
أحمد كامل
في عالم المال والاقتصاد، تتحكم أرقام معقدة ومؤشرات دقيقة في مصير العملات، لكن في بعض الأحيان، يمكن لساندويتش بسيط أن يروي قصة اقتصادية أعمق.. هذا ما يفعله “مؤشر بيج ماك”، الأداة الفريدة التي أبدعتها مجلة “الإيكونوميست” لتقييم سعر الصرف، والتي تشير إلى مفارقة مذهلة: الجنيه المصري مُقوّم بأقل من نصف قيمته الحقيقية.
فهل يمكن أن يتحرر الجنيه المصري من قيوده ويصعد إلى ما يعتبره الاقتصاديون “سعره العادل”؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال المصريين والاقتصاديين على حد سواء.
التفاؤل على طاولة التحليل
تُقدم مجموعة من المؤسسات المالية الدولية تحليلات تثير الأمل، وتدعم فكرة أن الجنيه المصري قد يكون على موعد مع التعافي؛ فوفقًا لمؤشر “بيج ماك”، الذي يقارن سعر الساندويتش في مصر والولايات المتحدة، يبدو أن الجنيه مُقيّم بأقل من قيمته بنسبة تقارب 58%، حتى بعد تعديل المؤشر ليناسب دخل الفرد، تظل الفجوة كبيرة، لتصل إلى 40% على الأقل.
هذا التفاؤل يجد صدى له في تقارير أخرى، فـجولدمان ساكس يؤكد أن الجنيه لا يزال مُقوّمًا بأقل من قيمته بنحو 30%، مرجحًا أن تحسن الاحتياطيات الأجنبية وتدفقات العملات الأجنبية سيقويان موقفه.
ومن جانبها، تضيف مؤسسة ستاندرد تشارترد بعدًا أكثر تحديدًا، بتوقعها أن يتم ضخ أكثر من نصف التعهدات الخليجية الاستثمارية – البالغة 12.5 مليار دولار – قبل نهاية عام 2025، وهي التدفقات النقدية التي قد تدفع الجنيه نحو مستويات أقل من 35 جنيهًا للدولار.
حتى تقرير بنك المشرق، وإن كان أقل تفاؤلًا على المدى القصير، فإنه يتوقع مسارًا تصاعديًا بطيئًا للجنيه، ليصل إلى 52 جنيهًا في 2025 و54 جنيهًا في 2026، مدعومًا بالإصلاحات الجارية وفائض قناة السويس.
التوقعات الحذرة تطل برأسها
على الرغم من هذه النبرة المتفائلة، لا يمكن تجاهل التوقعات الأكثر حذرًا التي ترسم سيناريو مختلفًا، فاستطلاع أجرته وكالة رويترز أشار إلى أن الجنيه قد يواجه مزيدًا من الضغوط، متوقعًا أن يصل سعره إلى 52 جنيهًا مقابل الدولار بحلول منتصف عام 2026.
هذه التوقعات تعكس حالة من الترقب والحذر في الأسواق، وبخاصةً أن التضخم لم ينحسر بالكامل بعد، وتأثير أسعار الفائدة لم يظهر أثره بشكل قاطع.
كما تشير تقارير بلومبرج إلى أن المكاسب الأخيرة التي حققها الجنيه، حيث انخفض سعر الدولار إلى ما دون 49 جنيهًا، هي مكاسب طفيفة في سياق اقتصادي أكثر تعقيدًا، وأن هذه المكاسب، وإن كانت إيجابية، لا تزال بعيدة عن “القيمة العادلة” التي يشير إليها “مؤشر بيج ماك”، مما يجعل التعافي الكامل للجنيه رحلة طويلة مليئة بالتحديات.
التعافي الكامل مرهون بزيادة الدخل الدولاري وتقليص الاقتراض
في تصريحات خاصة لجريدة “صوت البلد”، قال خبير أسواق المال وعضو الاتحاد الدولي للمحللين الفنيين ريمون نبيل، إن الحديث عن عودة الجنيه المصري إلى “سعره العادل” وفق تقديرات بعض المؤشرات الدولية، يظل مرتبطًا بعدة عوامل محلية وخارجية، أبرزها حجم الأقساط المستحقة على مصر لصالح المؤسسات الدولية، وآجال سدادها، وشروط صندوق النقد الدولي.
وأوضح نبيل أن مصر حققت بالفعل جزءًا من الشروط المطلوبة، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم تحقيق طفرة صناعية قوية أو زيادة كبيرة في حجم الصادرات القادرة على توفير عائد دولاري يغطي الضغوط الناتجة عن الدين الخارجي.
وأضاف أن قطاع السياحة وإيرادات قناة السويس أظهرا تعافيًا ملحوظًا، لكنهما لا يزالان أقل من مستوى سد الفجوة بين الإيرادات والمصروفات.
وأشار إلى أن الضغوط الداخلية على الموازنة، إلى جانب التوترات الجيوسياسية في محيط مصر، تمثل عوامل ضغط إضافية قد تؤثر على سعر الصرف، خاصة في أوقات الأزمات.
ولفت إلى أن الدعم الخليجي أو إبرام صفقات استثمارية –على غرار صفقة رأس الحكمة– يمكن أن يسهم في تهدئة السوق، لكن تأثيره سيكون مؤقتًا ما لم يتم توجيه هذه التدفقات نحو زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
وحول التوقعات المستقبلية، أكد نبيل أنه يتوقع استقرار سعر الصرف في نطاق 45–50 جنيهًا للدولار حتى نهاية النصف الأول من 2026، مع تحركات لا تتجاوز 10% صعودًا أو هبوطًا، وذلك رهنًا بمستوى التدفقات الدولارية من الخارج ومدى مرونة سعر الصرف.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “العودة إلى مستويات أقل من 45 جنيهًا للدولار تتطلب زيادة كبيرة ومستدامة في الدخل الدولاري، وتحقيق اكتفاء ذاتي في قطاعات الزراعة والصناعة، بما يتيح لمصر سداد التزاماتها دون الحاجة إلى اقتراض جديد، ومن ثم فتح المجال أمام سعر صرف أكثر قوة واستقراراً على المدى المتوسط والطويل”.
وشهد الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكثر من عام، حيث بلغ سعر الصرف 48.30-48.40 جنيهًا للدولار في البنوك الكبرى مثل البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي.
هذا التحسن يأتي مدعوماً بتدفقات يومية من النقد الأجنبي تتراوح بين 150 و350 مليون دولار، إضافة إلى تحسن إيرادات السياحة التي سجلت نمواً بنسبة 15.4% على أساس سنوي لتصل إلى 12.5 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية الماضية.
تأثير الانتعاش على الاقتصاد الكلي
– الناتج المحلي الإجمالي: يتوقع خبراء “كابيتال إيكونوميكس” أن يساهم ارتفاع قيمة الجنيه في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تحسن القدرة التنافسية للصادرات المصرية، حيث سجلت الصناعات التحويلية مثل المنسوجات والكيماويات مستويات قياسية في الإنتاج.
– عجز الحساب الجاري: انخفض العجز بنسبة 69.3% على أساس سنوي في الربع الثالث من 2024-2025، مدعوماً بزيادة تحويلات المصريين بالخارج (التي قفزت بنسبة 77.1% لتصل إلى 29.4 مليار دولار) وارتفاع الصادرات غير النفطية بنسبة 56.9%.
– السياحة: أصبحت مصر وجهة مفضلة للمسافرين الأوروبيين كبديل اقتصادي عن دول مثل إسبانيا، حيث تساهم السياحة حالياً بنحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة منذ 14 عاماً. وتستهدف الحكومة جذب 18 مليون سائح بنهاية 2025.
عوامل الدعم والتحذيرات
– ضعف الدولار العالمي: على عكس الماضي، لا يعكس ارتفاع الجنيه المصري مبالغة في التقييم، بل يرجع جزئياً إلى تراجع الدولار عالمياً، حيث انخفض الجنيه مقابل اليورو بنحو 7% هذا العام.
– التوترات الإقليمية: رغم التحديات، يشير البنك المركزي إلى أن عودة الاستقرار لحركة الملاحة في البحر الأحمر قد تعزز إيرادات قناة السويس، التي انخفضت بنسبة 54.1% بسبب اضطرابات الشحن.
– المخاطر المستقبلية: تُعد التعريفات الجمركية الأمريكية (خاصة على المنسوجات) تهديداً محتملاً، لكن الخبراء يتوقعون أن يكون تأثيرها محدوداً.
توقعات الربع الرابع
ويتوقع محللون، وفقا لـ”انتربرايز”، أن يستمر الجنيه في التعافي مع استكمال مصر للمراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج صندوق النقد الدولي في سبتمبر أو أكتوبر، مما قد يدفع سعر الدولار إلى أقل من 48 جنيهًا، كما أن الاحتياطيات الأجنبية (التي تجاوزت 48 مليار دولار) وزيادة الاستثمارات الخليجية في العقارات تدعم هذه التوقعات.
في المقابل، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي، في تصريحات خاصة لجريدة “صوت البلد”، أن الجنيه المصري ما زال مقوَّمًا بأقل من قيمته الحقيقية، مشيرًا إلى أن السعر العادل له أمام الدولار يتراوح بين 30 و32 جنيهًا، أي بزيادة تتراوح بين 30% و58% عن مستواه الحالي.
وأوضح أن هذا التقدير يستند إلى معطيات حقيقية في الاقتصاد المصري، وليس إلى عوامل مؤقتة أو تدفقات مالية طارئة، لافتًا إلى أن قوة الاقتصاد المصري ومرونته في مواجهة التحديات خلال السنوات الماضية تعزز من فرص تحسن سعر صرف الجنيه.
وشدّد الشافعي على أن تراجع الدولار أمام الجنيه في المرحلة المقبلة أمر منطقي، خاصة بعد نجاح الدولة في القضاء على السوق السوداء للعملة، وضبط سعر الصرف داخل البنوك المصرية، ما أنهى المضاربات التي كانت تقوم بها بعض الأطراف التي لا ترغب في استقرار الاقتصاد.
وأشار إلى أن التحسن المرتقب لا يرتبط فقط بالتعهدات المالية الخارجية، بل يقوم على أسس اقتصادية متينة، من بينها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوطين الصناعات، وتحفيز المشروعات الإنتاجية، واستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد.
وأنهى الشافعي، تصريحاته لـ”صوت البلد” بالتأكيد على أن استمرار هذا المسار الإصلاحي سيقود الجنيه إلى بلوغ قيمته العادلة وربما أقل من 30 جنيهًا للدولار خلال الفترة المقبلة، في ظل مؤشرات إيجابية تؤكد أن الاقتصاد المصري يسير بخطى واثقة نحو مزيد من القوة والتألق.
