
لم يعد الكشف الأثري في منطقة تل الكوع بمحافظة الإسماعيلية مجرد إضافة جديدة إلى سجل الاكتشافات، بل يمثل خطوة مهمة لفهم طبيعة الحياة اليومية في شرق الدلتا خلال عصر الانتقال الثاني، بعدما نجحت البعثة الأثرية المصرية في الكشف عن منطقة سكنية متكاملة تضم مساكن ومنشآت إنتاجية ومخازن إلى جانب مقابر تعود إلى الأسرة الخامسة عشرة.
وتكشف نتائج الحفائر عن أن تل الكوع لم يكن مجرد موقع للدفن، وإنما كان تجمعًا سكانيًا متكاملًا مارس سكانه أنشطة معيشية وإنتاجية وتجارية، وهو ما يمنح الباحثين صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الاستيطان في المنطقة خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في التاريخ المصري القديم.
مجتمع متكامل
وعثرت البعثة على عشرة مقابر مبنية بالطوب اللبن تنوعت تصميماتها بين المقابر المستطيلة الشبيهة بالمصاطب وأخرى ذات واجهات وزخارف معمارية، إلى جانب منطقة سكنية تمتد على مساحة تقارب 30 × 60 مترًا، تحيط بها أسوار من الطوب اللبن، وتضم صالات وغرفًا منظمة، بالإضافة إلى أفران وصوامع استخدمت في عمليات الإنتاج وتخزين الحبوب.
ويشير هذا التنوع في المنشآت إلى وجود مجتمع مستقر يمتلك مقومات الحياة اليومية، ويعتمد على أنشطة اقتصادية منظمة، وليس مجرد موقع جنائزي كما كان يُعتقد في بعض المواقع المماثلة.
أدلة على النشاط التجاري
كما أسفرت أعمال الحفائر عن مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية، من بينها جعارين، وأدوات برونزية، وأوانٍ فخارية، ومكاحل من الألباستر، وقنينات تحمل طراز “تل اليهودية” المميز لعصر الانتقال الثاني.
وتكتسب بعض الأواني أهمية خاصة لاحتوائها على علامات إنتاج وأختام، وهو ما يرجح وجود شبكات للتبادل التجاري، وربما كان تل الكوع يؤدي دور محطة تجارية أو مركز لتوزيع السلع على الطريق الذي ربط شرق الدلتا بالحدود الشرقية لمصر.
ومن أبرز نتائج الكشف أيضًا العثور لأول مرة بالموقع على دفنات آدمية خارج المقابر المشيدة بالطوب اللبن، بعضها في وضع القرفصاء، وهو نمط دفن غير مألوف يخضع حاليًا للدراسات الأثرية لمعرفة أسبابه ودلالاته.
كما أظهرت الدراسات الأولية للهياكل العظمية تنوعًا في أوضاع الدفن وأعمار المدفونين، إلى جانب العثور على كميات كبيرة من العظام الحيوانية المرتبطة بالاستهلاك اليومي والقرابين الجنائزية.
أهمية تاريخية
وتشير الأدلة الأثرية إلى استمرار استيطان تل الكوع حتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، بما يعكس استمرارية النشاط البشري خلال مرحلة الانتقال من حكم الهكسوس إلى بدايات الدولة الحديثة، وهو ما يعزز أهمية الموقع باعتباره أحد أبرز مواقع عصر الانتقال الثاني في شرق الدلتا، ويسهم في إعادة رسم خريطة الاستيطان والحركة التجارية في هذه المنطقة الحيوية من مصر القديمة
