اقتصاد وأعمال

لماذا خفضت بعض المؤسسات توقعاتها وإلى أين يتجه المعدن الأصفر؟

أحمد كامل 

تدخل أسعار الذهب مرحلة من إعادة التقييم، في ظل تداخل عوامل اقتصادية ومالية وجيوسياسية جعلت حركة المعدن الأصفر أكثر تعقيدًا من ارتباطه التقليدي بالأزمات. فبينما لا يزال الذهب أحد أبرز الملاذات الآمنة، أصبحت قدرته على مواصلة الصعود مرتبطة بدرجة أكبر بمسار أسعار الفائدة، وعوائد السندات الأميركية، وقوة الدولار، وتطورات التوترات الجيوسياسية.

وتكشف التقديرات المطروحة حتى 22 أبريل 2026 عن تباين واضح في الرؤية المستقبلية، بين مؤسسات خفّضت توقعاتها وأخرى لا تزال ترى أن الذهب يمتلك مساحة لمزيد من الصعود.

مورغان ستانلي يخفض توقعاته

في مذكرة حديثة للعملاء، خفّض بنك مورغان ستانلي توقعه لسعر الذهب في النصف الثاني من 2026 إلى 5200 دولار للأونصة، مقابل تقدير سابق بلغ 5700 دولار.

وقال استراتيجيو البنك إنهم ما زالوا متفائلين تجاه الذهب، لكن احتمالات صعوده أصبحت أقل من السابق. وأرجعوا ضعف أداء المعدن منذ بداية الحرب إلى صدمة إمدادات الطاقة، التي قلّصت الآمال بشأن خفض أسعار الفائدة الأميركية، معتبرين أن ذلك جعل الذهب يكافح لأداء دوره كملاذ آمن هذه المرة.

وأشار البنك إلى أن الذهب انخفض بنحو 8.5 بالمئة منذ بداية الحرب، بعد الأداء القوي الذي سبقها، فيما ظل محللوه يتوقعون خفضين للفائدة الأميركية خلال العام، مقابل خفض واحد في التقديرات الحالية للاحتياطي الفيدرالي.

ويرى مورغان ستانلي أن الذهب عاد إلى الارتباط بالعوائد الحقيقية، ومن المرجح أن يظل حساسًا لتحركاتها، مع وجود مجال لمزيد من الارتفاع مستقبلًا.

الفائدة والعوائد تحددان المسار

ويرى خبير أسواق المال حسام الغايش، في تصريحات خاصة لـ “صوت البلد”, أن توقعات الذهب لعام 2026 انتقلت من التفاؤل القوي إلى قدر أكبر من الحذر، بعدما تراوحت تقديرات سابقة بين 5000 و6300 دولار للأونصة.

ويعزو الغايش هذا التحول بصورة رئيسية إلى ارتفاع عوائد السندات وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة، إذ يفقد الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، جزءًا من جاذبيته عندما تصبح الأدوات ذات العائد أكثر جذبًا للمستثمرين.

كما يشير إلى أن أداء الذهب خلال التوترات الجيوسياسية الأخيرة جاء دون التوقعات، بالتزامن مع لجوء بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم لتغطية التزامات أو خسائر في أسواق أخرى.

ويضيف أن سلوك المستثمرين تغير بعد المكاسب القياسية التي حققها الذهب منذ 2025، إذ انتقل جزء من التدفقات من الشراء المكثف إلى جني الأرباح، بالتزامن مع توجه السيولة إلى أسواق الأسهم.

لماذا يتراجع الذهب؟

يرى الشريك المؤسس لأكاديمية ماركت تريدر لدراسات أسواق المال، عمرو زكريا عبده، أن تحسن الانطباع العام بشأن مسار التوترات الجيوسياسية، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران، كان أحد أسباب تراجع الطلب على الذهب، مع تزايد التقديرات بأن ذروة المواجهة قد انقضت وتراجع احتمالات تحولها إلى صراع مفتوح.

ويضيف أن استمرار قنوات التفاوض أعطى الأسواق إشارة إلى تجاوز المرحلة الأسوأ، على الأقل من الناحية العسكرية، ما قلّص الطلب على الذهب كملاذ آمن.

ويشير عبده كذلك إلى ضغوط ناتجة عن بيع بعض البنوك المركزية جزءًا من احتياطياتها، ومن بينها تركيا، إضافة إلى روسيا التي باعت نحو 22 طنًا مؤخرًا لدعم الموازنة العامة. كما أسهم ارتفاع عوائد السندات الأميركية في زيادة جاذبيتها مقارنة بالذهب، الذي لا يدر عائدًا.

البنوك المركزية تضغط على الأسعار

أما خبيرة أسواق المال حنان رمسيس، فتقول في تصريحات لـ “صوت البلد”, إن الضغوط البيعية الأخيرة جاءت مع اتجاه بنوك مركزية ومؤسسات كبرى إلى البيع عند مستويات سعرية مستهدفة، فيما لجأت بعض الدول إلى تسييل جزء من احتياطيات الذهب لأسباب اقتصادية، مثل دعم العملات المحلية في تركيا أو إعادة توزيع الاحتياطيات في فرنسا.

وترى أن هذه التحركات دفعت المستثمرين الأفراد والمتعاملين في العقود الآجلة إلى اتباع الاتجاه نفسه، ما زاد الضغوط على الأسعار، لكنه قد يهيئ في المقابل لإعادة تكوين مراكز شرائية عند مستويات أقل.

وفي الاتجاه المقابل، لا تزال دول أخرى ترى في الأسعار الحالية فرصة لزيادة احتياطياتها من الذهب، بما يعكس اختلاف أهداف المؤسسات والدول في التعامل مع المعدن.

وبحسب رمسيس، قد يعاود الذهب الصعود على المدى المتوسط بدعم من الطلب العالمي، مع إمكانية استهداف مستويات تقترب من 6000 دولار، مع استمرار تأثر السوق بالتصريحات السياسية، خصوصًا الصادرة عن شخصيات مؤثرة مثل دونالد ترامب، والتي قد تؤدي إلى تحركات حادة في الأسعار.

وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي المتاحة آنذاك إلى أن البنوك المركزية ظلت مصدرًا مهمًا للطلب؛ فقد بلغ صافي مشترياتها 27 طنًا في فبراير، بينما شهد مارس عمليات شراء من بولندا والصين وأوزبكستان، قابلتها عمليات سحب كبيرة من تركيا.

وفي الحالة التركية، أظهرت البيانات أن الاحتياطيات تراجعت بأكثر من 118 طنًا خلال أسبوعين، في إطار تحركات هدفت إلى تخفيف الضغوط على الليرة وتوفير السيولة، مع الإشارة إلى أن جزءًا من العملية تم عبر مبادلات يُعاد الذهب المرتبط بها إلى الاحتياطيات عند الاستحقاق.

ماذا بعد؟

على المدى القصير، يبقى الذهب شديد الحساسية للتطورات الجيوسياسية، خصوصًا مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، إلى جانب اتجاه السياسة النقدية الأميركية وموقف كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، بشأن أسعار الفائدة وتقليص الميزانية العمومية.

وبذلك، فإن خفض بعض المؤسسات توقعاتها لا يعني بالضرورة تغير النظرة طويلة الأجل للذهب، بقدر ما يعكس إعادة تقدير للعوامل التي تحكم حركته في المدى القريب. وبينما تضغط العوائد المرتفعة وجني الأرباح وعمليات البيع من بعض البنوك المركزية على الأسعار، يظل الطلب الرسمي على الذهب عامل دعم مهمًا، ما يجعل مساره مرهونًا بتوازن هذه القوى خلال الفترة المقبلة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24641

موضوعات ذات صلة

مصر وأنجولا تبحثان تعزيز التعاون في الطيران المدني

محرر الموقع

مصر تستضيف قادة السياحة العالميين رغم التوترات الإقليمية

نجوى سليم

طة تشغيل متكاملة لاستقبال ضيوف المتحف المصري الكبير

محرر الموقع

تريليون جنيه لحل أزمة التعليم في مصر

المحرر

خبير: زيارة ترامب لدول الخليج تهدف للتعاون الاقتصادي

المحرر

البورصة في أسبوع

أيمن مصطفى