ثقافة وأدبسليدر

رنا الشاهين: الشمول المالي طريق الفلسطينيات لامتلاك القرار

في فلسطين، لا تُقاس التنمية بالمؤشرات الصماء أو بنمو الناتج المحلي، بل بقدرة الإنسان على البقاء والسيادة فوق أرض يتشابك فيها ظلم الاحتلال وكوابح الموروث الاجتماعي، يصبح البحث العلمي فعل مقاومة واعتراف بالوجود، ولا يعود التمكين الاقتصادي مجرد رفاهية أو شعار تمويلي، بل هو شريان الحياة الذي يمنع الانكسار.

ومن رحم هذه البيئة المعقدة، تولد الرؤى البحثية الفتية لتعيد صياغة مفهوم الصمود بلغة العلم؛ كفوز الباحثة الفلسطينية رنا الشاهين بجائزة منظمة المرأة العربية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، عن أفضل رسالة ماجستير حول قضايا المرأة في المنطقة العربية، برسالتها “أثر الشمول المالي على التمكين الاقتصادي للمرأة الفلسطينية”، من جامعة القدس المفتوحة.

حاورت “صوت البلد” الباحثة رنا الشاهين لتفكيك شفرات أطروحتها؛ ورصد تحديات الميدان تحت وطأة الحصار والقيود، وعرض تفاصيل رؤية بحثية آمنت بأن الحساب البنكي أو التسهيل الائتماني ليس مجرد معاملة ورقية، بل هو مساحة لامتلاك المصير. وحماية من التبعية والعوز، والعقبات والمفاجآت البحثية التي واجهتها وهي تحاول فك شفرة الاستبعاد المالي في أكثر بقاع الأرض تعقيدًا.

 كيف تلقيتِ خبر الفوز، وماذا يعني لكِ هذا التقدير الإقليمي في مستهل مسيرتكِ البحثية؟

تلقيتُ الخبر بمشاعر مفعمة بالامتنان والفخر؛ فهذا التقدير لا يمثل إنجازًا شخصيًا فحسب، بل هو اعتراف صريح بعدالة قضية المرأة في عالمنا العربي، وتأكيد على أهمية البحث العلمي المرتبط بالواقع المجتمعي. لقد شكّلت هذه الجائزة محطة فارقة في مسيرتي البحثية، ومنحتني حافزًا قويًا للاستمرار في إنتاج بحوث ذات أبعاد تنموية قادرة على صناعة أثر حقيقي ومستدام.

قصص الصمود

تأتي هذه الجائزة بالتعاون بين منظمة المرأة العربية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة؛ برأيكِ، كيف تسهم هذه المنصات في تسليط الضوء على الأبحاث التنموية المنبثقة من قلب المعاناة والواقع الفلسطيني؟

تكمن القيمة الجوهرية لهذه المنصات في فتح آفاق رحبة لصوت الباحثات العربيات، لاسيما في البيئات التي تواجه تحديات مركبة مثل فلسطين. وحين يُسلط الضوء على أبحاث نابعة من عمق الواقع الفلسطيني، فإننا لا ننقل مجرد توثيق للمشهد الحياتي الصعب، بل نُبرز أيضًا قصص الصمود ونقدم حلولًا تنموية ورؤى قابلة للتطبيق. إن دعم البحث العلمي الموجه لقضايا المرأة هو، في تقديري، استثمار طويل الأجل في التنمية والاستقرار الاجتماعي.

اخترتِ موضوعًا حيويًا وهو “الشمول المالي وأثره على التمكين الاقتصادي”؛ ما الذي دفعكِ تحديدًا لاختيار هذا العنوان؟

انطلق اختياري من رصد فجوة حقيقية على أرض الواقع بين القدرات الكامنة للنساء الفلسطينيات، وفرص وصولهن الفعلية إلى الموارد المالية والخدمات المصرفية. كنت أرى نساءً يمتلكن المهارة، والأفكار، والمشاريع الواعدة، لكنهن يفتقرن إلى الأدوات المالية التي تضمن لهن الاستدامة والاستقلال. ومن هنا تبلور التساؤل الجوهري: كيف يمكن للمرأة أن تحقق تمكينًا اقتصاديًا حقيقيًا وهي مستبعدة ماليًا، أو تفتقر للوصول العادل للخدمات؟

فرصة عادلة

قد يبدو مصطلح “الشمول المالي” جافًا أو نخبويًا للبعض؛ كيف تبسطين لنا الرابط بينه وبين قدرة المرأة الفلسطينية على اتخاذ قرارها الاقتصادي والاجتماعي المستقل؟

ببساطة، الشمول المالي يعني امتلاك المرأة فرصة عادلة لامتلاك حساب بنكي، وتسهيلات تمويلية، وفرص ادخار، أو أي خدمة مالية تمكنها من إدارة حياتها الاقتصادية بأمان واستقلالية. وحين تتوفر هذه الأدوات، تصبح المرأة أكثر قدرة على تأسيس مشروعها، ودعم أسرتها، واتخاذ قراراتها بمعزل عن التبعية الاقتصادية. الشمول المالي إذن ليس مجرد أرقام مصرفية صماء، بل هو أداة تمكين تمنح المرأة الاستقلالية، والثقة، والقدرة على المشاركة الاقتصادية.

ما أبرز المؤشرات أو الأدوات المالية التي ركزتِ عليها في دراستكِ، وأيها وجدته الأكثر تأثيرًا في واقع المرأة الفلسطينية؟

ركزت الدراسة على حزمة من مؤشرات الشمول المالي الأساسية، ومنها: عدد الحسابات المصرفية، وانتشار الفروع البنكية والصرافات الآلية، وحجم الودائع، والتسهيلات الائتمانية المتاحة. وقد أظهرت النتائج أن المؤشر الأكثر تأثيرًا ومساسًا بواقع المرأة هو امتلاك الحسابات المصرفية والتوسع في الخدمات البنكية؛ كونه يمثل البوابة الأولى والأساسية لانخراط المرأة في النظام المالي الرسمي والاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة.

تكريم جامعة القدس المفتوحة خريجتها رنا شاهين

دراسة التمكين الاقتصادي للمرأة في فلسطين يصطدم حتمًا بخصوصية الوضع السياسي والاقتصادي تحت الاحتلال، فضلًا عن الموروث الاجتماعي. كيف أثرت هذه التعقيدات المركبة على فرضيات دراستكِ ونتائجها؟

بالتأكيد، لا يمكن عزل واقع المرأة الفلسطينية عن سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالاحتلال، والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب بعض الكوابح الثقافية والاجتماعية، كلها عوامل تتشابك لتؤثر مباشرًة على الفرص الاقتصادية للنساء. وقد أثبتت الدراسة أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على توفير التمويل فحسب، بل يمتد إلى ضرورة صياغة بيئة متكاملة تضمن للمرأة وصولًا آمنًا وعادلًا للفرص والخدمات.

ما أبرز العقبات الميدانية والمنهجية التي واجهتكِ أثناء إعداد الدراسة؟

 تمثلت كبرى العقبات في صعوبة الحصول على البيانات الإحصائية الشاملة، نظرًا لأن أدبيات الشمول المالي في فلسطين لا تزال حديثة عهد نسبيًا. كما واجهت تحديًا منهجيًا في الربط العلمي الدقيق بين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وسط شُحّ في الدراسات المحلية التي تناولت هذا التقاطع الحيوي بشكل مباشر. ومع ذلك، تحولت هذه الصعوبات إلى قوة دفع وإصرار لتقديم دراسة رصينة تشكل إضافة حقيقية للمكتبة البحثية.

احتياجات النساء

خرجتِ من هذه الدراسة بنقاط هامة؛ لو لخصنا أبرز نتيجة أو “مفاجأة” بحثية لم تكن متوقعة أثناء العمل على الرسالة، فما هي؟

لعل أبرز نتيجة لافتة للانتباه هي أن نمو القطاع المصرفي وتوسع الخدمات المالية لا ينعكسان تلقائيًا على زيادة مستويات وصول النساء إليها. بمعنى أن التوسع المالي الكمي يظل قاصرًا ما لم يدعمه تبني سياسات نوعية تراعي احتياجات النساء وخصوصية تحدياتهن.

بناءً على هذه النتائج، ما توصياتكِ الختامية للنهوض بواقع المرأة الفلسطينية ماليًا واقتصاديًا؟

يمكن إيجاز أبرز التوصيات في عدة نقاط جوهرية، وهي: تعزيز الشمول المالي الرقمي، وتطوير خدمات مالية مخصصة للنساء، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة النسائية، وربط التمويل بالتدريب والتوعية المالية، وإصلاح ومراجعة السياسات والتشريعات التي تعيق وصول المرأة العادل للخدمات المالية.

هذا الفوز يضع على عاتقكِ مسؤولية الاستمرار؛ ما هي الخطوة البحثية أو العملية القادمة للباحثة رنا شاهين؟

أرى في هذا الفوز نقطة انطلاق لمسار أرحب وليس محطة وصول. أتطلع حاليًا لاستكمال دراسة الدكتوراه في مجال التنمية الدولية والتمكين الاقتصادي للمرأة، مع التركيز على تحويل مخرجات الأبحاث النظرية إلى برامج ومبادرات تطبيقية ملموسة. كما أطمح للمساهمة في إدارة مشاريع دولية تُعنى بتمكين النساء والشباب اقتصاديًا؛ إيمانًا مني بأن التنمية الحقيقية والمستدامة تبدأ حين نمنح الإنسان فرصة عادلة ليكون صانعًا للأثر ومنتجًا حقيقيًا في مجتمعه.

 

اقرأ أيضًا:

ترياق الأباطرة وحبر الأدباء.. الشاي مشروب يحكم العالم

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

إكسهوما الكوري: الرمزية التاريخية وتخبط التسلسل الدرامي

طالبات بآداب يهززن عرش التنين.. تعلم الصينية باللعب

ولاء المسيري: ضي.. ترجمة لمن يخشون الشمس

الدفش شقال.. 9 طالبات يقتحمن شفرات حرفيي القاهرة

محفوظ والديب: انتخابات اتحاد الكتاب باطلة بالأدلة والوثائق

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18894

موضوعات ذات صلة

مصر تُطيح بحامل اللقب وتبلغ نصف نهائي “كان 2025”

أيمن مصطفى

صدام عالمي مرتقب بين بيراميدز وفلامنجو

محمد عطا

وليد جمال الدين : الحكومة تحسم بيع أرض السخنة لقطر

مصر تفقد قامة ثقافية.. وداعًا محمد صابر عرب

أيمن مصطفى

مفاوضات عُمان.. هل تنجح في تهدئة التوتر الأمريكي الإيراني؟

محمود كرم

خطط حكومية لزيادة الصادرات الزراعية

المحرر