ثقافة وأدبسليدر

شتات فلسطين في “نافذة” ربعي المدهون


“من النافذة نفسها، انفتح عليّ مشهد طوفان بشري؛ نزوح كبير. نساء يجررن أذيال الخوف بأجساد متهالكة.. انفجار الصواريخ كأنه شريط سينمائي عتيق للنكبة يعاد إنتاجه بأدوات إبادة حديثة. مستوطنات أخفت البحر عن أهله. ومخيمات تعيد سيرة اللجوء الأولى.”

هكذا يحدّق وليد دهمان، بطل رواية “نافذة روت كل شيء” لربعي المدهون، من شرفة فلسطينية مطلة على الحرب، عاد إليها محملًا بوصية زوجته الراحلة جولي، باستعادة بيت جدها القديم في عكا.

لكن نوافذ فلسطين لا تروي مشاهد الحرب وحدها، وإنما تطوي الزمان والمكان لمن أراد سر الحكاية. تتنفس برائحة أصحابها، وتطل على مساجد عتيقة تحولّت إلى مطاعم، وشوارع وأبنية ترفع أعلامًا زرقاء لتصنع بقوّة الأمر الواقع تاريخًا للعابرين فوق جسد كنعاني. هنا تصبح جدران البيوت ذاكرة مفتوحة لأهلها الغائبين، وهنا لا ينسى البحر ولا الحجر، وتكتب المدن نفسها فتتحدى مغتصبيها، وتصير وصية العودة عهدًا، ولو عاد الغائب رمادًا.

في الرواية الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” و”مكتبة كل شيء” في حيفا، يستكمل الكاتب الفلسطيني ما بدأه في “السيدة من تل أبيب” و”مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة”. نعايش رحلة مزدوجة لكاتب وبطل متخيل، في نص تتداخل فيه الحكايات والأزمنة، وتتصل حلقات شعب يقاوم انتزاعه من أرضه ومحو هويته، ويقرر الحياة فوق ركام الموت.

ما فرقته النكبات

كيف يمكن لحكاية تسير في خط واحد أن تروي وطنًا مزقه صراع امتد منذ مئة عام وحياة توزعت بين المدن والمخيمات والمنافي؟
لعل هذا ما يفسر نوافذ الرواية المتفرقة؛ فلكل نافذة حكايتها وشخصياتها، ولكل مدينة ذاكرتها، لكنها جميعًا تطل على فلسطين واحدة. وكأن الكاتب يجمع شظايا الجغرافيا والزمان، ليعيد وصل ما فرقته النكبات والمنافي.

وفي هذا العالم الميتاسردي، لا تبقى الشخصيات أسيرة صفحاتها؛ بل تحاور مؤلفها وتتمرّد أحيانًا على إرادته، ويصبح وليد دهمان شخصية في رواية يرسلها كاتبها إلى غزة بـ”حصانة سردية”، ليكتب روايته “مدينة كتبت نفسها”. وهكذا لا يبدو التشظي تشتتًا في الحكاية، بل شكلًا آخر لوحدتها، تصنعه النوافذ التي تفتح إحداها على الأخرى.

البيت .. حضور رغم الغياب
“تأكدت بعد دفن جولي، أن الموت لا يغلق شيئًا، هو يغيّر ترتيب الأشياء فقط».

في مفتتح الرواية، يقرر وليد شراء البيت الذي كان لجد زوجته الأرمني الفلسطيني مانويل أردكيان في عكا القديمة حتى نكبة 1948. ولم يكن يدرك أن جولي تقضي ليلتها الأخيرة، وظنّ أنها غفت بينما كان يبلغها قرار العودة إلى البلاد الذي انتظرته عامين. لكنها لم تستيقظ في الصباح.
يحمل وليد أمنية زوجته بالعودة، ويسعى لشراء البيت، فتمنحه صاحبته سميّة جبران، غرفة يحوّلها إلى محترف للسرد” .
يعيد حضور سميةّ التي ترتبط بالمكان وتعرف حكاياته، الحياة إلى البيت. وتقوم بترميمه وإصلاح جدرانه والاحتفاظ به، وكأنها ترمم ذاكرة أصحابه، وتحميه من أن يصبح مجرد اسم آخر في سجل ما يعرف بـ”أملاك الغائبين” كما يطلق على البيوت التي هُجّر أصحابها. فالعودة ليست استعادة جدران فقط، وإنما روح بيت عاش فيه أصحابه، وتركوا وراءهم أحلامهم وأشياءهم الصغيرة. وبين وليد العائد من المنفى وسميةّ المقيمة في عكا، يصبح الاحتفاظ بالبيت موقفًا في مواجهة الغياب.
ويمثل نثر رماد الجسد رمزية كبرى للعودة. ففي “مصائر”، توصي إيفانا أردكيان، والدة جولي، بوضع رمادها فوق ساعة والدها الخشبية التي توقفت عقاربها عند ساعة الرحيل عام 1948. أما وليد، فيوصي صديقه جميل حمدان بأن ينثر رماده في مسقط رأسه في المجدل عسقلان، ليتوحد بترابها.

شاعر يراقب الحرب
“صار لكل غزاوي ساعة تضبطها خسارته الشخصية.”

تضعنا الرواية أمام سؤال الأدب زمن الحرب. ففي أحد مخيمات اللاجئين في غزة، يسأل فتى وليدا عن سبب حضوره بملابس أنيقة نظيفة، ولا أثر للمعاناة على ملامحه. يجيبه بصوت مكتوم: “أنا بكتب حكايتكم عشان ما تموت”. فيرد الفتى ساخرًا: الموت هو اللي عايش وإحنا اللي ميتين، نحن لا نحتاج إلى غسان كنفاني آخر، بل إلى رغيف.

ومع انفجار يكاد يودي بحياة وليد، وانتشار الحرائق والاستغاثات، تموت استعارات الكاتب وتشبيهاته وسط الجحيم. تصبح ملابسه مخضبة بالدماء، ويداه المرتعشتان تصبحان أقرب إلى ما يقال حقيقة “من اللي إيده في المي مش زي اللي إيده في النار”.
يكتشف وليد أن الحرب غيرت الزمن والمفاهيم؛ صار النهار يقاس بطوابير الماء والخبز، ولم يعد أحد يعرف إن كان سيحصل على رغيف، أو إن كان المخبز موجودًا أصلًا، أو إن كان المرء سيعيش في الدقيقة التالية. إذ تُمحى ملامح المكان، وتختفي أحياء من خان يونس، وتزال رفح من الخريطة، وتصبح الحياة رحلة نزوح تختصر فيها العائلات ذكرياتها في حقيبة.
ومن خلال أسرة أبي جمال وزوجته فوزية، نعايش آلام الجوع والنزوح والخوف، مع إرادة الحياة التي تواجه الموت كل يوم.

صوت الأم والأرض
“إذا ناوي تكتب يمّه اكتب عن الناس.. عن الحرب اللي ما حدا في الدنيا شافها”.

في الرواية لا يكون الموت نهاية للأحياء. فجولي الراحلة تلاحق زوجها حتى في أزقة عكا القديمة، بينما تنهض أمه أمينة من قبرها الذي فجره صاروخ، وتبدأ البحث عن ابنها.
تشد أمينة رباط رأسها، وتطلّ من النافذة لترى أمًا مثلها تنتظر ابنًا لن يعود. هذه الأم التي عرفت عودة ابنها من رائحة قميصه، تهديه بوصلة كتابته؛ ألا يكتب عن الحرب وحدها، بل عما فعلته بالناس العاديين.

وبين الخيام في غزة، يلتقي وليد شعراء وكتاب حقيقيين، ومنهم نعمة حسن وهاني السالمي، فنعود من الخيال إلى واقع ينبض لحمًا ودمًا. ترفع نعمة عصا مكنسة ربطت بها قماشة بيضاء، تذكّره بما فعلته عمّته في عدوان 1956. وكأن الحروب لا تختصرها المعارك الكبرى، بل الأشياء الصغيرة: امرأة تحمل راية مرتجلة، وعائلة تركض في العتمة لتمنح نفسها فرصة حياة.

قناع الآخر
“مدن عبثت بها مشارط جراحين لتقديم وجه إسرائيلي حصري لجسد كنعاني-روماني-فلسطيني.”

بين عكا وصفد ويافا وقيسارية والخليل والمجدل وغزة، يستعيد وليد أسماء القرى والمدن التي تغيرت ملامحها، وكأنه ينزع ما عبث به الاحتلال من تاريخها وجغرافيتها.
وتحيلنا الرواية إلى صراع الهوية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، من خلال شموئيل، أو هاشم، الذي تتنازعه هويتان، ودانا التي ترحل هربًا من صعود اليمين المتطرف في اسرائيل.
وفي المجدل عسقلان، تهل على وليد رائحة مدينته، فيستعيد آلاف المهجرين منها، والمدن التي تشبه الأمهات، فتحتضن الغائبين ولو في الذاكرة.

الكتابة ضد الموت
“أخاف على ارتعاش السرد تحت وطأة التفجيرات.”

لا تكتفي الرواية بحكايات الحرب والعودة، بل تفتح نافذة على الفن نفسه، من خلال أوبرا “الثلاثاء الحمراء”، التي تستعيد شهداء ثورة البراق الثلاثة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، الذين أعدموا في سجن عكا عام 1930.
يكتب وليد نص الأوبرا، ويلحنها صديقه الموسيقار رامي فاخوري، فتعود أصوات الشهداء من الماضي إلى الحاضر، ويصبح المسرح مساحة أخرى لمقاومة النسيان.
“اسمعيني يا مّة إن وصلك الخبر
لا تلبسي أسود ولا ترشّي الساحة دمع
وحطّي جرّة مي لكل من مر وعبر
وازرعي تينة ع باب الدار وضوّي شمع.”
ثم يأتي النداء: “إذا متنا قولوا كنا فكرة.. قولوا كنا حجر.”

وتزداد الرواية حيوية بإدماج اللهجات المحلية بين غزة والخليل، والمدن الأخرى، وباللغة الشاعرية التي تحمل الشجن والحياة معًا، وتتجاور فيها مشاهد الحرب مع أحلام العودة.

هكذا تتجمع نوافذ الرواية المتفرقة، من بيت عكا إلى خيام غزة، ومن أصوات الأمهات إلى أناشيد الشهداء، في حكاية واحدة عن شعب يحاول استعادة ما بعثره التاريخ.

اقرأ أيضا

لا عناوين في المدينة.. ذاكرة حواء تتحدى جيش الإبادة

أشرف العشماوي: أكتب عن وجه خلف القناع.. ولا أحاكم أبطالي

خندقجي: مواجهة الصهيوني تبدأ بنزع القناع عن وجهه

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27726

موضوعات ذات صلة

بين مضخات البنزين وأمواج “الجيوسياسة”.. من يدفع الثمن؟

أيمن مصطفى

كيف قرأت الرواية المصرية تحوّلات السياسة والمجتمع؟

أسماء قدري

التعليم : إجراءت جديدة لإصلاح ا”لمنظومة” في ٢٠٢٦    

اسماء ابوبكر

حين يصبح الحب طريق اكتشاف الذات في “اتنين غيرنا”

حسن عبدالعال

منظار القنوات المرارية ينقذ مريضًا في حميات قنا

أحمد الفاروقى

المتحف المصري الكبير في سباق جديد نحو غينيس

هدير عادل