مقال رئيس التحرير

صفقة الضرورة بين ترامب وإيران

د.خالد محمد غازي

لم يكن استعجال الرئيس دونالد ترامب توقيع مذكرة التفاهم مع إيران تعبيرا عن ثقة مفاجئة بطهران، بل اعترافا بأن الحرب بدأت تكلف واشنطن أكثر مما تكلف خصومها. فعندما انتقل الضغط من ساحات القتال إلى الاقتصاد والداخل الامريكي، صار وقف التصعيد خيارا عمليا لا تنازلا سياسيا معلنا ، فالتصعيد الذي استخدمته واشنطن أداة للضغط على إيران أخذ يفتح أبوابا يصعب التحكم فيها: اضطراب في مضيق هرمز، قلق في أسواق النفط، ارتفاع في تكاليف التأمين البحري، وضغط متزايد على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وآسيا وأوروبا.

ولذلك بدا البيت الأبيض أقرب إلى خيار التهدئة السريعة، لا لأنه أسقط شكوكه تجاه إيران، بل لأنه أراد منع الأزمة من التحول إلى عبء اقتصادي وسياسي واسع. فأسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة ليست شأنا خارجيا صرفا، بل ملف داخلي حساس يتصل مباشرة بالمواطن، وبحسابات التضخم، وبصورة الإدارة أمام الناخبين.

(1)

تقدم مذكرة التفاهم، في ظاهرها، إطارا لوقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران. لكنها، في أحد أبعادها العميقة، تبدو محاولة لتهدئة الاقتصاد قبل السياسة. فإعادة فتح الممرات المائية لا تعني فقط عودة السفن إلى الحركة، بل تعني أيضا خفض المخاطر المحيطة بتجارة النفط، وتخفيف كلفة التأمين، وإرسال إشارة طمأنة إلى الأسواق بأن الأزمة لن تنزلق إلى حرب إقليمية طويلة.

ولهذا احتل مضيق هرمز موقعا مركزيا في الحسابات الامريكية. فالمضيق ليس ممرا بحريا عاديا، بل نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها كميات كبيرة من الطاقة المتجهة إلى الأسواق العالمية. وأي تعطيل طويل له لا يضغط على إيران وحدها، بل يربك الاقتصاد العالمي، ويضع واشنطن أمام أسئلة صعبة من حلفائها ومن الداخل الامريكي في الوقت نفسه.

من هنا يمكن فهم استعجال الإدارة الامريكية. فالولايات المتحدة قادرة على خوض مواجهة عسكرية، لكنها لا تستطيع تجاهل أثرها الطويل في الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد. وكلما طال أمد الأزمة، تقلصت المكاسب السياسية المتوقعة من التصعيد، وزادت كلفته على واشنطن.

لذلك يبدو الاتفاق أقرب إلى هدنة اضطرارية منه إلى مصالحة سياسية. فلا واشنطن تخلت عن أدوات الضغط، ولا طهران تخلت عن أوراقها الإقليمية، لكن الطرفين وجدا أن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى كلفة لا يريدها أي منهما في هذه اللحظة.

(2)

في المقابل، لم تنظر حكومة نتنياهو إلى التفاهم بالمنطق نفسه. فبينما رأت واشنطن أن وقف التصعيد ضرورة لتجنب أزمة اقتصادية وأمنية أوسع، قرأت دوائر سياسية وأمنية في تل أبيب الاتفاق بوصفه فرصة قد تمنح إيران وقتا لترميم وضعها المالي والسياسي، وإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية.

ولا يبدو الخلاف هنا مجرد اختلاف في التوقيت، بل افتراقا أعمق في الأولويات. فحكومة نتنياهو تميل إلى إبقاء الضغط العسكري مفتوحا إلى أن تحقق مكاسب ميدانية أوسع ضد إيران وحلفائها. أما الإدارة الامريكية فتبدو أكثر ميلا إلى تثبيت ما تعتبره نتائج كافية، ثم نقل المواجهة إلى مسار تفاوضي يمكن التحكم في سقفه وزمنه.

وتنظر تل أبيب إلى إيران باعتبارها مركز شبكة إقليمية تمتد إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا وغزة. ومن هذا المنظور، فإن أي تهدئة مبكرة قد تبقي هذه الشبكة قائمة وقادرة على الحركة. أما واشنطن، فرغم دعمها الواسع لإسرائيل، لا تبدو راغبة في تحويل كل هذه الجبهات إلى حرب مفتوحة يصعب ضبطها.

وقد زاد هذا التباين وضوحا بعد السابع من أكتوبر 2023، حين اتجهت حكومة نتنياهو إلى التعامل مع غزة لا بوصفها جبهة منفصلة فقط، بل بوصفها جزءا من بيئة إقليمية أوسع مرتبطة بإيران. غير أن الولايات المتحدة، في المقابل، بدت أكثر حذرا من منح تل أبيب تفويضا مفتوحا إذا كان الثمن اضطرابا اقتصاديا عالميا وضغطا داخليا متصاعدا.

(3)

تظل جبهة لبنان إحدى أكثر نقاط الاتفاق حساسية. فالنصوص التي تتحدث عن وقف العمليات في الجبهات المتصلة بالتصعيد تضع حكومة نتنياهو أمام سؤال مباشر: هل تلتزم عمليا بوقف الهجمات، أم تحاول اختبار حدود الموقف الامريكي؟

هذا السؤال لا يتعلق بلبنان وحده، بل بمصداقية المذكرة كلها. فإذا استمرت الضربات الإسرائيلية تحت ذرائع أمنية، فقد تجد إيران أن الاتفاق لا يوفر ضمانات كافية. وفي المقابل، قد ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن وقف العمليات يمنح حزب الله فرصة لإعادة التموضع، وترميم خطوطه، واستعادة جزء من المبادرة.

لذلك قد تتحول مهلة الستين يوما إلى اختبار مزدوج: اختبار لقدرة واشنطن وطهران على الانتقال إلى تفاهم أعمق، واختبار لقدرة الولايات المتحدة على ضبط حليفها الإسرائيلي دون تفجير أزمة علنية معه. فنتنياهو، المحاصر بحسابات أمنية وسياسية داخلية، قد لا يرى مصلحة في تهدئة واسعة إذا اعتبر أنها تقيد حركته أمام خصومه.

ومن المرجح أن تحاول تل أبيب الاحتفاظ بهامش حركة ميداني، ولو عبر عمليات محدودة أو ضربات محسوبة. غير أن هذا الهامش، إذا اتسع، قد يتحول إلى ثغرة كبرى في الاتفاق، لأن طهران ستتعامل مع استمرار العمليات في لبنان باعتباره دليلا على عجز واشنطن عن إلزام إسرائيل بسقف التهدئة.

(4)

رغم أن الأنظار اتجهت إلى استعجال ترامب، فإن قبول إيران بالتفاهم لا يقل أهمية. فطهران لم تدخل الاتفاق من موقع ثقة بواشنطن، بل من موقع حساب بارد يرى أن تجميد التصعيد قد يكون أكثر فائدة من مواصلة مواجهة مفتوحة تستنزف الداخل وتربك الحلفاء.

ولا يعني قبول إيران بالتهدئة أنها دخلت الاتفاق من موقع انكسار كامل. فطهران تدرك أن الوقت قد يعمل لمصلحتها إذا نجحت في تحويل الهدنة إلى فرصة لتخفيف الضغط عن اقتصادها، وإعادة ترتيب علاقاتها مع حلفائها، واستثمار أي تخفيف محدود للقيود المالية أو النفطية.

لكن الاتفاق لا يمنح إيران انتصارا كاملا. فهو يضعها أيضا أمام التزامات صعبة، خصوصا في ما يتعلق بالملاحة، والملف النووي، وسلوك حلفائها في الإقليم. كما أن المهلة المحددة قد تتحول إلى عبء سياسي إذا فشلت طهران في تقديم ما يكفي من الضمانات، أو إذا نجحت حكومة نتنياهو في دفع الأحداث نحو تصعيد جديد.

ولهذا تبدو إيران وواشنطن أمام اتفاق مؤقت لا يحسم الصراع، بل ينقله من الميدان إلى طاولة تفاوض مليئة بالشكوك. الولايات المتحدة حصلت على فتح الممرات وخفض التصعيد، وإيران حصلت على فرصة محدودة لتخفيف الضغط، أما القضايا الأكثر تعقيدا فقد تأجلت إلى مرحلة لاحقة.

(5)

ورغم أهمية المذكرة، فإنها لا تجيب عن الأسئلة الكبرى. فهي لا تقدم تسوية نهائية للملف النووي، ولا تنهي شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، ولا تضع ترتيبا واضحا لغزة، ولا تضمن التزام حكومة نتنياهو بوقف كامل للعمليات في الجبهات المتصلة بالتصعيد.

ولهذا تبدو المذكرة أقرب إلى إطار مؤقت لإدارة الأزمة، لا إلى حل سياسي مكتمل. فهي تمنح الأطراف وقتا، لكنها لا تزيل أسباب الصراع. وتفتح ممرا للتفاوض، لكنها لا تضمن الوصول إلى اتفاق نهائي. كما أنها تخفف الضغط عن الأسواق، لكنها لا تعالج جذور التوتر بين إيران وإسرائيل، ولا بين واشنطن وطهران.

وتكمن هشاشة الاتفاق في أنه يعتمد على قدر كبير من ضبط النفس من أطراف لا تثق في بعضها. فكل طرف سيحاول اختبار الآخر دون أن يتحمل مسؤولية إسقاط المذكرة بصورة مباشرة. وهنا يصبح الخطر في التفاصيل: ضربة محدودة، حادث بحري، مناوشة في لبنان، أو تصعيد في غزة قد يكفي لإعادة الأزمة إلى نقطة الاشتعال.

(6)

تبقى غزة أكثر الملفات غموضا في المرحلة المقبلة. فالتهدئة الامريكية الإيرانية لا تعني بالضرورة توقف الحرب في القطاع، ولا تفرض بالضرورة تغيرا جذريا في حسابات حكومة نتنياهو هناك. بل قد ترى تل أبيب أن تخفيف الضغط في الجبهة الإيرانية يمنحها فرصة لإعادة تركيز الجهد العسكري والسياسي على غزة والضفة الغربية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: الاتفاق قد يخفف التوتر في مضيق هرمز ولبنان، لكنه لا يضع ترتيبا واضحا لمستقبل غزة. وإذا بقي القطاع خارج الضمانات الفعلية، فقد يتحول إلى الساحة التي تحاول فيها حكومة نتنياهو تعويض القيود التي فرضتها واشنطن على المواجهة الواسعة مع إيران.

ومن ثم لن يقاس نجاح التفاهم فقط بعبور النفط من المضيق، أو بانعقاد جولات التفاوض، بل أيضا بمدى قدرته على منع انتقال التصعيد إلى ساحات أخرى. فالنزاعات الإقليمية لا تتحرك دائما وفق النصوص المكتوبة، بل عبر الثغرات، والذرائع، وحسابات اللحظة.

(7)

تفتح مذكرة التفاهم المجال أمام قراءة أوسع للتحول في المقاربة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. فبعد تجارب طويلة ومكلفة، تبدو واشنطن أقل اندفاعا نحو إسقاط الأنظمة بالقوة، وأكثر ميلا إلى ضبط سلوك خصومها عبر الحصار، والصفقات، والضغط السياسي، وإعادة ترتيب موازين النفوذ من الأطراف.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق مع إيران بوصفه جزءا من سياسة احتواء جديدة، لا مدخلا إلى مصالحة شاملة. فبدلا من الانزلاق إلى حرب مباشرة طويلة مع طهران، قد تفضل الولايات المتحدة تقليص هامش حركة حلفاء إيران خارج مؤسسات الدولة، ولا سيما في العراق ولبنان، مع ربط أي انفتاح اقتصادي عليها بتغييرات محددة في سلوكها الإقليمي والنووي.

ولا ينسجم هذا المسار تماما مع توجهات حكومة نتنياهو، التي تميل إلى نتائج عسكرية أكثر حسما وسرعة. لكنه يبدو أقرب إلى المزاج الأميركي العام، الذي لم يعد راغبا في حروب مفتوحة بلا أفق واضح. كما يمنح ترامب مساحة سياسية لتقديم قراره لا باعتباره تراجعا أمام إيران، بل اختيارا لأداة مختلفة في التعامل معها.

(8)

لا تبدو مذكرة التفاهم بداية سلام مستقر، بل أقرب إلى اتفاق لوقف النزيف. فالولايات المتحدة لا تثق في نوايا إيران، وطهران لا تطمئن إلى ضمانات واشنطن، بينما تخشى حكومة نتنياهو أن يؤدي خفض التصعيد إلى تثبيت نفوذ خصمها الأكبر في المنطقة.

وتبدو مهلة الستين يوما قصيرة بالمعنى السياسي، لكنها طويلة بما يكفي لوقوع خروقات ومناوشات وتأويلات متناقضة. فقد يكون حادث واحد في لبنان، أو ضربة في اليمن، أو تصعيد واسع في غزة، كافيا لدفع الاتفاق إلى حافة الانهيار.

أما ترامب، فقد حقق مكسبا فوريا بتقديم نفسه بوصفه الرئيس الذي أوقف الحرب، وفتح المضيق، وجنب الأسواق أزمة طاقة أوسع. غير أن هذا المكسب سيظل مشروطا بقدرة التفاهم على الصمود. فالمذكرة تمنحه وقتا إضافيا، لكنها لا تقدم ضمانا بأن إيران ستقبل بالشروط الأمريكية اللاحقة، ولا بأن حكومة نتنياهو ستكف عن محاولة تغيير الوقائع بالقوة.

وهكذا تبدو المذكرة أقل من تسوية نهائية، وأكثر من استراحة اضطرارية بين موجات التصعيد. فقد منحت واشنطن فرصة لخفض الكلفة الاقتصادية والسياسية، وأتاحت لطهران وقتا لإعادة ترتيب أوراقها، لكنها أبقت حكومة نتنياهو أمام إغراء اختبار حدود الاتفاق. لذلك لن يتحدد مصيره عند طاولة التفاوض وحدها، بل في هرمز ولبنان وغزة؛ حيث تستطيع شرارة صغيرة أن تكشف ما إذا كانت الصفقة بداية مسار جديد، أم مجرد هدنة عابرة بين حربين.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20581

موضوعات ذات صلة

إسرائيل بين منطق الحرب وحدود المكاسب

المحرر

الشائعات .. عواصف الكترونية في وجدان المصريين

المحرر

الصحفي الإلكتروني بين المهام المتشابكة

المحرر

الحرب على إيران: توقف مؤجل أم بداية الخروج؟

المحرر

إيران وما بعد الحرب : حدود القوة وحدود السياسة

المحرر