
دراسة حديثة تكشف أن القدرة على التمييز بين المشاعر ليست مجرد مهارة نفسية، بل وسيلة فعالة لتحويل الإحباط والقلق والغضب إلى قرارات إيجابية وحياة أكثر توازنًا
يمر الجميع بلحظات يشعرون فيها بالإحباط أو القلق أو الغضب، وقد تبدو هذه المشاعر وكأنها حاجز يمنعهم من التفكير أو اتخاذ أي خطوة إلى الأمام. لكن دراسة حديثة تشير إلى أن المشكلة ليست في المشاعر السلبية نفسها، وإنما في عجز الإنسان عن فهمها بدقة وتحديد مصدرها الحقيقي
ويرى الباحثون أن كثيرًا من الناس يخلطون بين مشاعر متعددة تحدث في الوقت نفسه، فيظنون أنهم يشعرون بالحزن، بينما يكون القلق أو الغضب هو الشعور المسيطر. وهذا الالتباس يجعل اختيار التصرف المناسب أكثر صعوبة، ويزيد من الشعور بالعجز والجمود
تمييز المشاعر… بداية الحل
توصل باحثون إلى أن القدرة على التمييز بين المشاعر تعد من المهارات النفسية التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، رغم أهميتها في تحسين القدرة على التعامل مع الضغوط اليومية
فبدلاً من الاكتفاء بوصف الحالة بأنها “سيئة”، ينصح الباحثون بالتوقف للحظة ومحاولة الإجابة عن سؤال بسيط: ما الذي أشعر به تحديدًا؟ هل هو القلق؟ أم الحزن؟ أم الغضب؟ فالإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تمثل الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع الموقف
من الشعور إلى الفعل
ويؤكد الباحثون أن تحديد نوع الشعور يساعد الإنسان على اختيار الإجراء الأكثر ملاءمة. فلكل شعور رسالة مختلفة، ولكل رسالة استجابة عملية يمكن أن تساعد على تجاوز الأزمة أو التقليل من آثارها
وقد لا يكون الحل دائمًا في اتخاذ إجراء فوري، لكن مجرد فهم طبيعة المشاعر يمنح الإنسان رؤية أوضح للخيارات المتاحة أمامه، ويقلل من حالة الارتباك التي ترافق الضغوط النفسية
تجربة استمرت أسبوعين
وللتحقق من هذه الفكرة، تابع الباحثون المشاركين لمدة أربعة عشر يومًا، حيث تلقوا تنبيهات يومية لتسجيل مشاعرهم في لحظتها، مع توضيح الطريقة التي تعاملوا بها مع تلك المشاعر، والأهداف التي سعوا إلى تحقيقها من خلال هذا التعامل
وركزت الدراسة على أربعة دوافع رئيسية، هي إنجاز المهام، واكتساب المعرفة، وتحسين العلاقات الاجتماعية، وتحقيق النمو الشخصي
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين استطاعوا تحديد مشاعرهم بدقة كانوا الأكثر قدرة على تحويل تلك المشاعر إلى دافع عملي، خاصة عندما كانت مشاعرهم السلبية في أشد حالاتها
التركيز أفضل من التخبط
وكشفت الدراسة أن الأشخاص القادرين على فهم مشاعرهم لا يتنقلون عشوائيًا بين الحلول المختلفة، بل يختارون استراتيجية محددة تناسب الموقف، وهو ما يزيد فرص نجاحهم في تجاوز الأزمات
فعلى سبيل المثال، إذا تجاهل صديق الرد على الاتصالات أو الرسائل، فقد يشعر الشخص بالحزن أو الغضب أو القلق. لكن تحديد الشعور الحقيقي يساعده على اختيار رد الفعل الأنسب، سواء بمنح الطرف الآخر مساحة من الوقت، أو مراجعة أسلوب التواصل، أو التعامل مع الموقف بوصفه فرصة للتعلم والنمو
الدقة تصنع الفارق
ويؤكد الباحثون أن المطلوب ليس مراقبة المشاعر طوال الوقت أو تحليل كل موقف يمر به الإنسان، وإنما التوقف للحظات عندما تشتد المشاعر السلبية، ومحاولة فهمها قبل الانجراف وراءها
كما أظهرت النتائج أن هذه المهارة يمكن تطويرها مع الممارسة، حتى لدى الأشخاص الذين يعتقدون أنهم لا يجيدون فهم مشاعرهم، إذ إن التركيز على المشاعر في لحظة حدوثها كان أكثر فاعلية من الاعتماد على الانطباعات العامة عن الشخصية
تؤكد الدراسة أن التخلص من دوامة المشاعر السلبية لا يبدأ بمحاولة تجاهلها أو مقاومتها، بل بفهمها أولًا. فكلما استطاع الإنسان تسمية مشاعره بدقة وربطها بسببها الحقيقي، أصبح أكثر قدرة على تحويلها إلى دافع للعمل واتخاذ قرارات أفضل، ليستعيد توازنه النفسي ويواصل حياته بثقة ووضوح.
