ثقافة وأدبسليدر

رواية «الحالة آدم».. هل ننجو بحذف نسختنا الماضية؟


في زمن الخوف والصراع، يراوغ البشر مشروع جديد للتحصين ضد الأمراض النفسية. إعلانات تحمل صورة لأم تداعب طفلها الذي اختارت له حياةً أفضل. طبيب نفسي يبشّر بإعادة عقول الناس لـ”ضبط المصنع” فلا ألم يطاردهم من ماضيهم ولا قلق على غدهم، ولا خوف في مجتمع من النسخ الآدمية المتشابهة!

ترسم رواية “الملف المحجوب للحالة آدم” للكاتب إسماعيل وهدان، صورة أقرب من حاضر يتحكم فيه سادة العلم في عقول الأبرياء وبرمجتها لقوالب تسهّل ترويضهم والتخلص من “غير المرغوب فيهم”.
تمتاز الرواية الصادرة عن دار “المحرر” ببناء محكم وحبكة يقودها إيقاع هاديء لكنه يتسارع ويصبح أقرب لروايات المغامرات الاستقصائية المشوقة مع المضي قدما.
لغة الرواية سلسلة عصرية وفي الوقت نفسه تتمسك بجماليات التصوير الفني للحالات الشعورية للأبطال، والأجواء المتوحدة وجدانيا معهم. والمثير أن الكاتب يهدي روايته إلى اليأس “البطل الوحيد في حكايات الأمل الكاذب”، وكأنه يتحدى نقطة الضعف البشرية حين يقسو الواقع ويتلاشى الرجاء في شروق يوم أفضل!

استلاب البشر
“الفطرة كسرتها الحياة، والعجينة الطينية شكلتها المعاناة في مليار صورة “

رحلتنا مع الرواية تبدأ من أسرة وليد الباخوري؛ حيث نشاهد صراع زوجين لإنقاذ ابنتهما “سارة” – المصابة بالتوحّد- من الخضوع لتجارب “مشروع آدم”، وهو الاسم الذي أطلقه الدكتور فاروق الصغير، أحد أشهر الأطباء كمظلة لإنتاج ترياق يخلص البشر من كل الأمراض النفسية “الشيطانية” بحسبه والتي تشكل ندوبا تعوق الحاضر، ومن ثم يمكن لهؤلاء الآدميين الجدد – بعد تدخلات كيميائية وكهربائية ونفسية – أن يكونوا نواة مجتمع بلا جريمة ولا عقد!

الأمر المفزع ليس تحويل الإنسان لفأر تجارب أو الادعاء بأننا نملك كتالوجا للأسوياء، بل أيضا في إمكانية حجب ماضي الإنسان عبر ملفات كل الحالات التي خضعت للمشروع.

تصرخ الطبيبة “آريا” في رسالتها لـلدكتورة “ميرنا” بطلة الرواية، بأن “وراء كل ناج مئات لم ينجوا”، حيث يسلب المشروع الخادع اختلاف الناس وتنوعهم وذكرياتهم. يسلبهم الخطأ الذي يعرفون به الصواب، ويجعلهم مجرد مسوخ عمياء نحو سراب السعادة.

الهروب للداخل
“وحيدة كالحوت الذي أنّ على موجة لا تسمعها باقي الحيتان”

الرواية مكتوبة بضمير السارد العليم، وهو ما يضعنا على مسافة واحدة مع جميع الأبطال؛ لكن حين نتلصص مع البطلة الصحافية ميرنا على ملفات الآدميين المصطنعين، نستمع لأصواتهم وكيف عاشوا معاناة المرض، وكيف دفعوا أثمانا باهظة من عدم تقبل الآخرين والرضوح لسلطة أكبر منهم تنتهكهم؛ كذلك الشيخ الذي أغرى فتاة بالخضوع الجسدي لأجل الجنة!، أو الطبيب الذي يخضع مرضاه للتجارب مستغلا ضعفهم، وهكذا نرى حلقات من السلطة والطاعة العمياء والاستلاب.
تقترب الرواية بوعي شديد من التوحّد ليس كحالة فردية بل جماعية، حين يصبح الأفراد الأكثر هشاشة في مواجهة تحديات عصرنا. كانت اللغة واعية بلغة أبناء التوحّد، فقد ظلت سارة تردد أكثر من مرة عبارات مثل “لا أريد أن ينسوني” وهي تشعر أن عالمها بين الكتابة والرسم وقراءة الخرائط يكفيها.. ولكنها لا تحب أن يفتقدها الآخرون الذين أحبوها. وسنرى تعلقها بكلبها هوني بلو رمز البراءة، وتعلقها بزميلها أرسلان الذي سيلعب دورا في دفعها للبوح انطلاقا من مساحة تقبل وحب ظلت تفتقدها.
في ظل كل ذلك، نلمح صوتا واعيا يراقب تحولات سارة ونموّها، ويرفض تحولها لنسخة لا تشبهها. تقول ميرنا لزوجها قبل انفصالهما: اختلاف سارة وتجاربها هو جزء منها. كان هذا الصوت محاولة مستميتة لمنع الابنة من الانسلاخ عن ذاتها، وكان ذلك أصعب ما قاسته الأم.

بيوت الصمت
“ليلتها كان السرير بوسع الصحراء، والظلمة ليل لم يطلع فيه قمر. كانت وحدها، والصغيرة في آخر الأرض… وليد لم يكن هناك. حتى وحوش الصحراء روضها الصمت”

تعد الأحلام مدخلا هاما للاقتراب من وعي بطلة الرواية ميرنا وابنتها سارة والمصابتان بالتوحد وأعراض المطاردة من أشباح الغرباء. لكن الرواية تشير بأصابع خفية للسبب؛ لم يكن البيت ينقصه الحب وإنما البوح الذي حل محله جدار الصمت فظل يعلو حتى أحال البيت لسجن بارد، أفراده منعزلون، لا يشعرون بالدفء.
تسلل هذا الصمت فلم يتخفف الزوجان مما يثقل قلبيهما.كان ذلك جزء من تكوينهما المائل للعزلة، وشعور بأمان القوقعة بعيدا عن الآخرين وضجيجهم والوجوه المتفرسة في اختلافهم وهشاشتهم؛ وكأنها صياد ينتظر لحظة القنص، تماما كما كانت سارة تصف زميلاتها حين يتندرون عليها بقسوة واصفين إياها بـ”أنثى الدب”.

خشى الأب وليد أن يتكلم؛ فأصبح الصمت هو المسمار الذي دقّه في نعش علاقته بزوجته. قد نشعر مع ردود الأب الباردة بلا مبالاته، وهنا قد نتعاطف مع زوجته وهي تنهار وتبكي لأنه لا يشعر بألمها ولا يشاركها رحلة بحثها عن حل تنقذ به ابنتها التي تفاقمت حالتها وتحولت للعدوانية.. قد نتفهم هنا كيف تقرر امرأة أن تحارب وحدها في معركة لا تحتمل أنصاف الإرادة، أن تصبح أمًا فقط، وتتخلى عن رجل يرى أن “كل شيء بخير”!

في الرواية نرى كيف سيطرت على ميرنا مشاعر الخوف من المسؤولية فتوارت مشاعر الأمومة في قلبها منذ ميلاد سارة. تبكي ولا تقوى على هدهدة الرضيعة. تتقوقع فتحرم ابنتها من الحضن وحكايات ما قبل النوم.. تراكم الذنب وتحول لوحش يطاردها وكابوس يؤرق منامها، لكنه لم يمنع مشاعر الأمومة من أن تنتفض حين ترى أم ابنتها على حافة الهاوية.

حتى الأب بصمته العنيد، يتحول حنقنا عليه حين نرى دموعه التي ذرفها وهو يخاطب ميرنا، ويعترف: كنت صامتا لأنني أدركت منذ صغرها أنني أرى نفسي فيها. غربتي بين البشر، مجاراتي للحظات الفرح التي لا أشعر بها. هذا الصقيع الذي خشي أن يحكيه لميرنا فتهجره.

لقد كان هذا الجبل من الندم أبرز شعور يهيمن على قلب أبوين وهما يراقبان ابنتهما. وظلت سارة تحتفظ بمقولة أمها: “الحب حاجة بشرية عند الأغلبية؛ كثيرون يشعرون بحياتهم ناقصة دونها. لكن إن لم تشعري بالنقص، فلا حاجة لإكمال”!

هل فات ميرنا أن تسمع لصمت وليد وبكائه بلا دموع؟ هل فاتها أن عزلتها ستتحول لشرنقة تحيط بابنتها والتي ستهبها لاحقا ما بقي من ذرات روحها لإنقاذها؟ وهل فات وليد أن يدرك أن الصمت ليس خيارا أفضل حين يصبح البديل هو غرق من نحب؟ 

كما الحياة أحيانا، تمنح الرواية أبطالها فرصة ثانية. مشهد لقاء ميرنا ووليد من أبدع ما يكون؛ ففيه بوح القلوب ودموع العين والابتسامات المؤجلة واليدان المأرجحتان تماما كما كانا في سابق عهدهما. حب يستيقظ لأن الأوان لم يفت كما ظنّا. شعور بالمسؤولية عن الابنة المراهقة وشعور بالحاجة للحب والسند.

النجاة من الجحيم
“من عبر الجحيم مكبل بما رأى، والعتق في تبليغه”

كان الكتاب الذي اختاره “ناجي”-أول من طُبقت عليه التجارب- هو “عابر الجحيم” لشيرود موراكي، وقد رأى في جملته الأخيرة خلاصه فكان الإبلاغ هو قارب أخير لحريته، تماما كما فعلت الدكتورة آريا، وكما ستفعل ميرنا.
الرواية تحيلنا لمفهوم أعمق للنجاة التي لا يمكن أن تصبح فردية. تشعر ميرنا في نهاية الرواية أن دورها أشمل من مجرد إنقاذ ابنتها. النجاة أيضا في الرواية لا تتعلق بالضرورة بالصورة المثالية ومجانبة السقوط، بل إدراك أن هذا السقوط هو جزء من التجربة.

شخصية “ناجي” تحيلنا لمريض سيكوباتي تورط في قتل العديد من الأبرياء، كان هذا الألم يلاحقه، أكثر من سنوات السجن، وهذا تحديدا هو النموذج الذي يستهدفه المشروع أو هؤلاء الذين يرجون ميلادا بعيدا عن صورة الماضي. يقول ناجي بألم: “أتمنى أن أمسح نفسي من ذاكرات الناس” أعلم أن “الاكتئاب وحش قاس، وأسوأ ما فيه الإيمان الذي يملأ صدرك بأن غيابه أسوأ”.

تجيد الرواية تصوير كيف يتحول “ناجي” من مروّض للآدميين الجدد، لمحارب عنيد لمن صاغه بيديه وأبدل عقله وروحه، أو الدكتور فاروق الصغير والذي يشكل نموذجا استعلائيا للعلم الذي يجد أبواقا ترحب به، لكنه في قرارته شيطان يمتهن البشر.

في رحلة أبطال استعادة البشرية (ميرنا- وليد- آريا) داخل المصحة المرعبة، سنرى في الأرشيف قصصا مؤلمة لمرضي الاكتئاب والشيزوفرينيا والعدوانية والتوحّد وغيرها من الأمراض التي تبدو كأشباح لكن الأكثر رعبا هو استبدالها بأشباح لا تسكنها أرواحهم. بل وأن يشكر كل مريض من أمات ماضيه وجعله أسعد وكأنها جمل يمليها غيره عليه!.

ظلّ فاروق الصغير يردد: المترددون في ركوب القطار يبقون في الماضي، ولكن الرواية تكشف أن التطور لا يعني شيئا إن لم يضف لإنسانيتنا وقبولنا لأنفسنا.

“الحالة آدم” لا تمنح أبطالها خلاصًا سهلًا ولا نصرًا أكيدًا؛ يتشتت الأبطال بين من يخضع للانتقام ومن ينجو. نسمع المظاهرات المطالبة بعودة البشرية، ونرى كيف تتمكن صحافية من تحذير العالم بكل ما رأت وسمعت في مصنع المسوخ البشرية، وقد أدركت أن مصير ابنتها مرتهن بمصير كل الضحايا .. بينما كان صوت الناجي الأول يتلاشى!

اقرأ أيضا

أشرف العشماوي: أكتب عن وجه خلف القناع ولا أحاكم أبطالي

سايكو سينما: انظر حولك فقد ترى هؤلاء 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27335

موضوعات ذات صلة

لنا عبد الرحمن: الموت حضر بأكثر من وجه في أعمالي

المحرر

الملكية العامة للكتب: فرص وتحديات

أسماء قدري

قصص الحكاء الأخير في هذا الزمان تواجه أسئلة الوجود

المحرر

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

شيماء عيسي

مستند يكشف راتب حسام عبد المجيد في الزمالك

محمود المهدي

الحقد: سمُّ النفوس وعُزلتها

أيمن مصطفى