
مع إشراقة ثاني أيام التشريق (الثاني عشر من ذي الحجة)، تتجه قلوب المسلمين وأنظارهم صوب مشعر “منى” الطاهر، حيث يتأهب ضيوف الرحمن لـ”يوم التعجل”، حاملين في قلوبهم رجاء القبول والعودة بذنب مغفور. وفي هذه الأجواء الإيمانية المباركة، تطفو على السطح العديد من التساؤلات الفقهية المقترنة بمناسك الرمي والمبيت وأحكام التعجل، والتي تتطلب فتاوى تجمع بين دقة التأصيل ومرونة التيسير التي تميز بها الفقه الإسلامي.
التقينا بأحد الأصوات الأزهرية المتميزة، الداعية الإسلامي الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، ليضع للرأي العام النقاط فوق الحروف، ويوضح لنا بالدليل الشرعي حدود الرخص ومظاهر التيسير في مناسك الحج، وموقف صاحب العذر ومن منعه الزحام، في حوار يتسم بالوسطية ويلامس واقع الحجيج.. فإلى نص الحوار:
يُعرف يوم 12 ذو الحجة بـ”يوم التعجل”، ما هي الشروط الفقهية الدقيقة التي يجب أن يستوفيها الحاج ليصح تعجله ومغادرته لـ”منى”؟
يشترط لصحة التعجل شرطان أساسيان؛ الأول: أن يُتم الحاج رمي الجمرات الثلاث في يوم الثاني عشر من ذي الحجة. والثاني: أن يخرج تماماً من حدود “منى” قبل غروب شمس هذا اليوم. فإذا غربت عليه الشمس وهو متعمد البقاء بداخلها دون عذر، لزمه شرعاً المبيت لليلة الثالثة والرمي في اليوم الثالث عشر. أما إن بذل الجهد وحاول الخروج ولكن حبسه زحام الطرقات، أو منعه عذر قاهر خارج عن إرادته، فلا حرج عليه ومغادرته صحيحة على الرأي الراجح تيسيراً وتخفيفاً.
تثار تساؤلات سنوية حول التوقيت الشرعي لرمي الجمار في ثاني أيام التشريق، ما هو القول الفصل والراجح في مسألة الرمي قبل الزوال تيسيراً على الحجاج؟
يرى جمهور العلماء أن الرمي يكون بعد زوال الشمس، وهو بلا شك الأحوط والأفضل خروجاً من الخلاف. ومع ذلك، فقد أخذ بعض العلماء بجواز الرمي “قبل الزوال” في أيام التشريق عند وجود الحاجة والمشقة الشديدة. وهذا قول فقهي معتبر ومبني على التيسير، ويُفتى به الآن لرفع الحرج عن الحجاج، خاصة في ظل الزحام الشديد والأعداد المليونية، وذلك حفظاً للأنفس وصيانة للأرواح من الهلاك، وهي من كليات الدين الست.
يعاني بعض الحجاج من كبار السن والمرضى من مشقة الزحام، فما هي حدود الرخص الشرعية في “الإنابة” لرمي الجمار في هذا اليوم؟
الشريعة الإسلامية لم تترك أصحاب الأعذار؛ لذا تجوز الإنابة في رمي الجمار لكل من لديه عذر حقيقي يمنعه من الرمي بنفسه، كالمريض، وكبير السن، أو من يخشى ضرراً محققا بدنه أو حياته بسبب التدافع والزحام. وفي هذه الحالة، يقوم النائب بالرمي عن نفسه أولاً للجمرة الواحدة، ثم يرمي عن موكله في نفس الموقف. وهذا أمر سائغ ولا حرج فيه شرعاً، انطلاقاً من القاعدة الفقهية الكبرى “المشقة تجلب التيسير”.
إذا غربت الشمس على الحاج وهو ما زال داخل حدود “منى” في يوم 12 ذو الحجة لأسباب خارجة عن إرادته كالزحام، هل يلزمه المبيت لليلة الثالثة أم تسقط عنه؟
إذا تأخر الحاج في الخروج من “منى” مرغماً بسبب تكدس حركات السير، أو لوجود مانع قاهر خارج تماماً عن إرادته وطاقته، فلا يلحقه إثم ولا تجب عليه فدية، وله حكم “المتعجل” تماماً على الرأي الراجح والمنصوف به. الشريعة الإسلامية في أساسها قائمة على رفع المشاق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، وهذا يمثل ركيزة صلبة من أسس المنهج الإسلامي القائم على التيسير والرحمة بالعباد.
التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة ينتهي عند البعض في هذا اليوم والبعض الآخر يستمر، ما هو الهدي النبوي الأصح في توقيت انتهاء التكبير؟
المتبع في هذه الشعيرة والمعمول به عند جمهور الفقهاء، أن التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة يستمر حتى عصر آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا هو الأحوط والأوسع عملاً والأكثر ذكراً لله. ومع ذلك، فإن من توقف عن التكبير بعد ظهر يوم النحر (أول أيام العيد) أو في ثاني أيام التشريق فلا حرج عليه ولا إثم؛ فالأمر فيه سعة مرنة، والمقصود الأسمى هو تعمير الأوقات بذكر الله.
بعد أن يؤدي الحاج طواف الوداع ويستعد للرحيل، ما هي الوصية الروحية التي يقدمها الأزهر الشريف للحاج لضمان الحفاظ على “الميلاد الجديد” والذنب المغفور بعد عودته؟
وصيتي الهامة لكل الحجاج، والتي ينبغي أن يوقنوا بها، هي أن الحج ليس نهاية المطاف في العبادة بل هو بداية حقيقية لرحلة الطاعة والاستقامة؛ فعلى كل حاج أن يجعل من عودته إلى وطنه ميلاداً جديداً لروحه وسلوكه؛ وذلك بالمحافظة الدؤوبة على الصلوات، والالتزام بالمعاملة الحسنة مع الخلق، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، والتمسك بمكارم الأخلاق، واستدامة التوبة والاستغفار؛ فخير الحج المبرور هو ما ظهر أثره الطيب على سلوك العبد واستقامته بين الناس بعد العودة.
نموذج للوحدة
لقد أكدتم سابقاً أن “وحدة الصف فريضة شرعية”، كيف يتجلى مشهد الحج في أيام التشريق كنموذج عملي لنبذ الفرقة والتشرذم بين المسلمين؟
ما نؤكد عليه دائماً ونرسخه، هو أن العبادات في الإسلام هدفها الأساسي والأصيل هو جمع القلوب وتوحيد الصفوف؛ حيث نلمس ذلك بوضوح في كافة الشعائر؛ فالصلاة تجمع الغني والفقير، الصغير والكبير، يقفون في صف واحد ويتوجهون لرب واحد خمس مرات يومياً. وفي الصيام، توحدنا الشعيرة مع رؤية هلال واحد وسماع أذان واحد طاعة لله الواحد الأحد. وهكذا يتوج الأمر في فريضة الحج، ذلك المؤتمر العالمي الأكبر الذي يجمع ملايين المسلمين في مكان واحد وزمان واحد؛ فالحج مدرسة عملية كبرى لوحدة الأمة؛ فهذه الملايين تختلف ألسنتهم، وتتعدد ألوانهم وأجناسهم، لكنهم يتجهون لرب واحد، ويرددون تلبية واحدة، ويمارسون شعيرة واحدة، ويسعون لغاية واحدة. إنها رسالة ربانية واضحة وصارمة بأن الاختلاف بين البشر لا يمنع الائتلاف والاندمَاج، وأن وحدة الصف ليست ترفاً، بل هي فريضة شرعية وضرورة حضارية لبقاء الأمة.
نرى في الحج ذوباناً كاملاً للفوارق الطبقية والعصبية، كيف يمكن للأمة الإسلامية الاستفادة من هذا “الدستور الأخلاقي” في علاج أزمة “التدين الشكلي” ومظاهر البغضاء الحالية؟
الحج يعلمنا درساً بليغاً في فلسفة الدين؛ وهو أن الدين أخلاق وسلوك قبل أن يكون مجرد شعارات تُرفع. ففي المشاعر المقدسة تذوب الفوارق، فلا فضل لغني على فقير، ولا ميزة لجنس على آخر، وإنما التفاضل الحقيقي والوحيد هو بالتقوى وحسن العمل. وإذا تمكنا من نقل هذه الروح الإيمانية السامية وهذا “الدستور الأخلاقي” من أرض المناسك إلى واقع حياتنا اليومية ومعاملاتنا، فاختفى التعصب الأعمى، وتلاشت المظاهر السيئة، وسادت مكارم الأخلاق، والاحترام المتبادل، والتراحم، والألفة في مجتمعاتنا.
في ظل سيطرة الفضاء الرقمي، يميل البعض لتوثيق كل لحظة في الحج عبر “السوشيال ميديا”، ما هي نصيحتكم لحماية “الإخلاص والخشوع” من آفة حب الظهور الرقمي؟
يجب أن ننتبه جيداً إلى أن المبالغة في هذه السلوكيات قد تدخل أصحابها في باب “الرياء” المنبوذ شرعاً؛ فالأصل والأساس الثابت هو أن تكون العبادة خالصة لوجه الله تعالى لا من أجل عدسات الكاميرا وأعداد المتابعين. نحن لا نمنع التوثيق بالكلية؛ فلا بأس بالتوثيق المعتدل والمتزن النافع الذي ينقل الأجواء الطيبة، لكن الحذر كل الحذر من أن يطغى هوس التصوير على حضور القلب وخشوع الجوارح، حيث إن هناك لحظات إيمانية خاصة جداً مع الله، تكون أكثر جمالاً وبهاءً وأقرب للقبول حين تبقى سراً مصوناً بين العبد وربه، وهنا تحديداً يتجلى المعنى الحقيقي للإخلاص.
يتابع الحوار الملايين عبر البوابة الإلكترونية ومنهم فئة الشباب، كيف يغتنم غير الحاج فضائل هذه الأيام المباركة لترسيخ قيم “الحياء والأخلاق” في سلوكه اليومي؟
أدعو شبابنا وبناتنا إلى اغتنام هذه النفحات الربانية العظيمة والأيام المباركة التي تعد من خير أيام الدنيا؛ وذلك بالمداومة على ذكر الله والتكبير، والحرص على صلة الأرحام، والإحسان إلى الناس بكافة أشكال الكلمة الطيبة، وضبط اللسان عن الآثام، وغرس قيمة الحياء في السلوك والتعامل اليومي؛ حيث إن المواسم الإيمانية في الإسلام لا تُقاس أبداً بكثرة الأفعال والشعائر الظاهرة فقط، بل تُقاس بمدى أثرها الحقيقي في تهذيب الأخلاق والارتقاء بالسلوك الإنساني.
