آراء

فتنة النوتيلا

عيد اسطفانوس

بينما تحلّق مركبة ناسا الفضائية حول القمر لاستكشاف تضاريس نصفه المجهول، تمهيدًا للهبوط عليه، وبينما تعكف معامل شركات الدواء في سويسرا والنمسا وبريطانيا على تطوير حقنة عضلية، ستُطرح قريبًا في الأسواق، لعلاج أكثر من عشرين نوعًا من السرطانات، وبينما يصنع الصينيون كل شيء ويطورون كل شيء، وبينما يبهرنا إيلون ماسك كل يوم بتقنياته المبتكرة؛ هذه العقول المتفتحة، المنفتحة على المستقبل، تنتج وتبتكر وتصنع وتزرع وتتطور وتطوّر كل ما هو في خدمة الإنسانية وإعمار الكون ومكافحة الجوع والفقر والمرض، وتلبية احتياجات البشرية.

وبينما يحدث كل ذلك، نحن ها هنا قابعون في هذه البقعة الموبوءة من الكوكب، قابعون في مستنقع بداوة وجهل متجدد. لم يعد التطلع إلى المستقبل، بهدف اللحاق بركب العلم والبحث والإنسانية، والخروج من قائمة المجتمعات العالة على الكوكب، أولوية لمجتمعات تكلست عقولها، وارتضت، خانعة، حكم هذه المنظومة الاستبدادية.

ظاهرة أخرى غريبة تجتاح هذه الأدمغة، هي إنكار العلم وتسفيهه، واللهاث وراء خزعبلات يطلقها متهوسون، ليقنعوا البسطاء بنظرية المؤامرة في كل شيء يمتّ إلى العلم بصلة. صار كل اكتشاف، أو ابتكار، أو اجتهاد، إنكارًا «للمعلوم بالضرورة»، والمعلوم بالضرورة هنا هو فقط ما يتماهى، أو يتماشى، أو يتوافق مع عقول وثقافة أنصاف المتعلمين والجهلة والدهماء. أما ثقافتهم المتجذرة، فهي الدجل والشعوذة، مغلّفة بإطار من القداسة والتأليه.

وبدلًا من محاولة الارتقاء بهم وبثقافاتهم، يحدث العكس؛ إذ يجاريهم البعض ويمالئونهم وينافقونهم، بهدف واحد خبيث، هو إبقاء حالهم على ما هو عليه. لأن أي ارتقاء أو تطور أو تغيير في ثقافة هذه المجتمعات يمثل خطرًا داهمًا، فقد يخرجهم من عبودية القطيع.

وأذكر أنه في مستهل فترة حكم ديني مظلمة في تاريخ مصر، كان التلفزيون يذيع برامج من هذا النمط؛ أحدها كان لأحد الشيوخ، يفسر فيه للمشاهدين كيف أن الهبوط على القمر كذبة وخدعة صُوّرت في صحراء نيفادا.

ورغم أنني لم أعتد الكتابة في أحداث جارية، فإن النقاش الحاد حول هذا الموضوع، الذي سنتعرض له، كان مستفزًا، وفي الوقت نفسه كان كاشفًا لما وراء الحدث أكثر بكثير من الحدث نفسه. كان كاشفًا لأحوال متردية لعقول تسكن أدمغة توقف نموها عند القرن السادس، أو ما قبله، وتشبعت بمرويات أسطورية امتزجت، مع الزمن، بخلاياها الجذعية، فتوارثتها الأجيال حتى وصلنا إلى هذه الملهاة المحزنة.

يخرج شخص مهووس، فيطيح بكل القواعد الطبية والعلمية المدققة والراسخة. وبالطبع، ومن أجل تحسين تسويق فكرته، غلّفها بغلاف ديني. ولذكائه، يعرف تمامًا أن هذا الغلاف مضمون، فهو منتشر في كل فنون تسويق البضائع، بدءًا من «دواجن التوحيد» إلى «سقاهم ربهم شرابًا طهورًا».

وعلى المنوال نفسه، أعلن الرجل عن نظام تغذية لشفاء الأمراض؛ كل الأمراض. ودغدغ مشاعر البسطاء بعبارة دينية تعلّق بها الناس المتعبون، المنهكون، اليائسون، كما يتعلق الغريق بقشة. وانتشر الرجل على الميديا انتشار النار في الهشيم؛ انتشر بفعل فاعل خبيث، ومعه كُثر غلّفوا بضاعتهم الفاسدة بهذا الغلاف المزور. وتبعه ملايين المغيبين، مهللين مكبرين، بانتصار الجهل والاحتيال والنصب باسم الدين على العلم والبحث المضني.

ولفظ «النوتيلا» في العنوان هو أحد افتكاسات الرجل، بوصفها وصفة علاج ناجعة بأحد أنواع الأغذية المحفوظة للأمراض المستعصية وغير المستعصية. وهكذا أضيفت فتنة جديدة إلى قائمة الفتن الكثيرة، النائمة والمستيقظة: فتنة النوتيلا.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19079

موضوعات ذات صلة

تطوير التعليم الجامعي في مصر

المحرر

كلمة السر

المحرر

عودة الإرهاب إلى دارفور

المحرر

قصة ميلاد مَدرسة

المحرر

دروشة الكوكب

المحرر

البابا تواضروس يكتب: سنة سعيدة جديدة

حازم رفعت