دين ودنياسليدر

الأزهر.. قلعة الوسطية

الجامع الأزهر

في رحاب السابع من رمضان، تشرق الذاكرة على مشهد مهيب يمتد لأكثر من ألف عام؛ ففي مثل هذا اليوم من سنة ٣٦١ هجرية، ارتفع صوت الحق من مآذن الجامع الأزهر معلناً تدشين مرحلة فارقة في تاريخ الأمة.

الوقوف على أعتاب الأزهر هو وقوفٌ في حضرة “الضمير المصري” الذي استحال مع الأيام منارة عالمية، وقدرُ هذا الصرح أن يظل حارس الهوية، ومستودع اللغة، والقلعة التي استعصت على الانكسار أمام رياح التغريب؛ حيث قد أبى هذا النور الانطفاء، ليظل الأزهر شامةً في جبين التاريخ، وقبلةً تهوي إليها أفئدة الباحثين عن جوهر الإسلام الوسطي النقي.

أروقة العلم

تتجلى يد الأزهر البيضاء في رعايته الفائقة لطلابه، وهي رعايةٌ تتجاوز حدود التلقين الأكاديمي لتبلغ آفاق صناعة الإنسان المتكامل، حيث يبدأ الأزهر احتضانه للنشء عبر “الكتاتيب” العصرية والمعاهد النموذجية المنتشرة في ربوع الكنانة؛ ليتم تحصين عقول الصغار بالقرآن وجماليات اللغة قبل أن تلوثها أفكار الغلو. وفي أروقة “جامعة الأزهر” العريقة، يجد الطالب دعماً لوجستياً وعلمياً عز نظيره؛ إذ توفر “المدن الجامعية” التي تستوعب عشرات الآلاف سكناً وغذاءً يكفل للطالب التفرغ التام للتحصيل بعيداً عن أعباء المادة.

إن هذه المنظومة التعليمية انطلقت ببراعة نحو الكليات العملية من طب وهندسة وعلوم، لتخرج لنا “العالم الأزهري” الذي يجمع بين فقه النص وفقه الواقع بامتياز. ومن أبرز الخدمات الجليلة، تلك “المنح الدراسية” المجانية التي تُمنح للمتفوقين من أبناء الأقاليم، فضلاً عن “مركز الأزهر للابتكار” الذي يتبنى المواهب العلمية الشابة، محولاً باحات الأزهر إلى مختبرات لبناء النهضة، ومؤكداً أن رسالة الأزهر التعليمية تظل حقاً مكفولاً لكل طامح في العلم مهما بلغت ظروفه الاقتصادية تعقيداً.

بيت الأمة الإسلامية

يستقر في يقين المصريين أن الأزهر هو “بيت الأمة” الذي يُغاث فيه الملهوف ويُجبر فيه المنكسر، فقد تجاوز دوره الوعظ التقليدي نحو فضاءات العمل المؤسسي الممنهج، حيث يبرز هنا “بيت الزكاة والصدقات المصري” كذراع قوية تمتد بالخير إلى كل دار، حيث يمتد العطاء ليشمل “قوافل الأزهر الطبية” التي تجوب المحافظات الحدودية، حاملةً الدواء والجراحة والعلاج المجاني لمن نأت بهم السبل، ضاربةً أروع الأمثلة في أن رسالة الدين هي الرحمة المجسدة في العمل.

وإذا ما أمعنا النظر في خدمة “مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية”، نجد تجسيداً حياً لخدمة المواطن في أدق تفاصيل حياته؛ فمن خلال “وحدة لم الشمل”، نجح الأزهر في حماية آلاف الأسر من شبح التفكك، متدخلاً بحكمة علمائه لفض النزاعات الأسرية قبل وصولها لساحات المحاكم، إذ إنها خدمة اجتماعية “مجانية” تُقدم بكرامة وعزة، تجعل من الأزهر الشريك الاستراتيجي للدولة في بناء “الإنسان” وتحقيق السلم الأهلي، مؤكداً أن “العمامة البيضاء” كانت وستظل الضمانة الأولى للأمن النفسي والمجتمعي في شارعنا المصري.

يتجلى شموخ الأزهر في كونه “جامعة الشعوب” التي تذوب بين جدرانها فوارق الجنس واللون؛ إذ تستقبل أروقته سنوياً آلاف الوافدين من شتى بقاع الأرض، لتقدم لهم منظومة تعليمية ومعيشية متكاملة تتكفل مصر برعايتها بالكامل، حيث إن هؤلاء الطلاب هم غراس الأزهر في العالم، يعودون إلى أوطانهم محملين بجوهر الثقافة المصرية الوسطية، مشكلين طوق نجاة لمجتمعاتهم من الانحراف الفكري؛ فالعناية بهؤلاء “الضيوف الساعين للعلم” تتجاوز توفير المقعد الدراسي إلى تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية، مما يحول الطالب الوافد إلى جزء أصيل من النسيج الأزهري، يعيش في مصر ويحمل مصر في قلبه أينما ارتحل، لتظل مآذن الأزهر هي البوصلة التي تهتدي بها العقول الحائرة في أقاصي الأرض.

وعلى صعيد المواجهة المعرفية، ينهض الأزهر بمسؤولية تاريخية في حفظ التراث الإسلامي من السطو أو التزييف، ممتلكاً إحدى أكبر المكتبات التاريخية في العالم التي تضم نفائس المخطوطات، كما تمت مواكبةً العصر الحديث عبر اقتحام الفضاء الرقمي بآليات تقنية، حيث تعمل مراكز الأزهر المتخصصة على مدار الساعة لرصد الشبهات وتصحيح المفاهيم وتوجيه الرأي العام نحو الفهم المستنير؛ إذ إنها معركة وعي يخوضها الأزهر نيابة عن المواطن البسيط، ليفصل بين “الدين” كقيمة عليا وبين “التوظيف السياسي” أو “التجارة الوعظية”، مؤكداً أن حماية العقول من التضليل توازي في أهميتها حماية الأبدان من الأمراض، وهي المهمة التي يتصدى لها علماء الأزهر بكل جسارة واقتدار.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14539

موضوعات ذات صلة

الحفاظ على الدولة الوطنية.. البناءو الوعي والبقاء

أيمن مصطفى

جامعة أسيوط تبرز في تصنيف شنغهاي الدولي لعام 2025

أحمد الفاروقى

ميرفانا ماهر: تكريمي انتصار لصحافة العمق

أيمن مصطفى

كيف ننعم بالسعادة في زمن القلق؟.. خبيرة نفسية تجيب

شيماء عيسي

المراهنات الرياضية.. متعة عابرة أم جريمة مكتملة الأركان؟

محمود المهدي

مواجهة التنمر.. دليل عملي للآباء

المحرر