ميديا

الإبداع لا يطيل العمر… لكنه يمنح الحياة سنوات أكثر جودة

 

منذ القدم، سعى الإنسان إلى اكتشاف سر الحياة الطويلة، فتأمل أعمار الأشجار المعمرة والحيوانات التي تعيش قرونًا، وابتكر الوسائل التي تؤخر الشيخوخة وتحافظ على الصحة. لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن مفتاح الحياة الأفضل قد لا يكمن فقط في الغذاء أو الدواء، بل أيضًا في الإبداع، الذي لا يزيد عدد سنوات العمر، لكنه يجعلها أكثر صحة وحيوية ومعنى.

فعلى سفوح جبال وايت ماونتينز في ولاية كاليفورنيا، تقف واحدة من أقدم الأشجار الحية على وجه الأرض، وهي شجرة صنوبر بريستلكون العظيم، التي تجاوز عمرها خمسة آلاف عام. أما في عالم الحيوان، فقد سجل محار بحري اكتشف قبالة سواحل أيسلندا عمرًا تجاوز خمسة قرون، بينما بقيت الفرنسية جان كالمينت صاحبة الرقم القياسي لأطول عمر بشري موثق، بعدما عاشت أكثر من مئة واثنين وعشرين عامًا.

ورغم هذا الشغف الإنساني بإطالة العمر، فإن السؤال الذي يشغل الباحثين اليوم ليس كيف نعيش سنوات أكثر فحسب، بل كيف نحافظ على جودة حياتنا مع التقدم في السن، وهنا يبرز دور الإبداع بوصفه أحد أهم العوامل التي تدعم الصحة العقلية والنفسية.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن ممارسة الأنشطة الإبداعية بصورة منتظمة تنشط المناطق الدماغية الأكثر عرضة للتراجع مع الشيخوخة. فقد أظهرت دراسة دولية واسعة أن الإبداع يعزز ترابط شبكات الدماغ، ويقوي الاتصالات العصبية، ويحسن كفاءة معالجة المعلومات، الأمر الذي يساعد على الحد من آثار التقدم في العمر على الوظائف الذهنية.

كما سعت دراسة أخرى إلى معرفة ما إذا كان الإبداع يشكل عاملًا وقائيًا يحافظ على مرونة التفكير لدى كبار السن. وقارن الباحثون بين مجموعة من كبار السن وأخرى من الشباب باستخدام مهام لغوية ومعرفية متنوعة، فتوصلوا إلى أن التقدم في العمر يرتبط بالفعل بانخفاض بعض القدرات الإبداعية، إلا أن الأشخاص الذين يمارسون الأنشطة الإبداعية باستمرار يحتفظون بمرونة ذهنية أكبر، ويظهرون قدرة أفضل على مقاومة هذا التراجع.

ويرى الباحثون أن الإبداع يعمل بوصفه موردًا معرفيًا يحافظ على الذاكرة، ويعزز مرونة التفكير، ويساعد الدماغ على التكيف مع التغيرات المرتبطة بالشيخوخة، وهي عوامل تسهم في الحفاظ على النشاط العقلي والاستقلالية خلال المراحل المتقدمة من العمر.

كما خلصت مراجعات علمية حديثة إلى ضرورة إدراج الإبداع ضمن أسس الشيخوخة الصحية، إذ ترتبط ممارسة الرسم، والعزف، والكتابة، وحل المشكلات، والأنشطة الفنية المختلفة بتحسن الصحة النفسية، وزيادة الشعور بالهدف، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، وهي جميعها عوامل ترتبط بارتفاع متوسط العمر المتوقع.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الإبداع لا يطيل العمر بيولوجيًا بصورة مباشرة، وإنما يسهم في بناء نمط حياة صحي يزيد من جودة السنوات التي يعيشها الإنسان، ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع تحديات التقدم في السن.

ويشير الخبراء إلى أن دمج الأنشطة الإبداعية في الحياة اليومية يمثل وسيلة فعالة للحفاظ على الصحة العقلية والجسدية، لأنها تنشط الدماغ، وتحد من التوتر، وتعزز الإحساس بالإنجاز والانتماء.

ويأتي الرسم والفنون البصرية في مقدمة هذه الأنشطة، إذ تساعد على تنشيط التفكير المتشعب، وتحسين المهارات الحركية الدقيقة، ولا يشترط فيها الاحتراف أو إنتاج أعمال فنية كبيرة، بل يكفي أن تكون وسيلة للتعبير عن الذات، وهو ما ينعكس إيجابًا على المزاج، ويقلل من احتمالات الاكتئاب، ويؤخر التراجع المعرفي، كما يسهم في خفض مستويات التوتر.

وتحتل الكتابة الإبداعية مكانة مماثلة، سواء كانت كتابة اليوميات أو القصص أو الشعر أو المذكرات، لأنها تمنح الإنسان فرصة لتنظيم أفكاره ومشاعره، واستيعاب تجاربه الشخصية، والتخفيف من الضغوط النفسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة ووظائف الجهاز المناعي.

ولا تقل أهمية حل المشكلات والتعلم المستمر، فتعلم مهارة جديدة، أو قراءة كتب خارج مجال التخصص، أو حضور الدورات والندوات، كلها أنشطة تحفز الفضول، وتنمي القدرات العقلية، وتساعد على بناء مرونة ذهنية تبطئ آثار التقدم في العمر.

أما الموسيقى، سواء من خلال الغناء أو العزف أو حضور الحفلات أو المشاركة في الأنشطة الموسيقية، فتسهم في تنشيط شبكات الدماغ، وتعزز التوازن النفسي، وتحافظ على القدرات المعرفية، مما يجعلها وسيلة فعالة لدعم الصحة الذهنية.

وتؤدي الحرف اليدوية كذلك دورًا مهمًا في تعزيز جودة الحياة، مثل الحياكة، والخياطة، وصناعة الفخار، وتنسيق الزهور، والأعمال اليدوية المختلفة، فهي تجمع بين النشاط الذهني والحركي، وتخفف الضغوط، وتشجع على الإبداع، وغالبًا ما تمارس في أجواء اجتماعية تعزز التواصل الإنساني.

ويؤكد الباحثون أن الانتظام في ممارسة هذه الأنشطة يخلق منظومة متكاملة من الفوائد، إذ يقلل التوتر، وينشط التفكير، ويعزز العلاقات الاجتماعية، ويمنح الإنسان شعورًا دائمًا بالهدف والمعنى.

وفي النهاية، لا يقدم الإبداع وعدًا بإطالة العمر، لكنه يمنح الإنسان فرصة لأن يعيش سنواته بكفاءة أكبر، وعقل أكثر نشاطًا، ونفس أكثر اتزانًا. فالقيمة الحقيقية للإبداع لا تكمن في إضافة سنوات إلى الحياة، بل في إضافة حياة إلى تلك السنوات.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21291

موضوعات ذات صلة

سخرية علي مواقع التواصل بسبب أسعار المتحف الكبير

المحرر

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

سارة الدسوقى

إطلالة صيفية لـ روبي على شاطىء البحر

المحرر

تحت المجهر: قضية البلوجر روكا أحمد

المحرر

المتحدة تُطلق قناة جديدة لفعاليات مهرجان العلمين

المحرر

مقصلة التريند!

أيمن مصطفى