ثقافة وأدبسليدر

صلاح معاطي لـ”صوت البلد”: الخيال أساس المنجز العلمي (2-3)

صلاح معاطي

في الجزء الثاني من هذا الحوار الممتد مع الأديب صلاح معاطي، رئيس شعبة الخيال العلمي باتحاد كتاب مصر، نواصل تفكيك شفرات عوالمه الإبداعية؛ حيث يكشف عن سر تنقله بين الرواية والنقد والمسرح، مستحضرًا نصيحة تاريخية أسداها إليه المبدع الراحل يحيى حقي قلبت موازين كتابته.

وفي السياق ذاته، يضع معاطي يده على أسباب أزمة المسرح المعاصر، بالتزامن مع طرح رؤيته النقدية الصارمة لمصطلح “الفانتازيا”، وصولاً إلى استعراض ملامح مدرسة “صاحب القنديل” الإبداعية.

في أي من القوالب الأدبية تجد مساحة الحرية الأكبر للتعبير عن أفكارك؟

الكاتب لا يستطيع أن يحدد ماذا يكتب ومتى؛ بمعنى أنني لا أستطيع أن أقول سوف أكتب رواية من الخيال العلمي يوم السبت القادم. الفكرة تهبط على العقل وتأخذك من كل شيء؛ فقد تكون قصة قصيرة، أو رواية، أو مسرحية، أو دراسة نقدية. وقد اكتشفت مع التجربة أنه لا يمكن فصل الإبداع القصصي والروائي عن الرؤية النقدية.

لكن بشكل عام، أستطيع أن أقول إنني قاص وروائي أكتب القصة والرواية أكثر من المسرح والنقد، بالرغم من أنني أعشق المسرح عشقاً لا حد له؛ فلا أبالغ عندما أقول إنني قرأت أكثر من 1500 مسرحية عربية وعالمية، وليست كلها من الخيال العلمي بطبيعة الحال. وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى الكتاب الذين يريدون الاتجاه لكتابة الخيال العلمي: ليس مطلوباً منك حتى تكون كاتباً علمياً أن تقرأ في أدب الخيال العلمي فقط، بل اقرأ في كل شيء؛ اقرأ لنجيب محفوظ حتى تتعلم فن كتابة الرواية، واقرأ ليوسف إدريس حتى تتعلم فن القصة القصيرة؛ فكاتب الخيال العلمي هو أديب بالأساس لديه القدرة على الكتابة في كل المجالات، ولذلك فهو قادر على إقناع القارئ بالخلفية العلمية التي يكتب عنها.

وصية يحيى حقي

ما سبب غياب نمط مسرح الخيال العلمي عن خشبات المسارح العربية؟

تجربتي الشخصية مع مسرح الخيال العلمي، قد بدأت معي منذ نعومة أظفاري؛ حيث كنا نعد فريقاً مسرحياً من إخوتي وأصدقائي، ونقوم بتمثيل إحدى المسرحيات التي نقتنيها في مكتبتنا الخاصة، حتى بدأت بعدها أكتب نصوصاً مسرحية صغيرة. وعندما كبرت قليلاً اتجهت لكتابة القصة القصيرة، وكان عليّ أن أعرض إنتاجي على أحد الكتاب حتى يحكم على صدق موهبتي، فكان الكاتب الكبير الأستاذ يحيى حقي. أرسلت له رسالة فرد عليّ برسالة محدداً فيها مكان منزله وموعد اللقاء. ذهبت إليه ومعي قصة قصيرة أخبئها في جيبي وأتساءل فيما بيني وبين نفسي: هل أعرضها عليه أم أرجئها للمرة القادمة؟ بينما راح يحدثني في أمور كثيرة لم يحدثني بها أحد من قبل؛ عن الأدب، والشعر الجاهلي، والمقامات والمعلقات، فالقصة القصيرة، واللغة العربية وجمالها وحسن اختيار الألفاظ؛ وتحدثنا عن الجاحظ والمويلحي وحديث عيسى بن هشام، حتى فوجئت به يسألني: “أليس معك شيئاً لتقرأه عليّ؟”.

وهنا تشجعت وأخرجت قصتي ورحت أقرأها عليه، وبعد أن انتهيت، طلب مني أن أخرج ورقة وقلمًا، ثم أملى عليّ رسالة إلى الشاعر فاروق جويدة نصها: “أرجو نشر هذه القصة على مسؤوليتي.. يحيى حقي”. ثم طلب مني أن أقوم بشراء بعض دواوين الشعر في مراحل مختلفة ما بين الجاهلي والأموي والعباسي حتى العصر الحديث، وبعض المسرحيات خاصة لسعد الدين وهبة ومحمود دياب. فقلت له: “يا أستاذ يحيى، لقد جئت إليك من أجل القصة وليس الشعر أو المسرح”. فابتسم ابتسامته الودودة الهادئة وقال لي وصيته الملهمة: “لن تكتب قصة جيدة إلا عندما تقرأ شعراً ومسرحاً بشكل جيد”.

حدثنا عن كتابك “وصية صاحب القنديل” والغاية من تأليفه؟

وفاءً ليحيى حقي رحت أكتب هذا الكتاب الذي قمت بإعداده تنفيذاً لوصية أوصاني بها قبل وفاته؛ وهي ليست وصية مادية تضمن ميراثاً أو شيئاً من هذا القبيل، وإنما هي وصية أدبية حثنا فيها على التمسك بنعمة الصداقة. وقد تحدث فيها عن أصدقاء أضاءوا حياته وأسعدوه إيما سعادة؛ وقد التقيت بهؤلاء الأصدقاء حاورتهم وتحدثت معهم، فوجدت أن كل واحد منهم أضاء جانباً في حياة يحيى حقي وفي شخصيته. أما الذين رحلوا من هؤلاء الأصدقاء فاكتفيت بالحديث عنهم موضحاً الصلة التي كانت تربطهم به ودورهم في حياته.

وقد أسعدني وشرفني يحيى حقي عندما ذكرني بين هؤلاء الأصدقاء، ولأن حديثه معي كان نصيحة في فنية الكتابة باللغة العامية، فقد وجدت أن أضعه في فصل خاص لأهميته بالنسبة للأدباء الشبان من جيلي. وقد قمت باستضافة يحيى حقي في برنامج إذاعي (علمتني الحياة) حاورته في هذا البرنامج حول الحياة والمواقف التي مر بها في حياته والدروس المستفادة منها وأعماله الأدبية المتنوعة ورأيه في الفن عموماً وغير ذلك من الموضوعات.

وماذا عن كتابك الآخر “مقدمات يحيى حقي” وما يكشفه من موسوعية الراحل؟

من الكتب المهمة التي كتبتها عن يحيى حقي هذا الكتاب “مقدمات يحيى حقي” الذي نُشر في الهيئة المصرية العامة للكتاب. بالنظر في إبداع كاتبنا الكبير الراحل الأستاذ يحيى حقي سنجده إنتاجاً محدوداً من حيث الكم خلال رحلة حياته الطويلة التي تجاوزت السابعة والثمانين، فلم تزد عن ثمانية وعشرين كتاباً فقط، لكن هذه الكتب تعتبر هي خلاصة الأدب والإبداع العربي.

حيث نجد فيها القصة القصيرة كما في مجموعاته “دماء وطين”، “عنتر وجولييت”، “أم العواجز”، و”الفراش الشاغر”، والرواية كما في روايات “قنديل أم هاشم”، “البوسطجي”، و”صح النوم”، وروايته السيرية “خليها على الله”، والكتابات النقدية كما في كتابه القيم “خطوات في النقد”، ودراسات في القصة كما في كتب “فجر القصة المصرية” و”أنشودة للبساطة”، وعن السينما كتب كتابه “في السينما”، والمقالات المسرحية في “مدرسة المسرح”، وفي الشعر كتب “هذا الشعر”، وعن فن العمارة والفنون التشكيلية كتب “في محراب الفن”، وفي أدب الرحلات كتب “حقيبة في يد مسافر”، وعن الموسيقى كتب “تعال معي إلى الكونسير”، وفي الفن الشعبي كتب “يا ليل يا عين”، وفي التاريخ كتب “صفحات من تاريخ مصر”، وفي الكتابات الدينية كتب “على فيض الكريم”.

كل فرع من هذه الأفرع هي ساحة ممتدة من الإبداع ولجها كاتبنا الكبير بعمق وببساطة في آن واحد. حتى في مقالاته التي تناول فيها الشخصيات والحياة كما في “ناس في الظل” و”كناسة الدكان”، سنلاحظ أنها كُتبت بأسلوب قصصي أسماه هو “اللوحة” تقترب مما يسميه البعض الآن ومضة، لكن لوحات يحيى حقي بلغت من العمق والصياغة والأسلوب واللغة ما تشبع نفس القارئ النهمة إلى المعرفة والتمتع بجماليات الكتابة الأدبية.

صلاح معاطي برفقة يحيى حقي

وعندما وقعت تحت يدي مقدمات مجلة “المجلة” في الفترة التي رأس تحريرها الأستاذ يحيى حقي، ستلاحظ أنها لا تخلو من هذا التنوع الجمالي؛ ففيها كل ما سبق من أدب وفكر وإبداع وفن. وعندما فكرنا في مقدمات مجلة المجلة التي كتبها يحيى حقي في فترة الستينيات، كان ظني أن نغازله بكتابات مضى عليها ما يقرب من ستين عاماً، فإذا به يغازلنا بها لنكتشف أنه سبقنا بسنوات عديدة؛ فيتحدث عن خطورة العبث باللغة العربية وتفضيل العامية عليها، بل وينبه إلى ضوابط وشروط استخدام العامية. وإذا كنا نعاني اليوم من الإسفاف على كافة مستوياته، يوجهنا يحيى حقي إلى ما يحافظ على إبداعنا من هذا الإسفاف الممجوج. حتى عندما يتحدث عن بعض القضايا السياسية والوطنية، نجده يبتعد عن السياق العام الذي اعتاد معظم الكتاب الكتابة فيه، ويلجأ يحيى حقي دائماً إلى بساطته المعروفة وعمقه المعهود.

منصة المسرح

كيف تحولت نصيحة يحيى حقي بالانفتاح على الفنون إلى منصة للكتابة المسرحية لديك؟

عملت بنصيحته؛ فقرأت عدداً كبيراً من دواوين الشعر حتى عشقت الشعر دون أن أكتبه، وقرأت ما يقرب من ألف وخمسمائة مسرحية مصرية وعالمية حتى عشقت المسرح دون كتابة مسرحية واحدة. وظل الحال هكذا حتى فازت لي قصة قصيرة من الخيال العلمي بعنوان “عائلة السيد رقم 1” في مسابقة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وتم نشرها في مجلة “القصة”. ورحت أقرأها في أحد الصالونات الأدبية، وبعد أن انتهيت فوجئت بجميع الحاضرين ومن بينهم الفنانين الكبيرين حمدي أحمد وسامح السريطي يقولون لي: “وأنت تقرأ علينا قصتك شاهدناها مسرحية، حاول أن تقعد عليها مرة أخرى”.

بالفعل بدأت أكتب الفكرة من جديد كمسرحية، وتقدمت بها في مسابقة محمد تيمور للإبداع المسرحي ففازت في المسابقة، وتم نشرها في سلسلة المسرح العربي بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتوالت بعد ذلك أعمالي المسرحية مثل “مدار النسيان”، و”البحث عن شمندل” ونشرتا في مجلة الخيال العلمي السورية، وتحولت الأخيرة إلى مسلسل تليفزيوني.

وقد رصد الناقد الكبير الدكتور مدحت الجيار هذه التجربة في دراسة بعنوان “مسرح الخيال العلمي بين جيلين”، حيث أوضح أن محاولات الاستفادة من خيال العلم في إثراء خيال الأدب كانت ناجحة على يد الرائد توفيق الحكيم في مسرحية “رحلة إلى الغد” (1978) كفاتحة مستفيدة من رحلات الفضاء وسفائنها في سياق تسابق المعسكرين، وكان ذلك مناسباً لزمنه مع منتصف الخمسينيات؛ بينما يستفيد صلاح معاطي من منجز العصر الحالي وهو (الإنسان الآلي) الذي يسيطر الآن في تسيير كل شيء خارج حدود الجسد البشري. ومن ثم كانت تخيلاتي من قبيل الخوف والتحذير، في حين كانت تخيلات توفيق الحكيم من قبيل الفرح بانتصار الإنسان ومنجزه العلمي. أما بالنسبة لغياب نمط الخيال العلمي عن المسرح حالياً، فالمسرح بشكل عام هو الغائب وليس الخيال العلمي بالتحديد، وهذه مأساة حقيقية؛ وعندما يعود المسرح المصري لسابق عهده سيعود مسرح الخيال العلمي بالتبعية.

سقوط الأقنعة

يرى البعض دمجاً بين الواقعية والفانتازيا في أعمالك، فما حقيقة ذلك؟

لا أدمج أبداً الواقعية بالفانتازيا، ولا وجود للفانتازيا في كتاباتي على الإطلاق. وبالتالي أوازن بين البناء الدرامي والرسالة الفكرية عندما تنبثق الفكرة من الأحداث والشخصيات، لا أن تُفرض عليها من الخارج. فكلما تحولت الرسالة إلى جزء من الصراع الدرامي، بدت أكثر إيقاعًا وإقناعًا للقارئ. ويمكن ملاحظة هذا التوازن بوضوح في روايتي “مس العشاق” و”السلمانية”.

أولًا: في «مس العشاق» الفكرة الأساسية هنا هي نقد ظواهر الغش والاستغلال الاقتصادي والأخلاقي. لكنني لا أقدم هذه الفكرة في صورة خطب أو تعليقات مباشرة، بل أجسدها من خلال بطلة الرواية؛ وهي فتاة تمتلك مهارة حقيقية في الماكياج تدخل عالم العمل والإنتاج، وتُستغل خبرتها في تصنيع منتجات غير مطابقة للمواصفات (تحت بئر السلم)، وتتورط تدريجيًا في شبكة من الجرائم والمخالفات. وبهذا تصبح الرسالة الفكرية (خطورة الفساد والاستغلال وغياب الضمير المهني) جزءًا من المسار الدرامي للشخصية. فالقارئ يتابع مصير البطلة وصراعها، وفي الوقت نفسه يدرك أبعاد المشكلة الاجتماعية؛ وهنا لا تنفصل الفكرة عن الحدث، بل تنمو معه.

ثانيًا: في «السلمانية» تعالج الرواية مرحلة ما قبل حرب يونيو 1967 وما أعقبها من انكشاف للحقائق الإنسانية والاجتماعية. الرسالة الفكرية تتمثل في أن الأزمات الكبرى تكشف الوجوه الحقيقية للناس وتسقط الأقنعة الاجتماعية؛ فقبل حرب 67 كان التلاحم ظاهرياً، وعندما تقع الحرب يكتشف الناس سقوط الأقنعة، فأثناء الأزمة لا تجد أمامك الأخ الحبيب ولا الصديق المخلص ولا الجار الوفي.. وهذه هي مأساة الحرب الحقيقية.

أنا لا أكتفي بطرح هذه الفكرة مباشرة، وإنما من خلال بناء عالم روائي داخل حي السلمانية في السويس، ثم تأتي الحرب باعتبارها الحدث الدرامي المفجر للصراع؛ وعند لحظة الأزمة تُختبر الشخصيات اختبارًا حقيقيًا، فيظهر من هو المخلص فعلًا، ومن كان يتخفى وراء قناع المودة، ومن ينهار أمام المحنة. لذلك تصبح الحرب في الرواية ليست مجرد حدث تاريخي، بل أداة درامية لكشف البنية الأخلاقية للمجتمع. ومن هنا تتجسد الرسالة الفكرية دون مباشرة أو وعظ، وهذا من أهم سمات الرواية الاجتماعية.

ترقبوا في الجزء الثالث والأخير من حوارنا مع الأديب صلاح معاطي: تسليط الضوء على أثر العمل الإذاعي بـ”صوت العرب” في صقل حاسته الأدبية، بالتزامن مع قراءة استشرافية لمستقبل الإبداع البشري في مواجهة تقنيات “الذكاء الاصطناعي”. كما يفكك معاطي في هذا الجزء ظاهرة الكتب “الأكثر مبيعاً” عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويكشف عن أبعادها الثقافية.. تابعونا في الحلقة القادمة لتكتمل تفاصيل المشهد الأدبي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26702

موضوعات ذات صلة

أم تتبرع بكليتها لإنقاذ نجلها بمستشفى الزقازيق الجامعي

محمد مرسي

شرق الإسكندرية يواجه تحديات مرورية

أيمن مصطفى

مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية يُكرّم أحمد مالك

الإعدام شنقًا لـ “مسن ” متهم بهتك عرض قاصر في إسنا

أحمد الفاروقى

الشرقية تحتفل بتأسيس الجامع الأزهر بقصر ثقافة الزقازيق

محمد مرسي

معارض الكتاب وجهات ثقافية تجمع بين المعرفة والإلهام

المحرر