ثقافة وأدبسليدر

على وجه الجنيه.. كيف تستدعي العملة الحضارة الفرعونية؟

لا تبدو العملة المصرية مجرد وسيط للتبادل، بقدر ما تبدو أيضًا نصًا بصريًا مكثفًا، يمر بين الأيدي كل يوم وهو يحمل أكثر من وظيفة. فهي تؤدي دورها الاقتصادي المباشر، لكنها في الوقت نفسه تعرض صورة الدولة عن نفسها، وتقدم للمواطن وللزائر معًا خلاصة مختصرة لهوية مصر كما تريد أن تُرى: دولة حديثة، لكنها تستند إلى تاريخ طويل وحضارة لا تزال قادرة على الحضور في تفاصيل الحياة اليومية. وتظهر هذه الفلسفة بوضوح في الإصدارات الحديثة التي قدمها البنك المركزي، حيث جرى الربط في التصميم بين مصر القديمة والواقع المعاصر، عبر حضور تمثال حتشبسوت في فئة العشرة جنيهات البوليمرية، وظهور كليوباترا والهرم الأكبر والعجلة الحربية والمحارب المصري القديم على فئة العشرين جنيهًا الجديدة.

ومن هنا، لا يبدو استدعاء الحضارة الفرعونية في تصميم العملة مجرد اختيار زخرفي، بل قرارًا بصريًا وثقافيًا يحمل دلالة أوسع. فالدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية، يرى أن وضع المعالم والرموز الأثرية على العملات يحفظ هوية مصر الحضارية، ويترك أثرًا ممتدًا في وعي الأجيال، لأنه يجعل التاريخ حاضرًا في أكثر الأشياء تداولًا بين الناس. بهذه القراءة، لا تعود الصورة المنقوشة على العملة تفصيلًا جماليًا ثانويًا، بل تصبح أداة تذكير يومية بأن مصر لا تعرف نفسها فقط من خلال مؤسساتها الحديثة، بل من خلال امتدادها الحضاري أيضًا.

هذا المعنى نفسه يتسع حين ننظر إلى العملة من زاوية الذاكرة الوطنية. فالعملة ليست معروضة في متحف، ولا محفوظة خلف زجاج، بل تتحرك باستمرار في السوق والشارع والبيت. ولهذا فإنها تملك قدرة خاصة على تثبيت صورة البلد في الوجدان العام. وكلما حملت هذه العملة ملامح من الحضارة الفرعونية، فإنها تعيد، من دون خطاب مباشر، تذكير المصري بأن دولته ليست وليدة اللحظة، بل وريثة واحدة من أقدم الحضارات وأكثرها رسوخًا في العالم. واللافت أن هذا الحضور لا يأتي في صورة فرعونية جامدة أو مبسطة، بل في تنوع رمزي يشمل التمثال والمعبد والملك والرمز الحربي والمشهد المعماري، بما يمنح العملة عمقًا بصريًا يتجاوز حدود الزينة السريعة.

دلالة حضارية

ومن زاوية فنية، يكتسب هذا الحضور قيمة أكبر. فالدكتور أشرف رضا، أستاذ ورئيس قسم التصميم، يرى أن العملة الناجحة ينبغي أن تبرز الموروث المصري من الحضارات القديمة، وأن تجمع بين الدلالة الحضارية والخصائص التقنية التي تمنع التزييف. هذا الرأي يكشف أن قيمة تصميم العملة لا تُقاس فقط بما تحتويه من رموز، بل بكيفية تنظيم هذه الرموز داخل مساحة محدودة وشديدة الحساسية. فالميزان الفني هنا يقوم على التناسب بين العناصر، والاتزان بين الكتل والفراغات، ووضوح العنصر المسيطر داخل التكوين، ثم قدرة الخطوط والزخارف على توجيه العين في إيقاع هادئ ومتماسك. وحين تدخل العناصر الفرعونية إلى هذا البناء، فإنها تمنحه قوة إضافية، لأنها بطبيعتها البصرية تقوم على الوضوح والرسوخ والصرامة الجميلة، وهي خصائص تجعلها ملائمة جدًا لتصميم العملة.

تصميم جمالي وظيفي

وفي المنطق التشكيلي، لا تقوم جمالية العملة على كثرة التفاصيل، بل على الاقتصاد البصري الذكي. فالعملة ليست لوحة مفتوحة على الانفعال الحر، بل تصميم وظيفي منضبط، عليه أن يكون جميلًا ومقروءًا ومميزًا وآمنًا في الوقت نفسه. ولهذا فإن نجاحها يتوقف على حسن اختيار الرمز، وحسن توزيع المساحات، وعلى وجود سيادة بصرية واضحة تمنح العين نقطة ارتكاز. والرمز الفرعوني ينجح هنا لأنه يحمل شحنة جمالية جاهزة: التمثال يمنح الإحساس بالثبات والوقار، والمعبد يوحي بالعظمة والاستمرار، والعناصر الحربية أو الملكية تضيف إلى التكوين معنى القوة والهيبة. وهكذا لا تستعير العملة من الحضارة القديمة شكلًا فقط، بل تستعير منها نظامًا بصريًا كاملًا يساعدها على التميز والبقاء في الذاكرة. وهذا يتقاطع مع دراسة أكاديمية حول هوية تصميم الأوراق النقدية المصرية، رأت أن الورقة النقدية قادرة على رواية قصة البلد من خلال صورها وعناصرها البصرية، ودعت إلى أن تعكس الأوراق المصرية ثقافات مصر وفنونها، وفي مقدمتها الفن الفرعوني.

ولا تنفصل هذه القيمة الجمالية عن البعد العملي. فالإصدارات البوليمرية الحديثة لم تُطرح بوصفها تطويرًا شكليًا فقط، بل جاءت أيضًا بمزايا تتعلق بطول العمر الافتراضي، ومقاومة الماء والأتربة، وصعوبة التزييف، فضلًا عن علامات بارزة تساعد المكفوفين وضعاف البصر. وهنا تتضح خصوصية التجربة المصرية: أحدث تقنيات الطباعة والتأمين تلتقي مع أقدم طبقات الذاكرة الحضارية في ورقة واحدة. أي أن العملة المصرية لا تدخل العصر متخففة من تاريخها، بل تدخل إليه وهي تحمل هذا التاريخ في قلب تصميمها.

لهذا تبدو قوة تصميم العملة المصرية نابعة من معادلة مزدوجة: دقة الصنعة الحديثة، وعمق الرمز التاريخي. فهي لا تقدم نفسها بوصفها ورقة نقدية محايدة، بل بوصفها أثرًا يوميًا صغيرًا، يحمل صورة بلد يعرف أن هويته لا تُصنع في المتاحف وحدها، بل في الأشياء التي يلمسها الناس كل يوم. ومن بين كل الرموز الممكنة، يظل استدعاء الحضارة الفرعونية واحدًا من أكثر الاختيارات بلاغة؛ لأنه يمنح العملة شخصية بصرية واضحة، ويمنح التصميم عمقًا ثقافيًا، ويجعل الجنيه المصري، في صمته اليومي، يتكلم بلغة التاريخ والجمال والهوية.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=16765

موضوعات ذات صلة

أصوات الحياة.. جراحات القوقعة تعيد الأمل المفقود

أيمن مصطفى

قراءة في كتاب “الصحافة وخرائط التغيير”

المحرر

الاثنين المقبل.. الأوبرا تعرض عفوية فنية بالمصري

المحرر

هوية بصرية ومحاور عالمية وأمان بيئي.. الثغر يتجدد

أيمن مصطفى

إدوار الخراط الرائد الذي رسخ الحساسية الجديدة

المحرر

“خان الخليلي” بأسيوط قريبًا

أحمد الفاروقى