آراء

مدن الفسيفساء القديمة

عيد إسطفانوس

حين نتحدث عن مدن الفسيفساء القديمة، فمن الطبيعي أن نبدأ بأكبرها وأشهرها وأقدمها وأجملها وأغناها، أو هكذا كانت، وهي بلا شك الإسكندرية.

نعم، الإسكندرية التي كانت منارة للعالم كله في العلم والثقافة والفن والتنوع، أو كانت. الإسكندرية، باكورة ما تركه المقدوني العظيم من بصمات على هذا الكوكب، أو كانت. وحين نقول «أو كانت»، تخرج العبارة ممزوجة بالمرارة والألم، فقد كانت المدينة الكوزموبوليتانية عامرة بمختلف الأجناس والأعراق؛ مصريين وروم ويونانيين ومقدونيين وأرمن وسلاف ويهود وأمازيغ. ونستثني العرب، إذ لا يوجد، بحسب ما نعلم، توثيق لحضورهم قبل القرن السادس.

ووفقًا لتخطيط المدينة العبقري، كان لكل طائفة حيّزها العمراني والجغرافي والاجتماعي، تبعًا للمخطط الإنشائي الأول. لكن هذه الأحياء لم تكن بأي حال من الأحوال «جيتوهات» للعزلة والانغلاق، بل كانت تقسيمات سكنية لجماعات تتقارب في أصولها وثقافاتها وعاداتها الاجتماعية. وقد اكتسبت الإسكندرية هوية خاصة بلغت مرتبة الجنسية، حتى إن أحد أسفار العهد الجديد من الكتاب المقدس، الذي دُوِّن في القرن الأول الميلادي، يصف أحد الأشخاص بأنه «إسكندري الجنس».

وباستثناء الانتفاضات السياسية التي شهدها القرن الأول بين اليهود والإمبراطورية الرومانية الحاكمة، على خلفية عداوات سياسية وتاريخية لا دينية، لم تعرف المدينة صراعات عنيفة واسعة النطاق، وإن شهدت بعض التوترات المذهبية بين الدولة البيزنطية والأقباط، مع انتشار المسيحية التي كانت الإسكندرية إحدى أهم نقاط انطلاقها إلى أنحاء إفريقيا.

ومع اختلاف الظروف، تمتعت مدن أخرى في المنطقة بطابع شبيه بطابع الإسكندرية، من حيث التعايش الآمن وتعدد الأجناس والثقافات، ولا سيما المدن التي احتلت مواقع استراتيجية على الطرق التجارية المهمة الرابطة بين القارات، وبخاصة مدن ساحل البحر المتوسط وشمال إفريقيا، ومنها قرطاج على سبيل المثال.

وأظن أن الأحوال في هذه المناطق ظلت مستقرة إلى حدٍّ ما، حتى في ظل الصراع بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، نظرًا إلى أهمية استمرار النشاط الاقتصادي لجميع الأطراف. لكن مع حلول منتصف القرن السابع، ودخول العرب إلى المنطقة، برز عامل جديد لم يكن فاعلًا من قبل، أو بالأحرى لم يكن مؤثرًا بالقدر نفسه في مجرى الأحداث، وهو الدين، الذي استخدمه العرب أداةً للحكم والإدارة والحرب في آن واحد. وأرى أن هذا التوظيف للدين مثّل تحولًا مهمًّا في طبيعة الصراعات، إذ كانت الحروب، حتى القرون الأولى، تستهدف أساسًا السيطرة على الأرض وتوسيع النفوذ، دون أن تحتل العقائد موقعًا رئيسيًّا في معادلاتها.

ولم يكن سكان الإسكندرية من مختلف الأعراق، باستثناء المصريين بطبيعة الحال، يعدّون إقامتهم فيها مؤقتة، ويشهد على ذلك ما مارسوه من أنشطة اقتصادية اتسمت بالاستقرار والاستدامة. غير أن التحولات الدراماتيكية التي أعقبت انسحاب الدولة البيزنطية ودخول العرب، ثم تراجع أهمية الإسكندرية بعد إنشاء عاصمة جديدة للإقليم، وبداية التوترات الدينية بين العرب واليهود والروم والأقباط، في ظل الانتشار الواسع للمسيحية، أشاعت جميعها قلقًا مستترًا بين مختلف الجماعات، بمن فيهم المصريون.

ومع بدء تراجع الدور السياسي والتأثير الثقافي للمدينة، ظل نشاطها الاقتصادي منتعشًا، إذ لم يكن هناك بديل عن الإسكندرية بوصفها محطة مهمة للتبادل التجاري في ظل الحكم الجديد. وأظن أنها ظلت تقاوم عوامل التراجع حتى بداية القرن الثامن عشر، وربما إلى ما بعد ذلك بقليل.

لنكتفِ بهذا القدر من استحضار المجد الماضي لتلك المنارة العريقة والفنارة المضيئة، ولنتأمل واقعها اليوم، بعدما انمحت معظم الملامح الكوزموبوليتانية التي ميّزت هذه البقعة طوال خمسة عشر قرنًا، وغادرتها، طوعًا أو قسرًا، معظم الجماعات التي شكّلت نسيجها الفسيفسائي، وإن بقيت بعض تأثيراتها وآثارها صامدة، محفورة على جدران المدينة العريقة حتى يومنا هذا.

ولم يعد ذلك النموذج الحضاري الراقي والفريد قابلًا للتطبيق كما كان؛ فقد تشظّت الأعراق إلى قبائل، والديانات إلى مذاهب، والمجتمعات إلى طبقات، وأصاب الثقافةَ ما أصابها من جهل وبداوة. هكذا تبدو اليوم مدينة الفسيفساء القديمة، عروس البحر المتوسط.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27257

موضوعات ذات صلة

القيامة إنذار لاستعادة إنسانية الاستعداد

حازم رفعت

فتنة النوتيلا

المحرر

كلمة السر

المحرر

تطوير التعليم الجامعي في مصر

المحرر

فقه الدمامة وفقه الجمال

المحرر

قصة ميلاد مَدرسة

المحرر