ثقافة وأدبسليدر

نوبل لـ”كارسون” .. ريشة يونانية ترسم الحب والألم

  
في مطبخها بمنطقة ركيافيك بأيسلندا، وبينما تمارس أعمالها المنزلية وتحتسي بصحبة زوجها شاي الصباح، تلقت الكاتبة الكندية آن كارسون، 76 عامًا، نبأ فوزها بجائزة نوبل للآداب. بدا صوت أمينة الأكاديمية المانحة للجائزة مفعمًا بالإثارة وهي تسألها عن خططها بعد الجائزة ومشوارها الذي سبق تلك اللحظة، في حين انطلت الدهشة على وجه الفائزة، وكأن الخبر “جنون لا يصدق” وهي من ظنت أنها دخلت عالم الأدب “بالصدفة” وكمحاولة “لدفع الملل”!

 أعلنت المؤسسة السويدية عن فوز “كارسون” بفضل “منجزها الجريء المبتكر وخلقها أشكالا للأدب المعاصر تدمج الشعر والنثر والمقال مع الأسطورة الإغريقية”. وقد بدا جيدا أن ذائقة نوبل قد عادت تتكرس لكلاسيكيات الأدب الغربي القديم وهؤلاء الذين يمزجونه بالحاضر، عبر نظرة شاعرية، تنحاز لجوهر ما هو إنساني هش ومقاوم، بعيدا عن سرديات القضايا الكبرى المشبعة بالتاريخ والسياسة والأيديولوجيا.

أما كارسون نفسها أو السيدة التي جاءت من زمن قديم يعود لملاحم اليونان؛ فلم يكن غريبا ألا تبدي أية خطط لحياتها التي هبطت عليها الجائزة وهي على مقربة من المرفأ الأخير؛ وأن تقول بهدوء – بينما تستمع لصوت الرياح من نافذتها-: “ربما سنتبرع أنا وزوجي لصديقنا الذي يبني بيته أو منظمة الأطباء بلا حدود”. وتبتسم.

رحلة إلى الماضي
ولدت كارسون في تورونتو عام 1950. قادها لقاء مع مدرس للاتينية إلى دراسة اليونانية القديمة لاحقا في سانت أندروز، قبل أن تعود إلى تورونتو لتحصل على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية، وتحديدا حول مفهوم الحب والافتقاد في أشعار “سافو” والأدب اليوناني، ولهذا فقد أصبح قاموسها الشعري مشبعًا لاحقا بالأساطير واللغات القديمة.

ترجمت كارسون قصائد مطولة للشاعرة اليونانية سافو، ومسرحيات سوفوكليس، ويوريبيديس وعملت طوال مسيرتها في الجمع بين التدريس الجامعي، الترجمة، وكتابة الشعر.

في رائعتها الأدبية الأشهر “سيرة ذاتية للأحمر” والصادرة بالعربية عن دار “نينوى” بترجمة مأمون الزائدي، تعيد كارسون كتابة أسطورة الوحش الأحمر “جيريون” الذي قتله هراكليس، وتجعل منه فتى معاصراً يحمل آلة تصوير ويقع في حب صديقه (!)، لكنه بفراقه يضطر لأن يخوض تجارب البحث عن الذات.

هكذا – وبحسب أكاديمية نوبل- لم تتعامل كارسون مع التراث اليوناني الكلاسيكي بوصفه متحفا، ففي حوار لاحق أكدت الكاتبة أنها تخبر طلابها في الجامعة بأن العودة للماضي بوابة فهم الحاضر. ظلت أيضا مولعة بفلسفة ديونيسوس حيث يمكن للإنسان ان يخرج من مركز ذاته ليرى الكون ويصادقه.

مطبخ الكتابة
تخبرنا كارسون في مقابلتها مع مجلة “باريس ريفيو” بأنها تكتب “كي تعرف ما تفكر فيه”، وليس العكس؛ وهي ببساطة تضع الأشياء متجاورة وتترك لها المجال لتبني علاقتها بنفسها.

تتحدث كارسون بعفوية عن تلك السلة التي تحوي أفكارا متضاربة تحاول تحريكها في رأسها وعلى الصفحات البيضاء حتى تتجلى الفكرة أمامها خلال الكتابة، لذا حين سألتها مندوبة جائزة نوبل عن وصفتها للكتاب الروائيين الشباب، قالت: ابدأ من منتصف روايتك، أي من ذروة الأحداث، أو كأنها تخبرك بأن تتورط أولا في النص.

ومن المثير في تجربة كارسون هو نظرتها للقصيدة كما لو كانت كائنا بصريا، ففي كتابها “المعيار الخاطيء” تنظر الكاتبة للخطأ في الكتابة بوصفه جزء من بنيتها، كما تتحدث عن الفراغات والرسوم كأجزاء لا تتجزأ من النص. والكتاب يمزج أشكالا سردية متنوعة وكأنه يخبرنا بضرورة الخروج على النص والتعبير عن حياة متناقضة بطبيعتها.

الابتسام للألم
تشيع تيمة الفقد والموت والانفصال متلازمة مع الحب في كتابات كارسون، وفي مقابلتها مع صحيفة “الجارديان”، قالت: لا أؤمن بأن الفن علاج للألم، لا عند الكاتب ولا المتلقي؛ إنما نحن نكتب لنرى الألم بطريقة أخرى. أن ننظر إلى الجرح دون أن نطالب بتضميده.

كان كتابها “نوكس” هو الأكثر فداحة في الألم لأنه مبني على تجربة واقعية لوفاة شقيقها مايكل، وفي محاولة لاستعادته جمعت كارسون صورًا ورسائل وذكريات، وصاغتها في كتاب، وكأنها تستعيد أخيها بشكل مادي يتحدى غيابه.

هكذا وكما يبدو تنتمي كارسون إلى تلك المسافة الـ”ما بين” الأشياء، ليس فقط في شكل كتابتها الذي يمزج الشعر والنثر، ولا في تيماتها التي تمزج الفقد والحضور، الماضي والحاضر، لكنها بالفعل تنتمي لمرحلة الشك والاحتمالات التي عبرت عنها بمقولة ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود! حسبما جاء في حوارها مع لين أولمان في موقع متحف لويزيانا، مضيفة بأن أفضل ما يفعله الفن هو أن يثير عقلك لرؤية زوايا جديدة للأشياء.

ويمتاز أسلوب كارسون بالسخرية اللاذعة؛ في روايتها “جمال الزوج” تراقب كارسون تصدعا في العلاقة بين زوجين، تسرد نزاعاتهما عبر 29 مقطعاً شعريا كتبتها بطريقة التانغو، موظفة أبيات الشاعر جون كيتس بأسلوب ساخر ومواجه للملل بالدعابة الحادة، وقد نالت عن تلك الرواية جائزة إليوت وغيرها من الجوائز الشعرية.

ومن المثير ما تقوله في كتابها “الماء الصافي” والذي يجمع قصائد ومقالات، تتحدث فيه كيف أن “الجمال يجعلها تفقد الأمل”، وكأنه يحرك ما ظل ساكنا داخلها طويلا. تقول في نص شعري: حين أنظر إلى مدينة باريس، أشعر برغبة في أن ألتف حولها. وحين أشاهدك ترقص، أشعر باتساع قاس، كبحار في بحر ساكن. تتفتح داخلي طوال الليل رغبات مستديرة كحبات الخوخ، لم أعد التقط ما يتساقط منها”.

ارتدوا القفازات
أصيبت أديبة نوبل بمرض باركنسون، والذي أثر كثيرا في كتابتها اليدوية، وتحدثت عن حجم الألم الذي كان يصيبها حين تشطب فقرات كاملة لأن قراءتها صعبة،

وبسبب مرضها اندمجت كارسون في فصول تدريب الملاكمة لتقوية يديها، وكان المشاركون مصابون مثلها، وفي لحظة يصيح المدرب: “ارتدوا القفازات بأنفسكم” وهنا يتحدى كل منهم ارتجاف يديه، ويصوب تركيزه في ضربات خفيفة متلاحقة.

وفي مقابلة مع منصة لويزيانا وصفت الكاتبة تجربة بقائها مع شباب في فصول الملاكمة بأنها مبهرة حقًا، فقد كانوا  مختلفين عنها. هي الأستاذة القادمة من زمن الروايات الكلاسيكية والقراءة والكتب، وهم المندمجون مع العصر ومشاهدة الأفلام والأشياء البسيطة، وقد تعلمت منهم الكثير، وأصبحت أكثر ميلا لتأمل التفاصيل البسيطة وسحرها في الحياة.


قصائد الحب والفقد
في كتابها الأول الكبير “إيروس.. الحلو والمر” والصادر بنسخة عربية عن دار “صفصافة” المصرية، ترجمة عبد الرحيم يوسف، فككت كارسون مفهوم الرغبة عند الشاعرة اليونانية سافو وأفلاطون، وكيف تولد المشاعر في تلك المسافة المؤلمة بين عاشق ومعشوق. هكذا تصبح تجربة الحب عندها أشبه بفقد لا امتلاء عاطفي. ببساطة تقول: “الحب هو معرفة أن الآخر ليس ملكك”

كتبت كارسون العديد من القصائد وكانت “الزجاجية” أشهرها، 1995، وفيها نلمح انطباعات من تكوينها النفسي والأدبي وشعورها بالاغتراب وخشيتها على أمها القابعة في وحدتها، عشقها لأديبات العقود الكلاسيكية كإميلي برونتي وقصة الحب التي تمنتها لنفسها كما بطلتها في “مرتفعات ويزرينج” والتي أحبت هيثكليف.

تقول في قصيدتها عن برونتي التي تشبهها: هكذا كتبت في “ورقة مذكراتها” لعام 1837/”كل شيء على ما يرام”/ ومع ذلك، فإن شعرها من البداية إلى النهاية مشغول بالسجون، والأقبية، والأقفاص، والقضبان، والكوابح، والشكائم، والمزالج، والأغلال، والنوافذ المغلقة، والإطارات الضيقة، والجدران المتألمة/ ألم تكن تمتلك حريتها.. وحياة طيبة في المنزل؟/ لماذا تتخبط أجنحتها وأين ذلك القفص الذي ظل محجوبا عنا؟

وفي مقطع آخر تصف حبيبها المفقود “ليو” فتقول:

أستطيع أن أشعر بذاك اليوم الآخر يجري تحت هذا اليوم/ مثل شريط فيديو قديم—ها نحن نمضي مسرعين حول المنعطف الأخير/صعودًا في التل نحو بيته، ظلال الأشجار والورود تتطاير في نافذة السيارة/والموسيقى تتدفق من الراديو وهو/يغني ويلمس يدي اليسرى بشفتيه./كان «لو» يعيش في غرفة زرقاء عالية يستطيع منها رؤية البحر/الزمن في حلقاته الشفافة وهو يمر تحتي الآن/لا يزال يحمل صوت الهاتف في تلك الغرفة/والحركة المرورية البعيدة والحمام تحت النافذة/ هديل صوته يقول:أستطيع أن أشعر بقلب تلك الجميلة/ينبض داخل قلبي وهي تتنهمر بين ذراعيه في الغرفة الزرقاء العالية—أتوقف وألتفت وأقف في مواجهة الريح، التي تتدافع الآن نحوي عبر الأرض البور الباردة/ عندما رحل «لو» وشعرتُ أنني سأموت.بدأتُ ممارسة التأمل./ أجلس على الأرض أمام أريكتي/وأردد أجزاءً من صلوات لاتينية قديمة./من الأعماق صرختُ إليك يا رب./كل صباح كانت تأتيني رؤيا./وقد أدركت أنها لم تكن سوى .. روحي!

اقرأ أيضا

روايات لنا عبد الرحمن.. فضاءات من الحكي والهوية

نوبل السلام وترامب.. هل يسخر القدر من جديد

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26610

موضوعات ذات صلة

أسرار التسمية ودستور العبادة في يوم عرفة

أيمن مصطفى

رمضان صبحي أمام أخطر اختبار في مسيرته

محمد عطا

شائعات الموت تلاحق نجوم الفن وتثير قلق الجمهور

غازي يفكك صراع الصحافة والتقنية في “خرائط التغيير”

المحرر

تفاصيل الحالة الصحية للبابا تواضروس في النمسا

حازم رفعت

كشف سر نجاح بيراميدز في ٢٠٢٥

محمد عطا