ثقافة وأدبسليدر

الطعام والاستعمار: أسرار فوز يوميات تايوان بالبوكر الدولية

من خلف مواقد المطبخ التايواني وعبر عربات قطارات الثلاثينيات، انطلقت رواية يوميات تايوان لتصنع حدثًا أدبيًا غير مسبوق. فبتتويجها بجائزة البوكر الدولية للأدب المترجم لعام 2026، لم تدخل الكاتبة يانغ شوانغ زي التاريخ كصاحبة أول عمل مكتوب بالمندرينية، بل أعادت صياغة مفهوم أدب الطعام وتحويل المائدة إلى مسرح للصراع والتفكيك ما بعد الكولونيالية.

في احتفاء استثنائي بالترجمة كفعل إبداعي مشترك، تقاسمت الكاتبة الجائزة المالية – 50 ألف جنيه إسترليني – بالتساوي مع المترجمة التايوانية – الأمريكية لين كينغ، التي نقلت العمل ببراعة استثنائية إلى الإنجليزية، تكريسًا لروح الجائزة التي تحتفي بالترجمة كفعل إبداعي وشراكة أدبية كاملة.

هذا الفوز التاريخي لم يكن مجرد عبور للنص عبر الحدود اللغوية، بل كان إعلانًا عن ولادة صوت أدبي تايواني يفرض هويته بقوة على الساحة العالمية.

حيلة ذكية

تعتمد الرواية، الصادرة بنصها الأصلي عام 2020، على حيلة سردية بالغة الذكاء؛ إذ تقدم نفسها للمتلقي في إطار مذكرات سفر مفقودة يعاد اكتشافها .تعود لثلاثينيات القرن الماضي، خلال حقبة الخضوع للاحتلال الياباني التي امتدت بين (1895-1945).

وتتحرك الرواية عبر خطين متوازيين، ففي الرحلة الظاهرة، تظهر روائية يابانية تُدعى “أوياما تشيزوكو” تزور تايوان في جولة ترعاها السلطات الاستعمارية. وبعيدًا عن الأجندات السياسية الرسمية، تنطلق أوياما في رحلة قطارات عبر الجزيرة مدفوعة بشغف أنثروبولوجي لتذوق الأطعمة المحلية التايوانية، ترافقها مترجمة تايوانية شابّة تُدعى “تشيزورو”.

المستعمِر والمستعمَر

أما العمق الباطني فتحت غطاء أدب الطعام والرحلات السياحية، تنشأ بين المرأتين علاقة إنسانية وعاطفية معقدة. ومن خلال مائدة الطعام وحوارات القطار، يبدأ النص في تفكيك أسئلة الهوية، وصراع الطبقات، وفجوة القوة بين المستعمِر والمستعمَر.

تطرح الرواية سؤالًا وجوديًا: هل يمكن للمشاعر الإنسانية الشفافة والروابط العاطفية أن تتجاوز اختلال موازين القوى السياسية والتاريخية بين التابع والمتبوع؟

الطعام والهيمنة

تكمن عبقرية يانغ شوانغ زي في تحويل المطبخ التايواني من مجرد مادة حسية للتذوق إلى مسرح للصراع الثقافي. إن استهلاك المستعمِر لثقافة المستعمَر عبر الطعام يعكس رغبة الاستحواذ والهيمنة.

وقد وصفت رئيسة لجنة التحكيم، الروائية البريطانية ناتاشا براون، هذا البناء النقدي بأنه إنجاز مزدوج مذهل؛ فالرواية تنجح كقصة حب، وفي الوقت نفسه كرواية ما بعد كولونيالية حادة وذكية بسخرية رصينة.

ولم تكن الإشادة النقدية موجهة للمتن السردي فحسب، بل امتدت لجهد المترجمة لين كينغ، حيث استخدمت الهوامش والتعليقات المتخيلة لتعكس هشاشة التواصل اللغوي، ورفضت تبسيط الواقع اللغوي المعقد والملتبس لتايوان، محتفظة بالتباينات الثقافية الشائكة للجزيرة دون تدجينها للقارئ الغربي.

تُعرف الكاتبة يانغ شوانغ زي بتعددية وسائطها الإبداعية؛ فهي تكتب الرواية، والمقال، والقصص المصورة (المانغا)، وسيناريوهات ألعاب الفيديو. هذا التنوع يمنح سردها ديناميكية بصرية فريدة.

وفي كلمتها المؤثرة عقب تسلم الجائزة، رفضت الكاتبة بوضوح فكرة فصل الفن عن الواقع والسياسة، قائلة: يعتقد البعض أن الأدب يجب أن يظل بعيدًا عن السياسة، لكنني أؤمن أن الأدب لا يمكن فصله عن التربة التي نبت فيها. عند مراجعة التاريخ الحديث لأدب تايوان، يتضح أننا ككتّاب نطرح السؤال ذاته منذ قرن مضى: ما هو نوع المستقبل الذي يريده شعب تايوان؟

ورغم هذا العمق الفكري، لا تخلو شخصية الكاتبة من روح الدعابة؛ إذ صرحت لموقع جوائز البوكر بأن البحث الميداني الذي أجرته حول السفر والطعام غير حياتها بطريقتين: مدخراتي انخفضت، ووزني ازداد بشكل مطرد!

أبعاد أخرى

لم يكن فوز يوميات تايوان ببوكر 2026 وليد المصادفة، بل هو تتويج لمسيرة صعود دولي لافت؛ فمنذ صدورها بنصها الأصلي عام 2020، نالت الرواية اعترافًا محليًا واسعًا بحصدها أرفع الجوائز الأدبية في تايوان. ولم يتأخر صداها العالمي كثيرًا، إذ توجت نسختها الإنجليزية في عام 2024 بالجائزة الوطنية الأمريكية للكتاب (National Book Award) عن فئة الأدب المترجم.

ومع صدورها في المملكة المتحدة بحلول ربيع عام 2026، حققت الرواية قفزة تجارية لافتة بحلولها في المرتبة الثانية كأكثر الكتب مبيعًا ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر، وهو ما تُرجم عمليًا إلى امتداد عالمي واسع تمثل في بيع حقوق ترجمتها ونشرها إلى أكثر من 23 سوقًا دولية تمتد من صربيا وإندونيسيا إلى البرازيل وأوكرانيا.

المحطة التالية

هذا الفوز يمثل نقطة تحول كبرى للأدب التايواني، فالأعمال التي توجت بالبوكر الدولية سابقًا لأدباء مثل هان كانغ من كوريا الجنوبية، وأولغا توكارشوك من بولندا، مهدت لهم الطريق لاحقًا لحصد جائزة نوبل في الأدب.

 إن يوميات تايوان ليست مجرد وثيقة أدبية عن الماضي، بل هي صوت تايوان الحديث المعاصر وهو يعيد صياغة هويته ويفرض حضوره على الخارطة العالمية.

 

اقرأ أيضًا:

عمر تقي: الكاريكاتير العراقي ولد من رحم الوجع

رنا الشاهين: الشمول المالي طريق الفلسطينيات لامتلاك القرار

ترياق الأباطرة وحبر الأدباء.. الشاي مشروب يحكم العالم

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18965

موضوعات ذات صلة

جدول استكمال المرحلة الثانية من انتخابات النواب2025

ايه عبدالرؤوف

محمد رمضان: «أسد» احترم موهبتي وغير مسيرتي

أحمد عاشور

زلزال واشنطن في كاراكاس

أيمن مصطفى

نيللي كريم تعود في رمضان 2026 بـ”على قد الحب”

حسن عبدالعال

رئيس الإنجيلية: الكنيسة تواجه تحولات العصر 

حازم رفعت

الزراعة: خطة جديدة لحماية الثروة الحيوانية

المحرر