ثقافة وأدبسليدر

الإسكندرية: حبر البحر في محراب النور الجديد

الوصول إلى الإسكندرية في مطلع يوليو لا يشبه أي ارتحال آخر؛ فالمدينة لا تستقبلك بالشوارع واللافتات، بل بنوع من الهيمنة البصرية والوجدانية التي يفرضها البحر. هنا، حيث يلتقي الأفق برذاذ الملح، تشعر أن هذه المدينة لم تُبنَ من حجر، بل عُجنت من حبر، وتاريخ، وحكايات بشر عبروا وتركوا ملامحهم على جدران المقاهي العتيقة.

الذاكرة والبحر

تجرّ الإسكندرية وراءها عباءة من الأساطير؛ من منارة “فاروس” القديمة التي كانت تهدي السفن، إلى مكتبتها الأسطورية الأولى التي احترقت فرمّدت جزءاً من وعي العالم القديم. غير أن روح الإسكندرية ترفض الرماد؛ إنها تولد مجدداً، كطائر الفينيق الذي يغسل جناحيه بماء المتوسط ليقف شامخاً أمام التاريخ.

حين تقف اليوم أمام مبنى مكتبة الإسكندرية الجديدة، تلك الأسطوانة الزجاجية والمشيدة بجرانيت أسوان المحفور بأبجديات الحضارات، تدرك أنك لا تقف أمام مجرد بناء معماري حصد جوائز التصميم العالمية، بل أمام “بوابة زمنية” تربط الماضي بالمستقبل. وفي ثنايا هذا المشهد، تأتي الدورة الحادية والعشرون من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، لتُعلن أن المدينة ليست مجرد مصيف للهاربين من لهيب العاصمة، بل هي عاصمة الوعي البديلة التي تطرح أسئلتها الصعبة فوق رصيف الكورنيش.

مشهد الافتتاح

في صباح مشهود من صباحات المتوسط، تحولت عتبات المكتبة العريقة إلى ساحة لحدث قومي رفيع؛ إذ شهد المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، انطلاق فعاليات هذه الدورة الاستثنائية التي تقام في الفترة من 6 إلى 20 يوليو الجاري. لم يكن الافتتاح مجرد قطع لشريط حريري، بل كان تدشيناً لبروتوكول فكري عريض يجمع المحافظة بالهيئة المصرية العامة للكتاب، واتحادي الناشرين المصريين والعرب، وبرعاية استراتيجية واعية من بنك ABC.

وقف المحافظ متأملاً المشهد، ومن خلفه حضور رسمي وأكاديمي ودبلوماسي يعكس ثقل المدينة؛ تقدمهم د. أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، والسفيرة نهى الجبالي نائب مساعد وزير الخارجية للجامعات، ود. أحمد عادل عبد الحكيم القائم بأعمال رئيس جامعة الإسكندرية. كما سجل المشهد حضوراً لافتاً لكل من د. أشرف العزازي أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، ود. أحمد نبوي مخلوف أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (نائباً عن وزير الأوقاف)، ود. عبدالله بن ناصر القنصل السعودي، إلى جانب كوكبة من القيادات التنفيذية والأكاديمية ونخبة من الإعلاميين والمفكرين.

هذا الحشد الفخم يقرأه القلم النقدي كرسالة سياسية وثقافية بالغة الدلالة: الإسكندرية حين تفتح كتاباً، فإن الدولة بأجهزتها ودبلوماسيتها ومؤسساتها الدينية والأكاديمية تحضر لتوقع على وثيقة الانحياز للمعرفة.

وقد تجلى هذا الانحياز في كلمة المهندس أيمن عطية، الذي أكد بوضوح أن هذا المعرض يُعد أحد أهم الفعاليات الثقافية في مصر والمنطقة العربية، مبرزاً حرص المحافظة على دعم هذه المنصات الرائدة التي تسهم في بناء الإنسان. وأشار المحافظ إلى أن هذا الدعم يأتي تنفيذاً مباشراً لتوجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاستثمار في الثقافة، باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ الهوية الوطنية في مواجهة تيارات التغريب وتسطيح الوعي.

لغة الأرقام

الرؤية النقدية للمشهد تفرض علينا تجاوز لغة الإنشاء إلى لغة الأرقام التنافسية؛ فنحن لسنا أمام مجرد “سوق للكتب”، بل أمام مهرجان تفاعلي صاخب؛ فالمعرض يطرح هذا العام برنامجاً ثقافياً ثرياً وغير مسبوق يتضمن أكثر من 410 فعاليات متنوعة. هذا الرقم الضخم يمثل تحدياً لوجستياً وفكرياً حقيقياً، تحولت معه قاعات المكتبة وصالوناتها إلى ورش عمل دؤوبة لا تهدأ على مدار أسبوعين.

تتنوع هذه الفعاليات بين الندوات الفكرية، والأدبية، والعلمية، والأمسيات الشعرية التي يستعيد فيها شعراء الثغر لغة البحر، وصولاً إلى العروض الفنية الملهمة. والمثير للاهتمام هنا، هو الطرح المغاير للندوات؛ إذ لم تعد القضايا أسيرة التاريخ والأدب الكلاسيكي، بل اقتحمت المنصات ملفات ساخنة تمس عصب الراهن؛ مثل جلسات الصحة النفسية، والتشريعات الحديثة، وقضايا التكنولوجيا العاصفة.

ولأن المعرض يعي هويته السكندرية جغرافياً وتاريخياً، فقد تزينت جدرانه وممراته بعرض أعمال فنية ساحرة توثق تاريخ وجمال مدينة الإسكندرية، لتمنح الزائرين تجربة بصرية متكاملة تمزج بين متعة القراءة وعراقة المكان، وتؤكد ما أشار إليه المحافظ من أن تنوع هذا البرنامج يمثل فرصة حقيقية لتبادل الخبرات والانفتاح على مختلف المدارس الفكرية والإبداعية العالمية.

مخرج الهوامش

لم يكن اختيار المخرج السينمائي الكبير الراحل داوود عبد السيد ليكون شخصية المعرض لهذه الدورة مجرد تكريم عابر؛ بل هو ضربة فرشاة نقدية بامتياز، تكشف عن عمق الرؤية لمنظمي هذه الدورة وتأكيداً على القيمة الاستثنائية التي يمثلها في الوجدان المصري والعربي.

داوود عبد السيد هو “مخرج الهوامش”؛ هو الذي فكك تركيبة الوعي المصري عبر أفلام مثل “الصعاليك”، و”البحث عن سيد مرزوق”، و”مواطن ومخبر وحرامي”، وبالتأكيد تحفته الخالدة “الكيت كات”؛ فاختيار مخرج سينمائي ليتصدر مشهداً في “معرض كتاب” هو اعتراف صريح من إدارة المعرض والمحافظة بأن الثقافة لم تعد أسيرة “اللفظ المكتوب” وحده، بل هي “الصورة البصرية” التي تشكل وعي الجموع وتوثق تحولاتهم الاجتماعية.

ترتبط سينما داوود بالبحر والإسكندرية ارتباطاً وثيقاً. ففي “الصعاليك”، كانت الإسكندرية هي مدينة الصعود والهبوط، مدينة الثراء المفاجئ والتحولات الطبقية الفجة. وفي أروقة المعرض، حين تُعقد الندوات لمناقشة سينما عبد السيد، تبرز الرؤية النقدية: هل تراجعت الثقافة المكتوبة لدرجة أننا نستدعي السينما لإنقاذ الكتاب؟ أم أن المعرض يحاول كسر النمطية والجمود الفكري عبر استدعاء الفن السابع إلى محراب الحبر؟ الحضور المكثف للشباب في ندوات داوود عبد السيد يعكس رغبة عارمة في الخروج من “الصالونات الثقافية المغلقة” إلى آفاق تفاعلية أرحب.

صراع المعرفة

تتجلى عبقرية المكان في المعرض من خلال المزج البارع -والمرتبك أحياناً- بين الحداثة التكنولوجية الساحقة وأصالة التراث. ففي الوقت الذي يفرد فيه المعرض محوراً علمياً ضخماً يناقش “استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحقول العلمية والثقافية”، نجد على الجانب الآخر تشبثاً أصيلاً بالجذور يمثله تلاحم الأجيال حول أحدث إصدارات مكتبة الإسكندرية المتميزة.

هذه المفارقة تخلق بعداً درامياً وقصصياً ممتعاً؛ فبينما يخصص المعرض جناحاً كاملاً لكتب الأطفال لصناعة قارئ المستقبل، وجناحاً موازياً بالتعاون مع باعة “سور الأزبكية” للكتب القديمة والنادرة، يندفع الشباب نحو قاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

هنا يتدخل القلم النقدي ليتساءل: هل يفقد الكتاب الورقي قدسيته وعراقته في محراب التكنولوجيا؟ إن الإقبال الجماهيري الضخم الذي رصده المحافظ والقيادات في اليوم الأول، والذي يملأ قاعات المكتبة من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً، يؤكد أن الخوارزميات الرقمية لم تنتصر على الورق بعد.. الإنسان لا يزال بحاجة إلى ملمس الورقة النادرة القادمة من سور الأزبكية، إلى رائحة الحبر التي تشبه رائحة المطر على تراب الإسكندرية، وإلى الحوار الإنساني الحي الذي لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحه الصدق المتدفق فيه.

صمود الفكر

لا يمكن إغفال الهم الإنساني والاقتصادي الذي يلقي بظلاله على أروقة المعارض الفكرية عموماً؛ فالناشرون المشاركون، يواجهون تحديات اقتصادية معقدة تتعلق بمدخلات الإنتاج وأزمات الورق وحقوق الملكية الفكرية.

ورغم هذه الظلال، فإن مشاركة 86 دار نشر مصرية وعربية تعكس عناداً ثقافياً محموداً ورغبة حقيقية في البقاء؛ فالمعرض هنا لم يعد مجرد رفوف مرصوصة، بل هو جبهة صمود؛ فالكتابة والنشر في زمن المنصات الرقمية السريعة هي أشبه بوضع رسالة في زجاجة وإلقائها في بحر متلاطم، على أمل أن تجد يداً عاقلة تلتقطها.

الجمهور السكندري، الواعي بطبعه والممتزج بجاليات وتاريخ كوزموبوليتاني، يمارس ذكاءه الخاص في المعرض؛ يوازن بين شغفه بالمعرفة وميزانيته، مستفيداً من التسهيلات والخصومات التي يقدمها المعرض بالتعاون مع اتحاد الناشرين هيئة الكتاب. هذه الحركة البشرية القصصية تضفي صبغة واقعية على المعرض؛ فالجميع يريد المعرفة، والإسكندرية تثبت في كل لقطة أنها لا تتخلى عن هويتها كقارئة أولى.

وثيقة الوعي

حين تغادر مكتبة الإسكندرية ليلاً، وتنظر إلى المبنى وهو يضيء كقرص شمس يخرج من باطن البحر، تدرك أن هذه الدورة الحادية والعشرين من المعرض، التي افتتحها المحافظ بحضور صفوة عقول مصر والعالم العربي، لم تكن مجرد حدث عابر في الأجندة السنوية للمحافظة؛ بل كانت إعلان حالة صمود فكري.

لقد صدق المهندس أيمن عطية حين اعتبر المعرض فرصة حقيقية لدعم صناعة النشر وتشجيع القراءة؛ فالمعرض في جوهره هو المحارة التي تحرس لؤلؤة الوعي العربي والمصري؛ لتظل الإسكندرية، ببحرها، ومكتبتها، ومعرضها، هي المدينة التي علمت العالم الفلسفة والبحث منذ عهد بطليموس، ولا تزال حتى يومنا هذا تفتح ذراعيها لتقول للعالم: “هنا حبر البحر.. وهنا عقول لا تنام”.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21835

موضوعات ذات صلة

صناعة نحل العسل أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد

المحرر

ما هي كمية الماء التي يحتاجها الجسم يوميًا؟

المحرر

حين يتشابه الخوف: السحر بين سكان الحارات وقاطني الكومباوندا

أيمن مصطفى

التحول الرقمي ينظم خدمات وزارة السياحة

هدير عادل

رفيق.. منصة جديدة لمتابعة حجاج السياحة المصريين

نجوى سليم

طلب إحاطة بشأن سوء الخدمات بمطار القاهرة الدولي

المحرر