
في مواسم الطاعة والرحمة، تشرئب أعناق المؤمنين نحو آفاق المغفرة، وتتوق القلوب إلى نفحات ربانية تهز الوجدان وتغسل الخطايا. ومن بين أيام الدهر، يبرز يوم عرفة كأعظم مواسم الطاعة والإنابة، حيث تتنزل الرحمات، وتُقال العثرات، وتُرفع الدرجات. وللغوص في أعماق هذا اليوم المشهود، وفي سياق دورها التنويري، التقت “صوت البلد” بالداعية الإسلامي د. مظهر شاهين، ليبحر بنا في دلالات هذا اليوم العظيم، ويرسم للأمة حجاجاً وغير حجاج، دستوراً إيمانياً وسلوكياً كفيلاً بإحداث ميلاد جديد للنفس البشرية.
النفحات ربانية
يستهل د. مظهر شاهين حديثه بفيض من التدبر في قدسية هذا اليوم، مؤكداً أنه ليس مجرد ميقات في تقويم الزمان، بل هو أمل المذنبين وملاذ الخائفين. هو يوم تفتح فيه أبواب الرجاء على مصراعيها أمام العباد جميعاً؛ حجاجًا كانوا أو غير حجاج. ويرى فضيلته أن على المؤمن أن يستقبل هذا الفيض الإلهي بقلب حاضر، ونفس مقبلة، وعزم صادق على الطاعة والتوبة.
ويأخذنا د. “شاهين” إلى لطائف التدبر القرآني، مشيراً إلى أن عظمة يوم عرفة تجلت في إقسام المولى عز وجل به وبأليامه في محكم التنزيل حين قال: «والفجر وليال عشر»، وهي عند جمهور أهل العلم عشر ذي الحجة التي يتوجها يوم عرفة كأعظم أيامها وأجلّها قدرًا. هذا القسم الإلهي — بحسب فضيلته — يُبرز اجتماع معاني العبادة والخضوع، والدعاء والتوبة في هذا الزمان المخصوص، حيث يتجرد الحجيج على صعيد عرفات من زينة الدنيا الفانية، متوجهين بقلوب خاشعة إلى رب واحد، يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وينتهي بنا المطاف في هذا المحور الاستهلالي مع الآيات التي خلدت مشهد الإفاضة، حيث يوضح د. “شاهين” كيف رسم القرآن الكريم معالم هذا النسك العظيم في قوله تعالى: «فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين». وهي آية لا تؤكد فقط على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم وشعيرته الكبرى، بل تدق ناقوس التذكير بنعمة الهداية الربانية التي تستوجب من العبد دوام الشكر، وخالص الذكر، وخضوع النفس لخالقها في هذا الموقف المشهود.
المباهاة الإلهية
ويمضي بنا الداعية الإسلامي في غمار هذه الرحلة، لينتقل من فضل الزمان والمكان إلى عمق النفحات الإلهية والخصوصية التي حبا الله بها أهل عرفات؛ مستشهداً بحديث المصطفى — صلى الله عليه وسلم — الذي يفيض بأمل العتق والمغفرة: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟». وفي هذا الدنو الإلهي والمباهاة الملائكية دلالة كبرى على سعة الرحمة الربانية التي تفيض لتشمل الوجود، وتتجسد في كثرة ما يمنّ به الخالق على عباده من العفو والمغفرة، وكتابة النجاة من النار لجموع الواقفين والتائبين.
ولا تقف عظَمة هذا اليوم عند حدود العتق والمغفرة فحسب، بل يربط د. مظهر شاهين بين يوم عرفة وجوهر الهوية الإسلامية، مؤكداً أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة؛ فالزمان والمكان شهدا نزول أروع آيات المنة الإلهية: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا». ويرى فضيلته في هذه الآية العظيمة رسالة تذكير أبدية للأمة قاطبة، بأن هذا الدين هو النعمة الكبرى التي تقتضي من المسلم أن يعتز بإيمانه، وأن يترجم هذا الانتماء إلى واقع يعاش؛ فيحيا في ظلال الإسلام رحمةً تنبض، واستقامةً تثمر، وخلقاً سامياً ينشر السلام بين العالمين.
أدبيات الحجيج
وفي حديثه الموجه لضيوف الرحمن، يشدد د. شاهين على أن يوم عرفة هو “ركن الحج الأعظم” ومحور المناسك الأصيل، مصداقاً للقول النبوي الفصل: «الحج عرفة». ومن هذا المنطلق، يرسم فضيلته دستوراً سلوكياً للحاج في هذا اليوم المشهود؛ داعياً إياه إلى اغتنام كل لحظة في الذكر والدعاء والتضرع، والاهتزاز بالتلبية والاستغفار، مع ضرورة التجرد الكامل من اللغو والخصام ومكدِرات القلوب. وينتهي فضيلته في هذا المحور بلفظة بليغة تهز الوجدان، حين يطالب الحاج بأن يستحضر في وقوفه على الصعيد الطاهر مشهد العرصات ومواقف الآخرة؛ حيث يتجرد الخلق أمام الخالق، بحثاً عن طوق النجاة وصك الغفران.
صيام الدعاء
ولأن رحمة الله لا تحبسها حدود الجغرافيا ولا تقتصر على بقعة دون غيرها، يوضح د. مظهر شاهين أن لغير الحاج في هذا اليوم العظيم نصيباً وافراً من الخير والفضل، لا يقل في روحيته عن فيوضات أهل الموقف. ويستحضر فضيلته في هذا الصدد شعيرة الصيام لغير الحاج كمكرمة ربانية كبرى؛ مستدلاً بقول المصطفى — صلى الله عليه وسلم — حين سُئل عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية». ويرى د. شاهين في هذا الحديث دلالة قاطعة على سعة الكرم الإلهي، وتأكيداً على أن أبواب المغفرة مشرعة لكل مسلم على وجه الأرض، ليعيش الجميع أجواء النسك بقلوب صائمة وأرواح خاشعة.
وفي سياق متصل، يفيض حديث د. مظهر شاهين بالحديث عن الدعاء، بوصفه مخ العبادة وجوهر يوم عرفة الأصيل، مستنداً إلى التوجيه النبوي: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة». وهنا يضع فضيلته خريطة طريق وجدانية للمسلم في هذا اليوم، داعياً إياه ألا يغفل عن نفسه وأهله، وأن يتسع دعاؤه ليشمل وطنه وأمته؛ فيسأل الله الهداية، والستر، والعافية، وصلاح الأحوال. كما يشدد د. شاهين على ضرورة استحضار أوجاع الأمة بالدعاء للمستضعفين، والمكروبين، والمرضى، والمحتاجين، بقلب يملؤه اليقين المطلق بأن الله قريب مجيب، يسمع أنين الخفي ويجبر كسر الضعيف.
وثيقة التوحيد
ولا يقف دستور العبادة في هذا اليوم عند الدعاء فحسب، بل يمتد ليشمل إعلاء كلمة التوحيد، عبر الإكثار من التهليل، والتكبير، والتحميد. ويقف فضيلته وقفة تدبر بليغة أمام الذكر الأسمى لهذا اليوم والذي نقله لنا الصادق المصدوق في قوله: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»؛ موضحاً أن هذه الكلمات النفيسة ليست مجرد أوراد تُردد، بل هي وثيقة إيمانية تجمع أسمى معاني التوحيد، والتعظيم، والتسليم المطلق لله الواحد القهار.
ويعتبر د. مظهر شاهين يوم عرفة “فرصة العمر السانحة للتوبة الصادقة”. ويلفت فضيلته الانتباه إلى فلسفة مواسم الطاعة في الإسلام، مؤكداً أنها لم تُشرع لتمر على الإنسان مرور الكرام أو كطقوس عابرة، بل جُعلت لتحدث أثراً إيجابياً يُغير القلوب، ويوقظ الضمائر، ويرد العاصي إلى ربه رداً جميلاً. ويطلق د. شاهين دعوة حارة لكل مسلم بأن يجعل من هذا اليوم بداية لصفحة جديدة بيضاء مع الله؛ يراجع فيها المرء حساباته، ويستغفر من ذنبه، ويقرن التوبة بالعمل عبر رد المظالم إلى أهلها، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والعزم الأكيد على هجر الذنوب والمعاصي.
دروس المساواة
وينتقل بنا فضيلته إلى الملمح الاجتماعي والإنساني الأبرز في يوم عرفة، مؤكداً أنه يوم يربي الأمة بأسرها على قيم الوحدة والمساواة المطلقة. فالحجيج يقفون في صعيد واحد، يرتدون ثياباً واحدة بيضاء تتلاشى معها فوارق الدنيا، ويرددون نداءً واحداً تلهج به الحناجر: “لبيك اللهم لبيك”. في هذا المشهد المهيب، لا فرق بين غني وفقير، ولا قوي وضعيف، ولا عربي وأعجمي، إلا بالتقوى والعمل الصالح. ويرى د. “شاهين” في ذلك درساً بليغاً ومزلزلاً بأن كرامة الإنسان وقيمته ليست بما يملك من حطام الدنيا أو ما يرتدي من ثياب، وإنما بما يحمله قلبه من إيمان خالص وتقوى ونوايا خير تجاه الإنسانية.
رسالة الرجاء
ويختتم فضيلته حديثه لـ“صوت البلد” برسالة أمل ورجاء، معتبراً يوم عرفة رسالة ربانية متجددة تصرخ في وجه اليأس؛ لتؤكد أن أبواب الرحمة ما زالت مفتوحة، وأن الله يقبل التائبين مهما بلغت ذنوبهم، وأن طريق العودة لم يُغلق قط؛ ليرفع فضيلته يديه بالدعاء في نهاية الحوار، سائلاً الله العلي القدير أن يكتب للأمة فيه المغفرة والعتق من النيران، وأن يحفظ مصرنا العزيزة وبلادنا وأمتنا الإسلامية، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، إنه نعم المولى ونعم النصير.
