آراء

فقه الدمامة وفقه الجمال

عيد اسطفانوس

هي مجرد تساؤلات تلحّ أحيانًا، وأزعم أنها مشروعة، وأزعم أيضًا أنها تعتمل سرًّا، محبوسة في صدور وأدمغة كثيرين: لماذا هن جميلات، ساكنات الشمال؟ ثم لماذا يتمتعن بهذا القدر من الحيوية والصحة والنضارة؟ ولماذا تفيض وجوههن دائمًا بالبِشر والسعادة والأنوثة؟

ثم لماذا هن كاملات عقل ـ وسنتجنب موضوع الدين ـ يعملن وينجبن وينتجن ويبحثن ويبتكرن، ويقدن الطائرات، ويرتدن الملاعب وسفن الفضاء، ويتبوأن أعلى المناصب، ولا يزلن جميلات؟ ولماذا… ولماذا؟

ثم يأتي التساؤل المحيّر: لماذا يعاقبنا الخالق، نحن أهل الجنوب، بهذا الكم من دمامة الوجوه وعبوسها، إلا من رحم ربهم؟ ولولا التأثير القهري لبعض الهرمونات في طبوغرافيا الأجساد، لضاعت بقية المعالم، لكن تكفّل بطمس ما تبقى منها فريق متخصص، محا كل التضاريس التي قد تشي بشبهة أنوثة، بدءًا من تغليفها جيدًا، وصولًا إلى قيام تلال تخزين الشحوم ببقية المهمة بنجاح.

وذات يوم كدت أصدم فتاة بالسيارة بسبب ارتباكي في تحديد اتجاه سيرها، إذ لم أتبين هل هي مقبلة أم مدبرة؛ فلا معالم تشي بالاتجاهات على الإطلاق.

ولا تقتصر الدمامة على دمامة الوجوه، فتلك حكمة إلهية لا حيلة لنا فيها، لكنها تنسحب على مجالات كثيرة في حياة المجتمعات المتخلفة: دمامة النفوس، ودمامة العقول، ودمامة الفكر، ودمامة الثقافة، ودمامة السلوك، والأخيرة هي نتاج لكل ما سبق.

فالشوارع مملوءة بالدخان، وحبلى بعنف دموي، والقمامة ملقاة على الأرصفة، إلى جانب مظاهر التدين الزائف، والتعصب المقيت، والعنصرية القبيحة، ومكبرات الصوت التي تُصنع خصيصًا لأجلنا، والتحرش، والتنمر، والتسول، والغش، والفساد. كل ذلك هو نتاج فقه الدمامة.

ويلحّ على الصدور والعقول تساؤل مرّ: لماذا شوارعهم نظيفة؟

لا نزال نتحدث عن سكان الشمال وساكناته، وقد قُيّض لي يومًا أن أرى الحضر والريف في بعض دول الشمال، فلم يبهرني شيء أكثر من الهدوء والنظافة: شوارع نظيفة، وبيوت نظيفة، وبشر نظيفون، ونظام عسكري صارم للتخلص من أي مخلفات صلبة أو سائلة.

لذا يعيش الناس تحت مظلة فقه الجمال؛ الجمال بوصفه قيمة سامية عليا يتعاطاها الإنسان، فتشكّل وجدانه، وترقّق أحاسيسه، وتنزع العنف، بكل أنواعه، من سلوكه.

ويأتي تساؤل أكثر مرارة: ما مصير هذه المجتمعات التي تعادي هذه القيمة السامية؟

بالطبع، مصيرها القبح في كل مناحي الحياة: قبح اجتماعي، وقبح سياسي، وقبح تعليمي، وقبح بيئي، وقبح صحي. فالجمال لا ينفصل ولا يتجزأ؛ الجمال غلاف وعنوان لكل الأنشطة الإنسانية.

والقبح أيضًا، عندما يغلب، يصبح سمة غالبة وعنوانًا سائدًا لكل نشاط، وله أدواته الفاعلة: الغش، والتدليس، والتزوير، والنصب، والاحتيال، والتواكل.

هذا هو المصير المحتوم لمجتمعات نحّت جانبًا فقه الجمال، واعتمدت فقه الدمامة، أو فقه القبح، نظامًا مستدامًا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23203

موضوعات ذات صلة

قصة ميلاد مَدرسة

المحرر

تطوير التعليم الجامعي في مصر

المحرر

على جبهة الذكاء الاصطناعي

محرر الموقع

فتنة النوتيلا

المحرر

عودة الإرهاب إلى دارفور

المحرر

كلمة السر

المحرر