دين ودنياسليدر

أسرار التسمية ودستور العبادة في يوم عرفة

في مواسم النفحات الربانية التي تشرق على القلوب المتشوقة للمغفرة، يطل علينا يوم عرفة كتاج يتلألأ فوق هامات الأيام، وصك أمان تتنزل فيه الرحمات وتُمحى فيه الخطايا. ومن منطلق الدور التنويري والرسالة الإيمانية الرصينة التي تنتهجها البوابة الإلكترونية لجريدة «صوت البلد»، نفتح هذه المساحة الفكرية لنبحر في ظلال هذا اليوم المهيب؛ حيث يطوف بنا العالم الأزهري الجليل، الداعية الإسلامي الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، في رحلة وجدانية وتاريخية تكشف أسرار هذا اليوم المشهود ودستور العبادة فيه لحجاج بيت الله الحرام وللمسلمين في شتى بقاع الأرض.

ركن الحج

يستهل الشيخ مصطفى شلبي الأزهري حديثه برسم لوحة إيمانية لليوم المشهود، واصفاً إياه بأنه “تاج أيام الحج وأفضلها على الإطلاق”؛ فهو المحطة الزمنية المباركة التي تتنزل فيها الرحمات الإلهية كالغيث، وتُغفر فيها الذنوب مهما تعاظمت، وتُجاب فيها الدعوات، وتُعتق الرقاب من النيران. ففي هذا الفضاء الطاهر، يقف ضيوف الرحمن على صعيد عرفات في مشهد مهيب يقشعر له الوجدان، وتتجلى فيه معاني التوحيد الخالص والخضوع المطلق، والإنابة الكاملة لرب العالمين. ويؤكد الشيخ شلبي أن هذا الوقوف هو جوهر النسك وأصله الأصيل، مصداقاً للكلمات النبوية الفصل: «الحج عرفة»، والتي تبرهن بصيغة الحصر والتوكيد أن الحج لا يصح ولا يستقيم بدونه.

الشيخ مصطفى شلبي

وينتقل بنا العالم الأزهري إلى زاوية تاريخية وفلسفية ممتعة، مجيباً عن السؤال الذي يتردد في أذهان الملايين: لماذا سمي يوم عرفة بهذا الاسم؟ حيث يستعرض فضيلته أشهر ثلاثة أقوال صاغها علماء الأمة؛ أولها البُعد الإنساني والاجمعي المتمثل في “التعارف”، حيث يجتمع المسلمون من شتى بقاع الأرض، يذوبون في صعيد واحد بلا تمييز بين غني وفقير أو أبيض وأسود، ليتعارفوا بالتقوى. وثاني الأقوال يضرب بجذوره في بدء الخليقة، حيث شهد هذا المكان الطاهر لقاء وتعارُف سيدنا آدم وحواء —عليهما السلام — بعد نزولهما إلى الأرض. أما القول الثالث فيتصل بأبي الأنبياء إبراهيم — عليه السلام — حين كان الأمين جبريل يعلمه المناسك ويطوف به في المشاعر سائلاً إياه: «أَعَرَفْت؟» فيجيب الخليل بيقين: «عرفت»، فوسم المكان بالمعرفة منذ ذلك الحين.

جبل الرحمة

ولأن للمكان قدسية تفيض بالمعاني، يعرج الشيخ مصطفى شلبي على الجبل الشامخ الراسخ في قلوب المسلمين، “جبل الرحمة”، مؤكداً أنه القلب النابض لأرض عرفات. ويرى فضيلته أن سر تسميته بهذا الاسم نابع من فيوضات العفو والمغفرة والعتق التي تتنزل على العباد الواقفين في رحابه؛ حتى غدا هذا اليوم معركة سنوية ينتصر فيها الإيمان ويندحر فيها الباطل. ويستشهد الشيخ شلبي بالملحمة الغيبية التي يشهدها هذا الزمان والمكان، حيث لم يُرَ الشيطان في موضع قط أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى بعينه من تنزل الرحمات وغفران رب الأرض السماوات لخطايا العباد التائبين.

وفي لفتة فقهية بالغة الأهمية تنم عن وعي مدرك لروح التشريع، يوجه الشيخ مصطفى شلبي الأزهري نصيحة غالية لضيوف الرحمن، مؤكداً أن رحمة الله تتسع لأرض عرفات بأسرها، حيث يستحب للحاج الوقوف في أي موضع من هذا الصعيد الطاهر. ويبدد فضيلته وهماً شائعاً لدى البعض، موضحاً أن صعود الجبل ليس واجباً شرعياً ولا ركناً من أركان الحج، بل إن التكالب عليه قد يؤدي إلى زحام شديد ومشقة تخرج العبد عن خشوعه، والدين إنما جاء بيسر ورفع حرج.

المساواة الإنسانية

ويسترسل العالم الأزهري في تبيان المنزلة العظمى لليوم المشهود، مجملاً أهميته في محاور إيمانية وتشريعية تجعله أفضل أيام الدنيا عند جمهور العلماء. ويربط الشيخ شلبي بين الزمان وتاريخ الأمة، مبيناً أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، حين تنزلت آية المنة الكبرى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾، ليكون هذا اليوم شاهداً على كمال العقيدة، وبوابة للمغفرة الكبرى، والعتق من النيران، وإجابة الدعوات التي ترفعها أكف الضراعة.

ويرسم الشيخ مصطفى شلبي دقات الساعة الوجدانية ليوم التاسع من ذي الحجة، حيث يتوجه الحجاج نحو الصعيد الطاهر مع بزوغ الشمس، تسبقهم قلوبهم شوقاً، ويثبتون في مواضعهم متضرعين مستغفرين حتى تواري الشمس خدرها ويسدل الليل ستاره. وفي تلك الساعات المعدودة، يتحول صعيد عرفات إلى محراب كوني تلهج فيه الألسنة بالذكر والتلبية، وتتداخل فيه تلاوة القرآن مع الدعاء الباكي والاستغفار الصادق، ليتجلى المشهد الأكبر في ترسيخ قيمة “المساواة الإنسانية”، حيث تذوب كل الفوارق الفانية؛ فلا يرى الناظر إلا لباساً واحداً، ووجهة واحدة، ودعاءً واحداً يطلب الرحمة من رب واحد.

خريطة المناسك

ويمضي بنا الداعية الأزهري الشيخ مصطفى شلبي ليفصل أعمال الحجاج في هذا اليوم الأبرز، واضعاً خريطة طريق فقهية وروحية تبدأ من الركن الأعظم وهو “الوقوف بعرفة”. ويحدد فضيلته الإطار الزمني الدقيق لهذا المنسك، حيث يبدأ من زوال شمس يوم التاسع من ذي الحجة ويمتد حتى فجر يوم النحر (العاشر من ذي الحجة)، مؤكداً بقاعدته الفقهية أن من أدرك ولو لحظة من هذا الوقت واقفاً أو ماراً بأرض عرفات فقد صح حجه ونجا بنسكه، مع استحباب البقاء حتى غروب الشمس اقتداءً وثباتاً على هدي النبي ﷺ.

وفي تفاصيل اليوم التعبدي، يشير الشيخ شلبي إلى ملمح التيسير الإسلامي من خلال “الجمع بين الظهر والعصر”؛ حيث يجتمع ضيوف الرحمن لأداء الصلاتين جمع تقديم وقصراً بأذان واحد وإقامتين في وقت الظهر، اقتداءً بسنة المصطفى ﷺ، وتفرغاً كاملاً لبقية اليوم في العبادة والتبتل دون مشغلة.

وثيقة التوحيد

ويعرج العالم الأزهري على سلاح المؤمن في هذا اليوم وهو “الدعاء والذكر”، مستحضراً القول النبوي الفاصل: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة». ويلفت فضيلته إلى أن أفضل ما يجري على لسان الحاج وغير الحاج هو كلمة التوحيد العظمى: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»؛ لتمتزج هذه الكلمات النفيسة بأصوات التلبية الهادرة التي ترفعها الحناجر وتهتز لها الجبال: «لبيك اللهم لبيك.. لا شريك لك لبيك»، ليتحول الزمان والمكان إلى عهد متجدد من الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله في يوم الصفح والعفو الأكبر.

مكرمة الصيام

وفي ختام حديثه الشامل لبوابة «صوت البلد»، يلتفت الشيخ مصطفى شلبي الأزهري إلى الملايين من غير الحجاج الذين لم يكتب لهم الوقوف بعرفات هذا العام، ليزف إليهم بشرى المكرمة الربانية والفضل الممتد الذي لا تحده جغرافيا؛ مؤكداً أن صيام يوم عرفة لغير الحاج يعد غنيمة كبرى تمحو خطايا عامين كاملين، مصداقاً للحديث النبوي الشريف: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».

ويجمل فضيلته الفضائل العظمى لليوم في كونه محطة إلهية لإكمال الدين، ومغفرة الذنوب، ومباهاة الله بأهل الموقف ملائكته الكرام، داعياً جموع المسلمين في كل مكان إلى اغتنام الساعات الثمينة بالتوحيد والدعاء المستجاب، ليكون يوم عرفة انطلاقة جديدة نحو الاستقامة، وصلاح النفس، والتحلي بروح التسامح والمساواة التي يرسخها هذا اليوم العظيم في وجدان الأمة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19066

موضوعات ذات صلة

فوضى الأسواق العشوائية تبتلع أحياء الإسكندرية الراقية

أيمن مصطفى

الزراعة تحذر المزارعين من آفة خطيرة تصيب البطاطس

المحرر

درس «العامرية».. ما وراء الإقالة

أيمن مصطفى

هشام ماجد يثير الجدل بـ «برشامة»

“بولبينة” ينهي ملحمة الصبر ويؤهل الجزائر لربع النهائي

أيمن مصطفى

خريطة بهجة المصريين في العيد

أيمن مصطفى