منوعات

علم الأعصاب يكشف سر الانسجام الفوري بين الناس

 

 

كثيرًا ما نصف لقاءً ناجحًا بعبارة: “كان بيننا انسجام منذ اللحظة الأولى”، وكأن الأمر يعود إلى قوة خفية أو كيمياء غامضة لا يمكن تفسيرها. لكن علم الأعصاب يقدم تفسيرًا مختلفًا، إذ يرى أن هذا الشعور يتشكل خلال الدقائق الأولى من التفاعل، من خلال الطريقة التي يعالج بها الدماغ الكلمات والإشارات والسلوكيات المتبادلة بين الأشخاص.

ويؤكد الباحثون أن بناء الألفة ليس موهبة فطرية يمتلكها البعض دون غيرهم، بل مهارة يمكن تنميتها إذا عرف الإنسان كيف يتواصل بطريقة تجعل الطرف الآخر يشعر بالراحة والتقدير. وهناك ثلاث استراتيجيات رئيسية تدعمها الأبحاث العلمية لتحقيق ذلك.

أول هذه الاستراتيجيات هي منح الطرف الآخر تجربة عاطفية إيجابية منذ بداية الحديث. فالسؤال التقليدي: “كيف حالك؟” غالبًا ما يقود إلى إجابات متوقعة تنتهي سريعًا دون أن تترك أثرًا في الحوار. أما الأسئلة التي تستدعي ذكريات أو توقعات سعيدة، مثل: “ما أجمل ما حدث لك اليوم؟” أو “ما أكثر شيء تتطلع إليه هذا الأسبوع؟”، فإنها تدفع الدماغ إلى استعادة المشاعر الإيجابية المرتبطة بتلك الذكريات.

وتشير الدراسات إلى أن استحضار التجارب السعيدة لا يحسن الحالة المزاجية مؤقتًا فحسب، بل يجعل الشخص يربط هذا الشعور الإيجابي بمن كان يتحدث معه، وهو ما يسهم في بناء انطباع أولي دافئ ويقوي العلاقة منذ بدايتها.

أما الاستراتيجية الثانية فتتمثل في جعل المحادثة ممتعة ومحفزة للدماغ. ويحدث ذلك عندما يشعر الشخص بأن من أمامه مهتم حقًا بما يقوله، وليس مجرد منتظر لدوره في الحديث. فبدلًا من مقاطعة المتحدث للانتقال إلى قصة شخصية، يُنصح بطرح أسئلة تستكمل حديثه، مثل: “وماذا حدث بعد ذلك؟” أو “ما الذي دفعك إلى اتخاذ هذا القرار؟”.

كما يوصي الباحثون باستخدام اسم الشخص أثناء الحديث بين الحين والآخر، لأن سماع الإنسان لاسمه يجذب انتباهه بصورة تلقائية، وينشط مناطق في الدماغ مرتبطة بإدراك الذات، ويعزز الشعور بالتقدير والاهتمام، مما يشجعه على مواصلة الحوار.

ويؤكد خبراء التواصل أن الأشخاص الذين يتمتعون بحضور مؤثر ليسوا بالضرورة الأكثر حديثًا، بل غالبًا ما يكونون الأكثر قدرة على الإصغاء، وإشعار الآخرين بأن أفكارهم وتجاربهم تستحق الاهتمام.

أما الاستراتيجية الثالثة فتعتمد على لغة الجسد، فيما يعرف بتأثير “الحرباء”، وهو الميل الطبيعي لدى الإنسان إلى محاكاة تعبيرات الوجه وحركات الجسد ونبرة الصوت لدى الشخص المقابل بصورة تلقائية.

وتوضح الأبحاث أن هذا التوافق غير اللفظي يعزز الإحساس بالألفة والثقة، لكنه لا يتحقق من خلال التقليد المباشر أو المبالغ فيه، لأن ذلك قد يبدو مصطنعًا. والأفضل أن يحدث التناغم بصورة تدريجية وطبيعية، فإذا كان الشخص يتحدث بهدوء تحدث بالوتيرة نفسها، وإذا مال بجسده نحوك أثناء الحوار فلتكن لغة جسدك منفتحة ومتقاربة معه، وإذا ابتسم فبادل ابتسامته.

ويرى الباحثون أن هذه الإشارات البسيطة تمنح الدماغ إحساسًا بالأمان، وهو ما يجعل التواصل أكثر عمقًا وراحة، ويزيد من احتمالات بناء علاقة إيجابية ومستقرة.

وتخلص الدراسات إلى أن ما يطلق عليه الناس عادة “الكيمياء” بين الأشخاص ليس ظاهرة غامضة، بل نتيجة لعمليات عصبية ونفسية تحدث داخل الدماغ عندما يشعر الإنسان بأنه مسموع، ومفهوم، وموضع تقدير.

وفي النهاية، لا يتطلب بناء العلاقات الناجحة قدرات خارقة أو جاذبية استثنائية، بل يبدأ من تفاصيل بسيطة: سؤال يبعث على التفاؤل، وإنصات صادق، ولغة جسد تبعث على الطمأنينة. فكل محادثة تحمل فر

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21328

موضوعات ذات صلة

معرض زهور الربيع يشهد إقبالاً كبيرًا في أول أيامه

المحرر

أسبوع سياحة الطعام في المتحف المصري الكبير

المحرر

الإرشاد المجاني يثري زيارة المتحف المصري

هدير عادل

مصر تستضيف عملاق الرحلات الأوروبي

نجوى سليم

التحول الرقمي يعيد تشكيل تجربة زيارة الآثار

هدير عادل

الحب من أول نظرة

أيمن مصطفى