ثقافة وأدبسليدر

على الضفة.. كيف هزمت مصر جبروت إسرائيل؟

طاروا الولاد زي النسور/عدوا البحور/ خطوا الجسور

لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بهذه المشاهد من حرب السادس من أكتوبر والتي انتصرت فيها إرادة المصريين ضد غطرسة العدو الصهيوني وسنوات الاستنزاف القاسية التي روت سيناء بدماء الشهداء، حتى جاء الوقت الذي يبتسم فيها الشعب العربي كله منشدا صباح النصر.

لقد أججت نكسة يونيو 1967 عزيمة مصر على الانتصار بعدما تجرعته من دماء أبنائها في سيناء. ظل الرئيس السادات يجري مفاوضات مكثفة مع أمريكا والاتحاد السوفيتي ودول العالم من أجل انسحاب إسرائيل، لكنه أيقن أنه ما من فائدة مرجوة.. فكان قرار الحرب.

ولقد كانت إسرائيل قبل حرب 6 أكتوبر قد اطمأنت أنها استولت على الضفة الشرقية لقناة السويس، وتريد أن تتوسع لتحصل على جزء من الأراضي الأردنية مع الأراضي المصرية، وكان موعد الهجوم يوم 28 أكتوبر بعد انتخابات الكنيست ، ولكن المصريين والسوريين بعناية الله قد سبقوها بشن الحرب يوم 6 أكتوبر.

تشير الوثائق الإسرائيلية للجنة أجرانات، والوثائق الأمريكية الاستخباراتية المنشورة أن المحللين ظلوا مقتنعين بأن مصر وسوريا لن تبدآ الحرب، استنادا لتصور عن ضعف القدرة العربية. وكان جزء من الخداع الاستراتيجي المصري أن تظهر التحركات العسكرية وكأنها واحدة من المناورات الاعتيادية في ذلك الوقت، وقد روى اللواء عبد المنعم سعيد الذي كان يعمل في فرع التخطيط بهيئة العلميات، أن خريطة العمليات خرجت للنور يوم 5 أكتوبر وكُتبت خطابات القيادة بخط اليد داخل أظرف مغلقة، وهنا أدرك الجميع أننا نخوض حربا حقيقية.

كان لحرب الاستنزاف فضل كبير لانتصار أكتوبر عبر دفع عناصر قتالية لعمق العدو، وكانت تعود غانمة بالأسرى، إضافة لإدارة المدفعية على النقاط الحصينة والتدريب على اقتحام قناة السويس دون كباري، وقد شارك “سعيد” آنذاك كضابط تخطيط مساعد لرئيس شعبة العمليات وكان شاهدا على الروح التي شهدتها الجبهة منذ حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر.

عيّن السادات الفريق أحمد اسماعيل وزيرا للحربية، وبالفعل تم التخطيط منذ أوائل عام 1973 للحرب ضد إسرائيل.
ومع مضي ساعات اليوم الأول للحرب، كانت خمس فرق مشاة مدعمة كل منها بلواء مدرع قد عبرت القناة وحطمت خط بارليف وتمكنت من الاستيلاء على رؤوس الكباري في الشرق من السويس جنوبا إلى القنطرة شمالا، وعمل الدفاع الجوي بشكل مبهر في الضربة الجوية وفي صد هجمات العدو الجوية لمدى 15 كيلو متر شرق القناة.

بين السياسة والسلاح

كان التصور العسكري المصري يقوم على عبور القناة وتحطيم خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري والتمركز في عمق محدود ثم إجبار إسرائيل على تغيير المعادلة. لكن بينما كان الشاذلي – رئيس أركان الجيش المصري- يرى أن القوات المصرية يجب أن تظل رابضة بالقدر الذي تغطيه شبكة الدفاع الجوي، ظل السادات القائد العسكري يرى أن الهدف الأكبر هو كسر حالة الجمود التي نشأت بعد 1967 وإثبات أن إسرائيل ليست قوة لا يمكن هزيمتها.

في مرحلة لاحقة للقتال، حدث تحرك للقوات المصرية شرقا وتطور الأمر إلى معارك مدرعة ثم جاءت الثغرة الإسرائيلية غرب القناة. وقد اعتبر الفريق الشاذلي بحسب مذكراته أن تطوير الهجوم شرقا ساهم في كشف القوات المصرية، لكن على الجانب الآخر ظل رأي الفريق أحمد اسماعيل أن اقتراح الشاذلي بتجميع ثلاثة ألوية من الجيش لتعبر من الشرق للغرب لتدمر الثغرة، خطر كبير ومغامرة لأنهم بلا غطاء جوي ويمكن القضاء عليهم بسهولة .. وهذا الرأي – أي التوقف في تطوير الهجوم – وافق عليه الرئيس السابق السادات وربما ذلك كان سببا في توتر العلاقات بينه وبين الشاذلي فيما بعد.

في تلك الآونة كان الجيش الثاني الميداني كان يواجه هجوما عنيفا من القوات الإسرائيلية مكنتها من التسلل عبره لإحداث الثغرة في محاولة يائسة لبث الحماسة في الشعب الإسرائيلي في ذكرى هزيمة المصريين لهم.

والحقيقة المجردة التي يشهد بها المنصفون حول العالم أن الجنود الإسرائيليين تمكنوا بالفعل من التسلل عبر المناطق الجبلية وحاولوا اقتحام السويس والإسماعيلية، غير أن المقاومة الشعبية وقوات الجيش صدوهم بكل بسالة، ولم يبق أمامهم سوى مساحة ضيقة محاصرين بداخلها وكان يسهل على الجيش المصري القضاء عليهم هناك قبل اتساع الثغرة، لكن جرت تدخلات أمريكية عبر هنري كيسنجر الذي جاء لمقابلة السادات لمنع حدوث ذلك وجرى قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار من الطرفين لعدة مرات.

ومن حقنا أن نسأل من يروج لهزيمة مصر، كيف لم تستطع قوات شارون أن تحتل مدينة السويس التي كانت خالية من السكان بعد التهجير؟، حتى أنهم عندما دمرت 16 دبابة لهم وهربوا ليلا ، اضطروا لتصوير جولدمائير على مقربة من السويس عند منطقة خزانات بترول وادعوا أنها السويس .

أمريكا تنقذ المعبد

خلال الأيام الأولى للحرب فقدت إسرائيل مئات الدبابات والطائرات ونحو ألف جندي، خلال الأيام الأولى للحرب، واعترفت بأنها كانت تواجه أزمة استنزاف حادة. كانت جولدامائير تستغيث لنجدة الكيان الصهيوني وهنا اتخذ نيكسون قرارا بإرسال جسر جوي من العتاد العسكري الأمريكي، من طائرات ودبابات وذخائر ومستلزمات لوجستية، لتعويض الخسائر، وقد وصل بالفعل في 14 أكتوبر.

في 11 أكتوبر قال نيكسون لكيسنجر: “نحن نعرف أن إسرائيل لن تخسر هذه الحرب”، مستطردا بأن الولايات المتحدة ستساعدهم.

قبل الحرب، كان موشيه ديان – وزير الدفاع الإسرائيلي – يقول أن العرب إذا بدأوا الحرب سيُهزمون، وقد وجد نفسه في 7 أكتوبر يستغيث من خطر يهدد “المعبد الثالث” أي إسرائيل ذاتها، كما تشير مذكراته، ويشير المؤرخ الإسرائيلي أوري بارجوزيف إلى أن ديان حين وصل مقر القيادة أبلغ أيضا أن الوضع في الجولان بالغ الخطورة، وقد كانت شهادات الضباط أمامه تشير للهزيمة وعدم القدرة على مواصلة القتال، بل كان الخوف أن يعني ذلك أن الطريق قد بات مفتوحا لشمال إسرائيل!

تقول جولدامائير في مذكراتها: في عصر هذا اليوم – 7 اكتوبر- طلب ديان مقابلتي، وأخبرني أن الموقف في الجنوب (الجبهة المصرية) قد وصل إلى حد أننا يجب أن ننسحب فورا. استمعت في فزع لكلماته عن عبور المصريين القناة. وكانت قواتنا في سيناء قد تحطمت، وكان السوريون قد تغلغلوا في عمق الجولان، وظللنا نفكر هل نبلغ الأمة بالموقف أم نحتفظ بالحقيقة لأنفسنا؟ وقد اخترت أن أذيع بيانا ولا أقول فيه كل الحقائق. وتنهي كلامها عن حرب أكتوبر معترفة: لقد كانت الصدمة على كل لسان طوال الشتاء، وكان هناك شعور قومي بالخسارة. وظللت أردد : أريد لهذا اليوم أن ينتهي!

لكن وبعد الدعم الأمريكي، ظلت إسرائيل تواصل خروقاتها لوقف إطلاق النار، وكانت تلك خطة الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، بالتدخل الدبلوماسي المعلن، ودعم إسرائيل ومنحها الضوء الأخضر من جانب آخر – كما يفعل ترامب اليوم مع إسرائيل- وفي 26 أكتوبر كانت إسرائيل تعرض من خلال كيسنجر التفاوض مع المصريين بشأن وضع الجيش الثالث ومحاولة أمريكا إيجاد “مخرج مشرف” لورطتها ووقف القتال، وقد أرسل الجانب الروسي يستحث أمريكا للتدخل معا لإنجاز الأمر.

بعد سلسلة تحقيقات موسعة في إخفاق إسرائيل في التعبئة الشاملة برغم التحذيرات من الضربة المصرية، استقال جنرالات الحرب وسقطت حكومة جولدامائير، والتي كتبت في مذكراتها “حياتي” أنها خشيت من أن تسعى لضربة استباقية تظهرها كباديء للحرب أمام العالم، وتعترف بأن ذلك كلفهم الكثير وحولها حربا دفاعية.

ما يبقى من الحرب

لقد تحولت ذهنية الإسرائيليين بعد الحرب من “أسطورة الجيش الذي لا يقهر” إلى أدب الصدمة، كما تشير روايات منها “العاشق” لأ.ب. يهوشواع 1977، حيث يبحث الزوج عن عشيق زوجته خلال حرب أكتوبر، وبعد سنوات طويلة يكتب س.يزهار والذي خدم في الجيش خلال الحرب، في رواية “ظهور إلياهو” 1999، عن بطل يتساءل عن معنى حقيقي لخوض الحرب وفقدان الشباب لحياتهم فيها؛ ربما هذا هو الفارق الجوهري بين عقيدة أصحاب الأرض والمحتل!

في الأدب المصري سندرك كم كانت النكسة جرحا مفتوحا ظل ينزف ست سنوات حتى حانت لحظة استرداد الأرض والكرامة، يقول بطل رواية “الرفاعي” لجمال الغيطاني- وهو الشهيد قائد المجموعة 39 قتال- : الشجاعة ليست في غياب الخوف، لكن في الانتصار عليه. وقد عبر الأدب المصري عن حكايات الغريب أو هؤلاء البسطاء الذين صنعوا ملحمة الحرب الحقيقية وآمنوا أن حياتهم رخيصة فداء للحظة حياة يمنحوها لمن سيعبر فوق هذه الأرض. نتأكد أن الحرب لا تنتهي حتى مع صمت المدافع، طالما أن الذاكرة حية تشتعل والحاضر يمدها بالوقود.

اقرأ أيضا

صلاة القلق.. سيرة المنسيين من وجع النهار لنهار الحرية

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26494

موضوعات ذات صلة

مصر تراهن على السائح الروسي الفاخر

نجوى سليم

الطائفة الإنجيلية تُثمن التوجيهات الرئاسية بتعجيل قوانين الأسرة

حازم رفعت

الشرقية تستعد لموسم الأرز الجديد.. و”الزراعة” تحسم المُخالفات

محمد مرسي

البريطانية آلي سميث تراقب الحرب وتكتب عن حال أمة

المحرر

الحب هو “المصل” الوحيد ضد التوحش

أيمن مصطفى

مشروبات تضر بصحة الكبد.. تجنبها فورًا

المحرر