سليدرشؤون سياسية

كرة الغضب تشتعل فى شوارع إيران

 تتواصل الاحتجاجات الشعبية بوتيرة متسارعة، فى صورة أقرب إلى كرة نار متدحرجة يصعب إيقافها، بعدما خرجت من نطاق المطالب المعيشية المحدودة إلى مساحات أوسع تمس جوهر العلاقة بين الشارع ومؤسسات الدولة. الأيام الأخيرة شهدت تصعيدا لافتا، بلغ ذروته مع محاولة محتجين اقتحام مبنى حكومى، فى تطور يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة تتجاوز الحدث ذاته.

شرارة الاحتياجات

وفى ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة، بدأت شرارة الاحتجاجات من طهران، حيث خرج أصحاب المتاجر يشكون الغلاء الحاد وتراجع قيمة الريال، قبل أن تنتقل التحركات سريعًا إلى الجامعات، ثم إلى مدن أخرى، بما يعكس اتساع رقعة الغضب الاجتماعى وتنوع المشاركين فيه. ولم تعد الأزمة حكرا على فئة بعينها، بل باتت تعبيراً عن حالة تآكل عام فى القدرة على الاحتمال.

ومع تسجيل محاولة اقتحام مبنى محافظة فسا فى إقليم فارس، دخلت الاحتجاجات مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد الشارع يكتفى بالتظاهر أو الإضراب، بل بدأ يلامس خطوط المواجهة المباشرة مع رموز السلطة المحلية. ورغم نجاح قوات الأمن فى احتواء الواقعة، فإن مجرد حدوثها يكشف عن تراجع واضح فى منسوب الخوف لدى قطاعات من المحتجين.

الدافع الاقتصادي

وحسب الرواية الرسمية، فإن السلطات وصفت ما جرى بأنه تحرك لمجموعة منظمة مدفوعة بتأثيرات خارجية، وهو خطاب معتاد فى تعامل الدولة مع موجات الاحتجاج. إلا أن هذا التوصيف، وفق مراقبين، لا يلغى حقيقة أن الدافع الاقتصادى بات المحرك الأساسى للحراك، خاصة فى ظل أرقام تضخم قياسية وتدهور غير مسبوق للعملة.

ويشير اللواء يونس السبكى، الخبير الاستراتيجى، إلى أن خطورة المشهد لا تكمن فقط فى اتساع رقعة الاحتجاجات، بل فى طبيعة تطورها، موضحاً أن «محاولة اقتحام مبنى حكومى تعكس انتقالًا تدريجيًا من الاحتجاج السلمى إلى اختبار هيبة الدولة، وهو تطور يحمل إنذاراً أمنيًا يستدعى قراءة هادئة لا تعتمد فقط على القبضة الأمنية». ويضيف أن استمرار الضغوط الاقتصادية دون حلول ملموسة قد يدفع بمزيد من الفئات إلى مسارات أكثر حدة.

أزمات متراكمة

وعلى الصعيد السياسى، ترى المحللة السياسية مها الشريف، رئيس تيار المستقبل ضد العنف والإرهاب، أن ما تشهده إيران اليوم هو نتاج تراكمى لسنوات من الأزمات، مؤكدة أن «الاحتجاجات الحالية ليست معزولة عن السياق الإقليمى والدولى، ولا عن العقوبات الممتدة التى أضعفت الطبقة الوسطى ودفعت شرائح واسعة إلى حافة الفقر». وتوضح أن إعلان الحكومة نيتها فتح قنوات حوار، رغم غموضه، يعكس إدراكًا رسميًا لحساسية اللحظة.

وفى هذا الإطار، تبدو خطوة الحديث عن «آلية حوار» محاولة لامتصاص الغضب، لكنها تظل، وفق متابعين، خطوة غير كافية ما لم تترجم إلى قرارات اقتصادية سريعة تخفف من وطأة المعيشة. التجارب السابقة أظهرت أن الحوار دون نتائج ملموسة غالباً ما يؤدى إلى موجات احتجاج أشد.

توترات إقليمية

يأتي هذا الحراك فى توقيت سياسى بالغ التعقيد، خاصة بعد مرحلة من التماسك الداخلى أعقبت توترات إقليمية سابقة، غير أن عودة الأزمة الاقتصادية بقوة أعادت فتح الجراح الاجتماعية. العقوبات المستمرة، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع الأسعار، جميعها عوامل خلقت بيئة قابلة للاشتعال فى أى لحظة.

وفى ظل هذه المعطيات، تجد السلطات الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة: إما انتهاج مسار إصلاحى حقيقى يخفف الاحتقان ويعيد الثقة، أو الاكتفاء بالحلول الأمنية المؤقتة التى قد تنجح فى إخماد الاحتجاجات مرحليًا، لكنها لا تضمن منع عودتها بشكل أوسع وأكثر حدة. وبين هذا وذاك، يبقى الشارع الإيرانى فى حالة ترقب، فيما تتدحرج كرة الاحتجاجات على منحدر مفتوح على كل الاحتمالات.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10635

موضوعات ذات صلة

أشرف صبحي لـ ( صوت البلد ) : الشباب شركاء صناعة المستقبل

محمد عطا

صقيع السياسة ودفء السيادة .. دافوس 2026

أيمن مصطفى

خبير: مبادرة التسهيلات الضريبية دعم للاقتصاد وثقة للمستثمرين

أيمن مصطفى

مصر تقود “التجارة الخضراء” في “مارلوج 15”

أيمن مصطفى

محراب الوحدة وميلاد وطن

أيمن مصطفى

اللواء حسن عزب لـ ( صوت البلد) : خطف رئيس دولة ينسف النظام الدولى

ضاحى محمود