
حالة من الجدل الشديد في الأوساط الثقافية بعد قرار دار الكتب الوثائق الملزم للناشرين بتقديم نسخة من الكتاب بصيغة “الوورد” قبل النشر من أجل الحصول على رقم الإيداع، وهو ما فتح بابا للتساؤلات عن إمكانية تحوّل ذلك لشكل رقابي يهيمن على المضامين الفكرية والإبداعية، وتهديد للنسخ الأصلية المقدمة بصيغة مفتوحة غير نهائية .
سعت دار الكتب لطمأنة الكتّاب بأنها تمثل المكتبة الوطنية للدولة وكونها “الجهة الأكثر حرصاً على حماية الملكية الفكرية”، مشيرة إلى أن إيداع نسخة رقمية من المصنف ليس أمراً جديداً ومعمول به منذ عام ٢٠١٧، وأن التعديل الأخير يستهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة تماشياً مع رؤية الدولة، مؤكدة التزامها التام والقانوني بحماية النسخ المودعة ضد أي عبث أو انتهاك.
وبرغم ذلك شكك الكتاب والناشرون في دوافع تلك الخطوة التي تقدمت على إثرها الكاتبة والنائبة ضحى عاصي بطلب إحاطة لمجلس الوزراء ووزيرة الثقافة، وعبّر عدد من المثقفين عن مخاوف جادة من هجرة الأقلام للنشر في الخارج وهو رأي الكاتب محمد سمير ندا، أو تحوّل الدار لرقيب جديد على الكتاب الورقي كما عبّر الكاتب عمر طاهر. وقد وصف الحقوقي نجاد البرعي القرار بإنهاء الحماية للملكية الفكرية، فيما رأى المستشار والأديب أشرف العشماوي أن هذا الشكل من النسخ المسلمة من الكتاب هو رقابة مسبقة على الكتب، ومسألة غير دستورية، وإجراء ليس من اختصاص دار الكتب أصلًا فهي ليست جهة فحص أو وصاية على النصوص قبل نشرها.
نقاش وضمانات
يتفق د.زين عبد الهادي خبير المكتبات ورئيس لجنة النشر بالأعلى للثقافة، أن القرار كان يحتاج لنقاش أوسع مع الناشرين والمؤلفين والاتحاد الممثل للنشر في مصر، وبحيث يصدر بصيغة تضمن حماية الملكية الفكرية ولا تتعارض أيضا مع الحاجة الملحة للتحول الرقمي.
ومن هنا يؤكد “عبد الهادي” -الرئيس الأسبق لدار الكتب والوثائق- لـ (صوت البلد) إلى أن طلب نسخة وورد ليس بدعة، فلدينا مكتبات كثيرة وطنية في العالم تطلب النسخة الوورد word مثل المكتبة الوطنية الاسترالية، ومكتبة نيوزيلندا الوطنية، ومكتبة ويلز الوطنية، كمثال وليس حصرا.
من جهة أخرى فإن النسخة البي دي اف التي يقوم الناشر او المؤلف بتسليمها يمكن تحويلها لنسخة وورد باستخدام كثير من التطبيقات، ويمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحويلها من نسخة بي دي اف لنسخة وورد.
ويرى “عبد الهادي” أن تلك الخطوة تفيد في عملية الفهرسة (التكشيف )، وعملية التحويل الرقمي، كما تتيح قراء البيانات آلياً وتسهيل معالجة النصوص مقارنة بملفات PDF المعقدة، وهي تفيد أيضا في مواجهة السرقات والانتحال العلمي والادبي، لذا فالأزمة في رأيه ليست في القرار ذاته وإنما أنه جاء بلا ضمانات ولا أرضية نقاش كافية.

شكل قرار الإيداع بنسخ مفتوحة عن دار الكتب والوثائق مفاجأة لاتحاد الناشرين المصريين، وتساءل فريد زهران رئيس الاتحاد: لماذا لم يتم إشراك “الناشرين” وهو الجهة التنظيمية والشرعية الوحيدة لصناعة النشر في مصر؟. ولماذا تجاهلت دار الكتب في بيانها تبرير طلبها باستلام ملف الكتاب من الناشرين على مرحلتين؛ الأولى عند التقدم لطلب رقم الإيداع (أي قبل الصدور الفعلي والكتاب ما زال في طور الإعداد)، والثانية بعد الإصدار النهائي؟.
لذلك أشار “زهران” إلى الوظيفة القانونية والأساسية لدار الكتب وهي توثيق وحفظ المنتج الثقافي في صورته النهائية المطبوعة أو الرقمية المغلقة، وليس جمع وإيداع مسودات وملفات نصية أولية تسبق مرحلة النشر النهائي، مما يشكل قيدا بيروقراطيا مستحدثا قد يمس حرية النشر والخصوصية الإبداعية التي كفلها الدستور المصري، فضلا عن مخالفة أحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢. مؤكدا أن الانتقال نحو “الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي” لا ينبغي أبدا أن يكون ذريعة لفرض آليات تزيد من المخاطر وتحمل الناشر أعباء تهدد صناعته.
مخاوف حقيقية
تحدث “صوت البلد” لعدد من الناشرين والكتّاب، وقال د.محمد طعيمة، مدير دار “حابي” أن أي قاعدة بيانات توثيقية يكفيها تماماً الحصول على البيانات الأساسية للكتاب، مثل: (العنوان، اسم المؤلف، دار النشر، الفهرس، ونبذة عن المحتوى)، مشدداً على أن الإصرار على أخذ الكتاب كاملاً بصيغة رقمية مفتوحة يعد تجاوزاً واضحاً يتطلب مراجعة فورية من المسؤولين، لأنه يجعلنا أمام استحواذ على المحتوى الكامل للكتب بصيغ رقمية مفتوحة قابلة للتداول والنسخ، وكأنها تحولت إلى جهة نشر إلكتروني.
في هذا المناخ يضيع حق المؤلف خاصة وهناك التزامات وتعاقدات رقمية حصرية مع منصات تعرض نسخ الكتب ومنها “أبجد”، يأتي ذلك فيما لا تقدم دار الكتب ضمانات حقيقية لحماية حقوق الناشرين والمؤلفين ومنع تسريب المحتوى الرقمي، وهو ما يجاهد الناشر ويتحمل أعباء مالية ضخمة لحمايته وبما يشمل حق المؤلف وتكلفة التحرير والطباعة والتسويق والشحن والمعارض في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الطباعة وغياب الدعم لهذه الصناعة الهامة.
بدوره عبّر د.عمرو منير، أستاذ التاريخ بجامعة قناة السويس، عن قلقه من طبيعة النسخ المطلوبة، لا من فكرة الإيداع الإلكتروني في ذاتها والتي تأتي ضمن إجراءات التحول الرقمي الضروري، لكن لابد أن تظل في خدمة المؤلف لا أن تجعلنا أمام نسخ قابلة للتعديل والنسخ والتداول قبل صدور العمل في صورته النهائية. وبدلا من مجرد التطمين لحرص دار الكتب على حق المؤلف وحسن نواياها، عليها وضع تحديد صريح للصيغ المطلوبة ومن يملك حق الاطلاع عليها وآلية حفظها وحدود استخدامها والمسؤولية القانونية عند أي تسريب أو عبث، مع استعراض نماذج مهنية عالمية واضحة في حماية الملفات وصلاحية الوصول إليها مع الحفاظ على حق الدولة في التوثيق والدفع بقاطرة الإيداع الرقمي في الوقت ذاته، وكل ذلك لا يأتي إلا عبر صيغة توافقية بين المؤسسات المعنية بالنشر وليست جهة إدارية منفردة.
ويتفق د.سامح الزهار، الخبير الآثاري، في رفض القرار الصادر عن دار الكتب بتقديم نسخ مفتوحة، معتبرا أنه إجراء لا طائل من ورائه بل ويعرض الأعمال الإبداعية لخطر السرقة وينتهك خصوصية الملكية الفكرية قبل النشر؛ فالمؤلف وحده هو من يملك حدود تعديل النص، منطقيا وقانونيا، ودوره ينتهي بانتهاء مرحلة المراجعة اللغوية للكتاب وما قد يلحقه من تعديلات طفيفة يطلبها الناشر، أما تقديم ملفات مفتوحة فغير معمول به في أي مؤسسة ثقافية أو دار إيداع رسمية على مستوى العالم، بهذا الأسلوب. بناء عليه دعا “الزهار” لتضامن المؤلفين والناشرين ودور النشر الثقافية ومقاطعتها هذا الإجراء حتى العودة للآليات المعتمدة عالميا في حماية حق المؤلف وصناعة الكتاب ككل.
