات داخل مؤسسات الدولة وخارجها؛ كانت تشير إلى رغبة تيار معين في اختطاف هذه الدولة وتغيير طبيعة المجتمع المصري التسامحية والوسطية، وتطويع مفاصل الدولة الإدارية والأمنية لصالح مشروع فئوي ضيق لا يعبر عن جموع الشعب. وفي تلك اللحظات التاريخية المعقدة، كان الانتظار أو الوقوف على الحياد بمثابة تخلٍ عن الواجب الوطني والقومي الحاسم.

الإرادة الشعبية

عندما بلغت الأزمة ذروتها ورفضت السلطة الحاكمة آنذاك _ متمثلة في جماعة الإخوان _ الاستجابة لصوت الشارع والدعوات المتكررة لإجراء انتخابات رئيسية مبكرة، جاءت الاستجابة السريعة من القوات المسلحة المصرية؛ حيث لم يكن تدخل الجيش مدفوعاً برغبة في السلطة أو إقصاء فصيل لذاته، بل كان امتثالاً تاماً لنداء ملايين المواطنين الذين ملأوا الآفاق والساحات العامة خوفاً على مصير بلادهم من التشرذم والحروب الأهلية. وقد تجلى هذا الامتثال في البيان التاريخي الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، بحضور وتوافق ممثلي كافة أطياف المجتمع المصري وفي مقدمتهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وقداسة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وممثلين عن الحركات الشبابية والتيارات السياسية المختلفة المعبرة عن الهوية الوطنية الشاملة.

تضمنت خارطة الطريق الصادرة في ذلك اليوم خطوات محددة ركزت في الأساس على إعادة اللحمة الوطنية وتعطيل العمل بالدستور المؤقت وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية. إذ كان الهدف المباشر هو نزع فتيل الأزمة الطاحنة وقطع الطريق على محاولات تدويل الوضع الداخلي أو الانزلاق نحو سيناريوهات الفوضى التي شهدتها دول مجاورة في المنطقة، والتي لا تزال تعاني من ويلاتها وجراحها العميقة حتى اليوم.

لقد أثبت بيان الثالث من يوليو للعالم أجمع أن الجيش كان وسيظل دائماً درعاً حامياً لإرادة شعبه، وأنه لا ينحاز إلا للمصلحة العليا للوطن بعيداً عن أي حسابات سياسية ضيقة أو ضغوطات خارجية. ومع مرور السنوات، يتضح جلياً أن تداعيات ذلك اليوم لم تتوقف عند حدود التغيير السياسي الفوقي، بل امتدت لتشمل صياغة رؤية تنموية شاملة لبناء الدولة من جديد.

إن تفتيت شبكات الإرهاب الأعمى التي حاولت الانتقام من الشعب عقب هذا القرار شكل التحدي الأكبر والأخطر أمام مؤسسات الأمن القومي، حيث خاضت القوات المسلحة بالتعاون وثيق الصلة مع رجال الشرطة البواسل معارك شرسة في سيناء وفي مختلف المحافظات لدحر قوى التطرف وتأمين الجبهة الداخلية، وقدمت في سبيل ذلك تضحيات جساماً من دماء الشهداء الأبرار الذين سطروا ببطولاتهم صفحات مضيئة في تاريخ الدفاع عن الوطن والذين تظل تضحياتهم محفورة في وجداننا جماعة وصحافة.

البناء والتنمية

بالتوازي مع معركة الأمن والاستقرار الشاملة، انطلقت مصر في معركة أخرى لا تقل أهمية وصعوبة، وهي معركة البناء والتنمية وتأسيس ملامح “الجمهورية الجديدة”؛ فهذه المسيرة لم تكن مجرد شعارات رنانة، بل تحولت إلى مشروعات قومية عملاقة غيرت وجه البنية التحتية في البلاد بشكل ملموس ومبهر. من شبكات الطرق والمحاور القومية الحديثة التي ربطت أوصال المحافظات، إلى تطوير قطاع الطاقة الكهربائية الذي قضى تماماً على أزمات الانقطاع المزمنة، وصولاً إلى إنشاء المدن الذكية الجديدة وتطوير العشويات والمناطق الخطرة لتوفير حياة كريمة وآمنة للمواطن المصري البسيط الذي تحمل العبء الأكبر لخطوات الإصلاح الاقتصادي الضرورية.

إن ذكرى يوم 3 يوليو تمثل فرصة حقيقية للمكاشفة والمراجعة الواعية من قِبل النخبة والمجتمع على حد سواء؛ فالحفاظ على المكتسبات التي تحققت عقب تلك المرحلة الفاصلة يتطلب وعياً جمعياً مستداماً وتلاحماً قوياً ومستمراً بين الشعب ومؤسساته الوطنية الوطنية؛ فالوطن اليوم؛ يواجه تحديات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتراوح بين الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية على الحدود المختلفة، وهو ما يستدعي استدعاء روح الثالث من يوليو القائمة على وحدة الصف وإعلاء المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبارات فئوية أو حزبية ضيقة؛ ليظل الثالث من يوليو يوماً شاهداً على عبقرية الشعب المصري وقدرته الفائقة على استشعار الخطر وتصحيح مساره التاريخي في الأوقات العصيبة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21480

موضوعات ذات صلة

التحول الرقمي ينظم خدمات وزارة السياحة

هدير عادل

نتنياهو يغلق الباب أمام هدنة مؤقتة في غزة

المحرر

خبيرة الأبراج منار حسن: نحن في قلب “عام الحسم”

أيمن مصطفى

يارا السكري تكشف مواصفات عروس أحمد العوضي

أحمد عاشور

كحك العيد.. فرحة «اللمة» تهزم الجاهز

أيمن مصطفى

اللواء حسن عزب لـ ( صوت البلد) : خطف رئيس دولة ينسف النظام الدولى

ضاحى محمود