ثقافة وأدبسليدر

ليالي سان دوني.. المنفى والبحث عن بيت يدوم

في أمسية ثقافية اتخذت من الرواية بابًا مفتوحًا على المنفى، نظم نادي مدينتي الثقافي بالقاهرة ندوة نقدية لمناقشة رواية «ليالي سان دوني» للكاتبة لنا عبد الرحمن. لم تكن الندوة التي أدارتها الكاتبة غادة لبيب قراءة تقليدية بقدر ما كانت حوارًا مفتوحًا يستنطق أسئلة العمل من داخله، ويقدم لمدينة باريس صورة أخرى، لا تشبه صورتها السياحية، وللمهاجرين وجوه مختلفة تجمع بين الاغتراب  الفن بوصفه لغة بديلة. أما البيت فيبدو في هذه الرةاية مثل فكرة قلقة لا تستقر داخل جدران ثابتة، إنها محاور متداخلة تتقاطع كخيوط في نسيج واحد.

استهلت غادة لبيب اللقاء بالإشارة إلى خصوصية الرواية التي تذهب إلى الظلال الخلفية لباريس، حيث ضاحية سان دوني وقصر «لو شاتو» الذي يضم فنانين ولاجئين وهاربين وغرباء تتقاطع حكاياتهم تحت سقف واحد، بينما يحمل كل منهم وطنًا مكسورًا في الذاكرة. وطرحت سؤالًا مركزيًا لا يغادر النص: ما البيت؟ هل هو المكان الأول الذي غادرناه، أم الفضاء الذي يمنحنا ولو مؤقتًا شعورًا بالأمان؟ ورأت أن هذا السؤال هو المفتاح الأوسع لقراءة العمل، لأن أبطاله لا يبحثون فقط عن إقامة أو أوراق أو عمل، بل عن معنى يجعل الحياة قابلة للاحتمال.

علقت غادة لبيب بأن الرواية نجحت في تحويل المكان إلى شخصية فاعلة، نقطة تماس بين الذاكرة والحاضر، وبين الحلم بالخلاص وحقيقة الهشاشة التي تطارد الجميع.ومع انطلاق النقاش، تساءلت لبيب عن دلالة قصر «لو شاتو»: هل هو مجرد مكان تجتمع فيه الشخصيات، أم كائن حي يتنفس مع ساكنيه؟ أجابت لنا عبد الرحمن بأن القصر لم يكن خلفية محايدة، بل مركزًا روائيًا يأخذ من ساكنيه وفوضاهم وخوفهم وأغانيهم، ويمنحهم في المقابل إحساسًا هشًا بأنهم ليسوا وحدهم. هو بيت مؤقت لمن فقدوا بيوتهم أو لم يعودوا قادرين على الرجوع إليها؛ مأوى حنون من جهة، وفضاء مهدد بالتلاشي من جهة أخرى.

انتقل الحوار بعد ذلك إلى البنية السردية. أجابت لنا عبد الرحمن بأن المنفى لا يمكن اختزاله في صوت واحد، لأن كل شخصية تحمل شكلًا مختلفًا من الفقد: من يهرب من حرب، ومن يفر من قمع، ومن يترك حياة لم يعد قادرًا على احتمالها، ومن يصنع من الفن أو العمل جسرًا للعبور. وأكدت أنها لم تقدم المهاجر في صورة نمطية، بل كشخص متناقض يتصرف أحيانًا بصلابة وأحيانًا بانكسار. ورأت غادة لبيب أن تعدد الأصوات يعكس طبيعة العالم الذي تصوره الرواية، فما يبدو فوضى من الحكايات يتحول تدريجيًا إلى خريطة إنسانية تكشف كيف يعيش المنفيون معلقين بين الماضي والمستقبل.

جسر عبور

توقفت الندوة عند شخصيات تجسد وجوه المنفى المختلفة: «مازن» الذي يُلقب بـ«العمدة» لأنه ينقذ الآخرين، لكنه يفشل في إنقاذ نفسه من الندم على وعد لم يفِ به لأمه. «درصاف» الأفغانية المحاصرة بين الماضي والحاجة إلى الأمان. «عبير» الليبية التي تحول الغربة إلى مساحة عمل ومقاومة عبر قناتها الرقمية. «نايا» اللبنانية التي تعيد اكتشاف نفسها بعد انكسار جسدي ونفسي. و«أبو الطيب» السوري الذي يواجه القسوة بنظرة ساخرة مريرة، كأن الضحك وسيلة دفاع أخيرة.

كان حضور الفن والموسيقى من أكثر محاور الندوة تفاعلًا. قالت لنا عبد الرحمن بأن الفن ليس هروبًا كاملًا ولا علاجًا نهائيًا، بل يمنح الشخصيات قدرة على الاستمرار. الموسيقى والغناء والرسم وصناعة المحتوى أشكال مختلفة للإمساك بالحياة في مكان مضطرب. والشخصيات تلتقي عبر الفن لأنه مساحة لا تحتاج إلى ترجمة كاملة؛ فالألم الذي لا يُقال بالكلمات يخرج في لحن أو صورة. وعقبت غادة لبيب بأن الرواية تجعل الفن بديلًا عن الوثيقة الرسمية؛ فمن لا يملك إقامة آمنة قد يملك صوتًا، ومن لا يستطيع الرجوع إلى وطنه قد يصنع وطنًا مؤقتًا في أغنية أو علاقة إنسانية.

وتطرق النقاش إلى البعد السياسي من خلال شخصية «كامي» الناشطة الفرنسية. أشارت لنا عبد الرحمن إلى أن تهجير الإنسان ليس منفصلًا عن أشكال أخرى من الخراب البيئي والسياسي والأخلاقي الذي يحول البشر إلى أرقام ومشكلات أمنية. الرواية لا تدين مجتمعًا بعينه، لكنها تكشف كيف يصنع الخوف صورة قاسية عن المهاجر. ورأت غادة لبيب أن «ليالي سان دوني» لا تقدم خطابًا مباشرًا، بل تضع القارئ داخل تفاصيل الحياة اليومية: القلق من السلطات، هشاشة الإقامة، والرغبة في ألا يكون الإنسان عابرًا طوال الوقت.

اللغة والتفاصيل اليومية

في جانب آخر، دار نقاش حول لغة الرواية التي تجمع بين الحس الشعري والتفاصيل اليومية. قالت لنا عبد الرحمن إن الكاتب يعيد بناء الواقع داخل الخيال، فالرواية لا تسأل فقط ماذا حدث، بل ماذا تركت الأحداث داخل الشخصيات. التفاصيل الصغيرة، غرفة ضيقة، شارع بارد، صورة قديمة، وعد لم يتحقق، قد تكون أقدر على كشف المنفى من الأحداث الكبرى.

مع اقتراب الندوة من نهايتها، عاد سؤال البيت. أجابت لنا عبد الرحمن بأن عبارة «لا بيت يدوم» لا تعني اليأس، بل تكشف وعي الشخصيات بحقيقة الفقد. فالبيت قد لا يدوم، لكن الإنسان يظل قادرًا على صنع لحظات انتماء حتى في الأماكن المؤقتة؛ قد يكون البيت شخصًا أو صوتًا أو جماعة صغيرة تتقاسم الخوف والخبز والغناء. واعتبرت غادة لبيب أن قوة الرواية تكمن في أنها لا تمنح إجابة مطمئنة، بل تترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة: ماذا يبقى من الوطن حين يغادره الإنسان؟ كيف تتغير الهوية في المنفى؟ وهل يكفي أن نجد مأوى كي نقول إننا وجدنا بيتًا؟

اختتمت الأمسية بتوقيع النسخ والتقاط الصور وسط تفاعل لافت، فقد رأى الحضور في «ليالي سان دوني» عملًا يضيء جانبًا إنسانيًا معقدًا من تجربة الهجرة؛ عن بشر يحاولون النجاة من الذاكرة، وعن منفى لا يبدأ عند الحدود ولا ينتهي عند الوصول.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18902

موضوعات ذات صلة

البابا تواضروس يدعو المصريين للتقشف وترشيد الاستهلاك

حازم رفعت

د. كرمة سامي: نهضة إفريقيا الزراعية نقلة في تاريخ المركز

المحرر

مقصلة التريند!

أيمن مصطفى

العربية.. لسان حضارتنا الذي يحيا بنا وفينا

شيماء عيسي

جولات عطية.. هل تكسر روتين الإسكندرية؟

أيمن مصطفى

لقاء الأخوة والسلام بين شيخ الأزهر والبابا تواضروس

محمود على