
تمر في حياة الأمم محطات حاسمة لا تحتمل التردد، وتولد من رحم الأزمات الكبرى إشراقات وطنية تصحح مسار التاريخ، ومن هذا المنطلق تأتي ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو لتجسد هذه الحقيقة، باعتبارها انتفاضة شعبية خالصة صانت هوية الوطن وحمته من الانقسام والانهيار؛ إذ أثبتت هذه الثورة للعالم أجمع أن وعي الشعب المصري وصموده هما الضمانة الأولى والدرع الحقيقي لحفظ مقدرات الدولة وصناعة مستقبلها.
انتفاضة شعبية
ثورة 30 يونيو كانت في جوهرها انتفاضة شعبية كبرى وجسورة، استعادت هوية أمة بأكملها وأنقذت مصر من حافة الانهيار المحقق، إذ تلاحمت فيها إرادة الملايين لتصحيح مسار التاريخ في لحظة حاسمة كادت تعصف بكيان الوطن وتلقي به في غياهب المجهول، ليصبح هذا التاريخ بمثابة طوق النجاة الحقيقي وصك الغفران الوطني الذي رد مصر إلى أهلها وحمى تراثها الحضاري من الطمس والتبديد؛ فقراءة المشهد المعقد الذي سبق هذه الثورة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر كانت تعيش حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الحاد والتمزيق الممنهج للنسيج المجتمعي، حيث واجهت الدولة محاولات شرسة لتغيير هويتها الثقافية المتسامحة التي تشكلت عبر آلاف السنين، في وقت عانى فيه المواطن البسيط من أزمات معيشية طاحنة وغياب شبه تام للأمن، وشلل أصاب المؤسسات الحيوية، والأخطر من ذلك كله كان الشعور السائد بأن الوطن يُختطف لصالح أجندات ضيقة لا تومن بحدود الدولة الوطنية أو سيادتها، فكان التحرك الشعبي الذي زلزل الأرض تحت أقدام النخبة الحاكمة آنذاك، حين انتفضت جموع المواطنين تعبيراً عن رفضها القاطع لسياسات الإقصاء ومحاولات “أخونة” مفاصل الدولة؛ ليتحول هذا الغليان الجماهيري سريعاً من مجرد احتجاجات متفرقة إلى جبهة معارضة وطنية شاملة ضمت كل التيارات السياسية والمدنية؛ وتكاملت فيها جهود النخب مع نبض الشارع البسيط الذي استشعر الخطر الداهم على مستقبل أبنائه.
وفي قلب هذا الإعصار الشعبي، بزغت حركة “تمرد” كصوت شرعي يعبر عن ضمير الأمة، حيث تحولت استمارات الحركة البسيطة إلى وثائق إدانة شعبية جابت شوارع مصر وحاراتها لتجمع توقيعات الملايين المطالبة برحيل النظام وسحب الثقة منه. وقد نجحت هذه الحركة في تحويل الغضب المكبوت إلى طاقة إيجابية منظمة وقانونية تفوق عتواً أي قمع، مما أربك حسابات جماعة الإخوان الحاكمة التي اعتقدت واهمة أن السلطة قد دانت لها للأبد، لتصبح تلك الاستمارات بمثابة شرارة البدء والوقود الحقيقي لزحف الثلاثين من يونيو.
ملحمة الوعي
لم تقتصر هذه الملحمة الشعبية على ميادين العاصمة، بل رسمت المحافظات لوحة شرف استثنائية تجلت فيها وحدة الهدف والمصير، وشهدت أقاليم مصر من الدلتا إلى الصعيد، ومن مدن القناة إلى الحدود، مسيرات حاشدة وغير مسبوقة فاقت في زخمها التوقعات، حيث تكاتف أبناء الشعب بمختلف فئاتهم ووقف المسلم إلى جوار المسيحي، والعامل بجانب المفكر، ليعلنوا بصوت واحد رفضهم القاطع لسياسة التمكين والتقسيم؛ إذ إن هذا التلاحم الأسطوري بين جموع المواطنين في كافة ربوع مصر أثبت بصورة عملية وميدانية أن الوعي الجمعي للمصريين عصي على الاختراق، وأن الجسد المصري واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الوطن بالخلاص والتحرير.
وهنا تحديداً تجلت العبقرية الفطرية للشعب.. هذا الشعب الذي يظن البعض خطأً أنه قد يصبر على الضيم حتى ينسى حقوقه، لكنه في الحقيقة يختزن طاقة الغضب الإيجابي ليطلقها في اللحظة الحاسمة، حيث رأينا في ميادين التحرير بالقاهرة والقائد إبراهيم بالإسكندرية وفي كل قرية ومدينة على أرض مصر تلاحماً أسطورياً توحدت فيه أطياف المجتمع من عمال وفلاحين ومثقفين، وكانت المرأة المصرية كالعادة في مقدمة الصفوف بحسها الوطني تقود المسيرات، وامتصت الميادين هتافاً واحداً زلزل الأرض وتحول إلى شعار مقدس وهو “مصر للمصريين”، لتثبت هذه الملحمة للعالم أجمع أن وعي المواطن هو الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل المؤامرات والدسائس الخارجية والداخلية على السواء.
ولا يمكن للعين المنصفة أن تخطئ الدور التاريخي والبطولي الذي لعبته القوات المسلحة في تلك الأيام العصيبة، فقد ضربت المؤسسة العسكرية أروع الأمثلة في الشرف والوطنية والانحياز الكامل والجسور لإرادة الجماهير الحرة؛ فلم تكن هذه المؤسسة يوماً أداة لقمع الآراء، بل كانت وستظل الدرع والسيف والحامي الحقيقي لتراب هذا الوطن وأمنه القومي، حيث قد جاء قرار الاستجابة لنداء الشعب ليقطع الطريق فوراً على الفتنة والحروب الأهلية التي خطط البعض لجر البلاد إليها، لتؤكد الثورة أن هذا التلاحم الفريد بين الشعب والجيش هو السر الحقيقي وراء نجاح عملية الخلاص الإعجازية التي أذهلت المراقبين في شرق العالم وغربه.
إن عظمة الثورات لا تقاس فقط بحجم الجماهير المحتشدة في الميادين بل بما تحققه من إنجازات حقيقية على أرض الواقع في مرحلة ما بعد الخلاص، وبتدقيق النظر في مسيرة الدولة المصرية عقب الثورة فنجد أنها انتقلت من مرحلة الفوضى والسيولة السياسية إلى مرحلة البناء الشامل وتثبيت أركان الدولة الوطنية، حيث نجحت مصر في استعادة عافية مؤسساتها الدستورية والقضائية والأمنية بالتوازي مع خوض معركة شرسة وطاحنة لقطع دابر الإرهاب الأسود وتطهير سيناء وكافة الربوع من جماعات الظلام. كما انطلقت في الوقت ذاته ورشة عمل عملاقة شملت تشييد شبكات الطرق الحديثة وتأسيس المدن الجديدة وتطوير العشوائيات وإطلاق مبادرات تنموية كبرى غيرت وجه الريف المصري من خلال مشروع “حياة كريمة” التاريخي.
لقد امتدت ثمار هذا الاستقرار لتشمل استرداد مصر لمكانتها الإقليمية والرائدة في محيطها العربي والإفريقي والدولي، حيث صار القرار الوطني المصرى مستقلاً وخالصاً لا يقبل الإملاءات أو التدخل في الشؤون الداخلية؛ لتظل ثورة الثلاثين من يونيو نموذجاً ملهماً في تاريخ الحركات الشعبية العالمية، باعتبارها اليوم الذي استردت فيه مصر روحها الحقيقية، والشرارة الأولى التي انطلقت منها مسيرة التنمية المستدامة.
