ثقافة وأدبسليدر

حين يتكلم المال: كيف يُشكل الإعلام وعينا الاقتصادي؟

 

لم نكن في أي وقت مضى أحوج إلى فهم الواقع الاقتصادي وتداعياته من الوقت الحالي، نظرًا للتغيّرات الهائلة التي تشهدها المرحلة الحالية، نتيجة جائحة كورونا، والحروب التي اندلعت في مناطق كثيرة، وطال تأثيرها العالم أجمع، وما صاحَب ذلك من أزمات مالية عالمية، وتقلبات في أسعار السلع الأساسية والعملات، بالإضافة إلى التطورات التكنولوجية والرقمية، وسهولة تدفق المعلومات، والتي ضاعفت من سرعة التأثر بهذه المتغيرات الاقتصادية، ما جعل البيئة الاقتصادية أكثر تعقيدًا.

تزامنا مع هذه التصاعدات، أصبح ملايين الناس اليوم حول العالم يواجهون سيلاً من الأخبار الاقتصادية المليئة بالأرقام والمؤشرات، التي تبدو بالنسبة لهم معقدة وغامضة، مما جعلهم أكثر قلقاً على وضعهم المالي ومستقبلهم، وأكثر احتياجًا للإجابة عن الأسئلة التي تؤرقهم: مثل “لماذا ترتفع الأسعار باستمرار؟”، “ما سبب ارتفاع أو انخفاض سعر الدولار؟”، “ما معنى التضخم؟ وكيف يؤثر في حياتي اليومية؟”. هنا تظهر أهمية الإعلام الاقتصادي، الذي يتمثل دوره، ببساطة، في تحويل المعلومات الاقتصادية من ألغاز معقدة عصية على المواطن العادي، إلى أداة واضحة تمكنه من اتخاذ قرارات سليمة.

 حول هذا الموضوع يدور كتاب “المال يتكلم- تحولات الإعلام الاقتصادي” للدكتور خالد محمد غازي ( وكالة الصحافة العربية- ناشرون) ، والذي يناقش فيه كيف أصبح الإعلام الاقتصادي أداة فعلية لمواجهة التحديات وتقديم الحلول العملية، كما يستكشف المستقبل الذي يعكس تداخل الإعلام مع الاقتصاد في عالم متغير، ثم يصحبنا في رحلة لنرى كيف انتقل الإعلام الاقتصادي من الصحف الورقية التقليدية إلى عالم المنصات الرقمية السريع، وكيف اندلعت ثورة حقيقية في الصحافة الاقتصادية، كذلك يأخذنا في جولة في العالم العربي، لاستكشاف القنوات الاقتصادية العربية، وكيف تبني نماذج أعمالها وسط تحديات عصرية، مسلطًا الضوء على دور التحول الرقمي في قلب المشهد الاقتصادي العربي رأساً على عقب. مثيرًا عدة تساؤلات حول كيفية ضمان أن تبقى الكلمة الإعلامية إنسانية وصادقة.

لماذا نحتاج إلى الإعلام المتخصص؟

يفتتح غازي كتابه بمشاهد حياتية من مختلف البلاد: مشهد لشخص يقف أمام ماكينة صراف آلي، لا يعرف ما الذي يحدث لمدخراته، وآخر لمستثمر يتابع الأخبار الاقتصادية ويحاول فهم تأثيرها على قراراته، وآخر لسيدة عادية تشعر بارتفاع الأسعار، فتبحث عن تفسير لما يحدث حولها، ليشير إلى أن الجميع –باختلاف مستوياتهم وظروفهم- في حاجة ماسَّة إلى فهم أعمق لما يجري، تمهيدًا لشرح دور الإعلام الاقتصادي في تفسير هذه الظواهر، وتأثيرها على حياة الناس.

ثم ينتقل بعد ذلك للإجابة على السؤال الأهم: لماذا نحتاج إلى الإعلام المتخصص اليوم؟ فيستعرض رحلة تطور وسائل الإعلام من تسعينيات القرن الماضي، مع بدايات ظهور الإنترنت، ثم انفجاره في الألفية الجديدة، وسيطرة الهواتف الذكية، التي أصبحت غرفة أخبار شخصية، وبورصة، ومكتبة، ومستشاراً مالياً، ومدرباً نفسياً أحياناً، كما أصبح بإمكان أي شخص عادي أن يصبح صانًعا للأخبار، كل هذا أدى إلى تضاعف كمية المعلومات المُنتجة، والغرق في فيضان رقمي، فأصبح من المستحيل أن نعتمد على “الخبر العام” لنفهم ما يحدث فعلاً.

لذا، كان من الضروري ظهور الإعلام المتخصص، ليأخذ هذا السيل من الأرقام والأحداث والتغريدات والفيديوهات، فيصفّيه، يحلله، يربط بين أطرافه، ثم يعيد تقديمه لنا بلغة بشرية واضحة، دون تبسيط أو تعقيد. كما أن الجمهور لم يعد يقنع بكونه متلقيًّا لما تقدمه له وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبح نشطاً وفاعلاً ومؤثراً، يبحث عن المعلومة المتخصصة في المجالات التي تهمه وتشغل تفكيره، مما دفعه نحو المصادر المتخصصة التي تقدم تحليلاً أعمق، وكذلك على درجة أكبر من المصداقية، حيث تشير الدراسات إلى أن الإعلام المتخصص يحافظ على مستوى دقة يتجاوز 95%، في حين أن حوالي 60% من المعلومات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي غير دقيقة.

من النشرات المهنية إلى الإعلام المتخصص

 ويُرجع المؤلف بدايات الإعلام المتخصص الحقيقة إلى الأشكال المتعددة التي عرفتها البشرية منذ زمن بعيد، سواء في الصحف المهنية المتخصصة مثل “Lloyd’s List” البريطانية للتأمين البحري منذ 1734، أو المجلات العلمية والأكاديمية مثل “Philosophical Transactions” عام 1665، أو النشرات والمطبوعات المهنية والتجارية مثل نشرات بورصة لندن في القرن الثامن عشر، لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو الانتشار الواسع على نطاق عالمي، حيث تضاعف عدد القنوات المتخصصة 15 مرة منذ 1990، ليصل إلى أكثر من 500 قناة تلفزيونية متخصصة عالمياً. كما ظهرت آلاف القنوات التليفزيونية والإذاعية المتخصصة في مختلف المجالات، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المواقع الإلكترونية المتخصصة.

أما جذور الإعلام الاقتصادي، فتعود إلى عصر النهضة الأوروبية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، الفترة التي شهدت نشأة النظام الرأسمالي التجاري، واتساع التجارة الدولية، وازدهار المدن والمراكز المالية مثل لندن وأمستردام والبندقية. مع هذا التطور، برزت الحاجة إلى وسائل لتداول المعلومات الاقتصادية والتجارية في السوق، فصدرت نشرات دورية تتضمن أسعار السلع، وحركة السفن، وأسعار العملات، وغيرها من البيانات الحيوية. وكانت بريطانيا من الدول الرائدة في هذا المجال عبر النشرات المتخصصة، كما شهدت الولايات المتحدة لاحقًا تطورًا مماثلًا مع صحف نقلت الأخبار الاقتصادية، وأسهمت في توحيد الأسواق. وكان الهدف الأساسي لهذا النوع من الإعلام جعل المعلومات الاقتصادية والتجارية في متناول أكبر عدد ممكن من المهتمين، بعد أن كانت محتكرة من قِبل كبار التجار والممولين.

وبالتزامن مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، تطور الإعلام الاقتصادي، فظهرت صحف أكثر احترافية مثل “The Economist” و”Financial Times”، لتصبح مراجع أساسية في الشأن الاقتصادي. وفي القرن العشرين، أحدثت الإذاعة والتلفزيون نقلة نوعية، وظهرت قنوات متخصصة مثل “CNBC” و”Bloomberg Television”. أما التحول الأكبر فجاء مع انتشار الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين، حيث أتاح تدفقًا غير مسبوق للمعلومات عبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية، مما أتاح الوصول إلى البيانات الاقتصادية بسهولة في أي وقت ومن أي مكان، وساهم في تسريع تداول المعلومات، وتعميق انتشار الإعلام الاقتصادي عالميًا.

تحديات الاستقلال والاستدامة

إلا أن طريق الصحافة الاقتصادية الإلكترونية لم يخلُ من التحديات، والتي تتمثل في انتشار الأخبار الزائفة والتضليل المالي، وما يُحدثه من خسائر فورية في الأسواق، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة بين السرعة والدقة في البيئة الرقمية، والتي جعلت من الصعب الحفاظ على أخلاقيات التغطية الاقتصادية. كذلك ظهرت أزمة الاستدامة المالية نتيجة ضعف العائدات الإعلانية، والتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى تسريح جماعي للصحفيين المخضرمين، وإغلاق أقسام التحقيقات، أو اللجوء إلى المحتوى المدفوع الأجنبي، الذي يُقوّض الاستقلالية، فضلًا عن ظاهرة “فقاعات المعلومات”، حيث تُصمم خوارزميات منصات التواصل والمواقع الإخبارية لتقديم محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم السابقة، وهكذا يضيع الخطاب العام المشترك حول السياسات الاقتصادية الكبرى.

فيما تواجه الصحافة الاقتصادية الإلكترونية تحديات إضافية على المستوى العربي، مثل ثقافة السرية المؤسسية التي ما زالت تُصنّف البيانات المالية كأسرار دولة، وكثرة الخطوط الحمراء التي تُضعف الدور الرقابي والاستقصائي، وانهيار قيمة الإيرادات والاشتراكات، فضلًا عن نقص التدريب المتقدم على صحافة البيانات، والتحقق الرقمي، والتحليل المالي الاستقصائي.

في هذا السياق، يقدم خالد غازي توصياته للمؤسسات الإعلامية في العالم العربي بضرورة وضع حواجز بين قسم التحرير وقسم الإعلانات، تتمثل في سياسات داخلية صارمة، ولجان تحرير مستقلة، وشفافية في الكشف عن مصادر التمويل عند الحاجة، بالإضافة إلى توفير التدريب المستمر للصحفيين على الأخلاقيات المهنية، وذلك للحفاظ على النزاهة، لأن تضارب المصالح بين الإعلان والتحرير بات خطرًا يهدد مصداقية التغطية الاقتصادية، خاصةً مع اعتماد معظم المنصات الإعلامية على عائدات الإعلانات، التي يأتي أغلبها من بنوك، شركات استثمار، ومؤسسات مالية كبرى، مما يجعل الحد الفاصل بين المحتوى التحريري والإعلاني هشًّا للغاية.

وفي النهاية، يقدم نصيحته لكل قارئ بأن “يسأل  كلما مر بخبر اقتصادي أو تحليل متخصص: ماذا يعني بالنسبة لي هذا الخبر؟ من يستفيد، ومن يدفع الثمن؟  من يُرى، ومن يُغيّب؟ من يتكلم، ومن صمته أعلى من كل الأرقام؟”.

فمن خلال هذه الأسئلة، يتعلم كيف يقرأ الأرقام، ويفهم تأثير السياسات على حياته، ويُقدّر قيمة المعلومة الموثوقة. ولا ينخدع بالشائعات المالية أو الإعلانات المُضللة. فيتحول من متلقٍ سلبي إلى مواطن واعٍ يفهم اقتصاد بلاده، ويُساهم في تغييره نحو الأفضل. فالجمهور الواعي يطالب بمحتوى أعلى جودة، يُقيّمه، ويُدعمه مادياً ومعنوياً، مما يخلق دائرة إيجابية تعزز استدامة الإعلام وتأثيره. وبدون هذا الوعي، يتحول الإعلام إلى مجرد صوت يتردد في الفراغ.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24371

موضوعات ذات صلة

هندسة أسيوط وصيفًا عالميًا بمسابقة هواوي للتكنولوجيا

أحمد الفاروقى

طعنات الرفاق.. خيانة الصديق وإفلاس الثقة

أيمن مصطفى

فرحة عارمة بالعبور التاريخي للفراعنة بالمونديال

أيمن مصطفى

8 أرقام تاريخية تنتظر ميسي في النهائي

محمد عطا

المهق.. طفرة جينية اتهمتها الشعوب بالشعوذة وأنصفها الأدب

سارة الدسوقى

معبد دندرة ينضم لقائمة التراث في الإيسيسكو

أحمد الفاروقى