
خُلقنا جميعًا من رحم الحكايات، نرسم بها ما نراه وما لا تدركه الحواس، ما توارثناه وما نعيشه وإلى حيث يذهب بنا الخيال في مداه. وفن القصة القصيرة ظلّ هو مرآة تلك الحكايات عبر العصور؛ فهو الفن القادر على التقاط لحظات فارقة متوهجة وصياغتها بشكل رمزي مكثّف بليغ وعميق الأثر.
قصص “خطأ في الإجراءات” الصادرة عن دار التدوين العربي، لكاتبها أحمد مهنى، تنتمي لهذا النوع الناضج من القصص الذي يحمل همًا إنسانيًا مجتمعيًا يضعه في قالب مشوّق، مستفيدًا من التراث الديني والأساطير والفانتازيا، إلى جانب الواقع الذي يتقدم فيه عالمنا ماديا ويتراجع روحيا بسرعة أفدح.
الغلاف يحيلنا فورًا إلى حالة الخطأ مع دكان فوضوي يبيع أشياء متناقضة من الإبرة للصاروخ، ويهدي الكاتب مجموعته إلى “الأخطاء التي نتعلم منها والأخطاء التي تغير المسارات لتفادي الرتابة”.
هكذا يدفعنا مهنى للسؤال عن فكرة الخطأ وهل هو مجانبة الصواب بالفعل، أم مجرد مخالفة التيار السائد في المجتمع؟. وهكذا تشتبك قصص المجموعة – والتي جاءت مسبوقة باسكتشات تعبيرية مدهشة – مع عالم من الأخطاء الحقيقية والمصطنعة.. حكايات منسوجة بحبكة مشوقة ولغة سلسلة قادرة على تجسيد المشاهد حية، في أسلوب يمزج الواقعية والسحرية معًا.
وجه الحب
في قصة تعود لعالم يشبه “ألف ليلة وليلة”، نعيش حالة قرية تهمّ في البحث عن ساحرة قلبت حياتهم وجعلت ورق الشجر يصفر في الربيع، وحين تتطاير الشائعات ويخاف الناس، تهلك الأسواق ويعتكف الناس. يقول الحكيم الذي يعيش أزمة كل متنور في مجتمعنا: لقد علمه الزمن ان الناس يصدقون ما يريدون. تغويهم الشائعات وتختم على قلوبهم اخبار الفضائح”.
يلجأ أهل القرية لكتاب العهد لدرء السحر. وهي حيلة درامية تعيد للقيم الدينية سطوتها وحضورها لإعادة البوصلة. بالفعل يحكم الكتاب على أهل القرية الظالمة بأن يتيهوا سبعة أيام، وهم على هيئة مسوخ مطموسة الملامح والذاكرة!
يحيلنا هذا المشهد لأثر الشائعات والتلصص التي تعم وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، وكيف تسرق آدميتنا بالتدريج. من الملاحظ كذلك أن الأطفال هم من ينجون من تلك اللعنة لأن أقدامهم لم تتورط في الخطايا.
وبرغم تناسل الشائعات والمخاوف، تعيدنا القصة لحالة الحب التي تنقذ البشر من خلال شخصية العروس زوجة ابن الحكيم والتي تصنع الشاي بالياسمين فيعرفها بها زوجها ورغم غياب ذاكرته، لقد كان الحب داخل بيتهم طوقا للنجاة!
عقدة النقص
تبرز مفارقة عقدة النقص في عدد من قصص المجموعة؛ قصة “حبيبتي في السادسة عشرة” حيث نائب في البرلمان ينتمي لعائلة عريقة، لكنه يعيش صراعًا بين نجاحه من جهة، وشعوره بالنقص لقصر قامته مقارنة بكل عائلته.
نضحك مع مشهد هذا النائب وهو يتقدم لخطبة فتاة ويفاجأ بأن أهلها شديدي الطول، وبعين نفسه يراقب نخلة أولى تخاطب أباها : هل ترى أحد على الباب؟ فترد النخلة : لا! لكن تبدو فكرة قصر القامة هنا رمزا يرتبط بالروح لا الجسد فقط، وتذكرنا بأن الحياة لا تعطي كل شيء دائما، وأن الخطأ هو جزء من بنيتها الأصيلة. يقول البطل معبرًا عن خيبة أمله: هناك مكان مظلم في القلب تدفن فيه الذكريات التعيسة. يجب أن يظل قبرا لا يعبث فيه احد.
سجن الفانوس
هل تخيل أحد أن يتحول فانوس سحري للعنة؟! هذا ما حدث لصاحب قصة “أمنيات العفاريت” والذي نرى فيها توصيفا لسر السعادة الكامنة في الروح لا في المناصب والجاه والمتع الحسية.
ويلعب الحلم دورا أصيلا في حياة البطل؛ يعاوده كابوس لبقرة تدر لبنا بلا نهاية يغرق فيه ولا يجد من ينقذه. احيانا ما تتحول النعم لنقم! لذلك فحين يهرب البطل لواحة بعيدة تغيب الكوابيس، لكن ما إن قفل عائدا للمدينة حتى جاءت لحظة الاختبار أمام فانوس سحري وعفريت يملي شروطا مصاحبة لكل حلم سيحققه.
تبدأ أزمة البطل مع انتهازه الفرصة لاغتنام كل ملذات الحياة فيرسب في الاختبار خاصة وقد تجاهل صوت ضميره الذي ذكره بالزهد، ثم فوجيء بأنه قد بات مهددا بالسجن مع العفريت في قمقم يرمز لأسر الرغبات التي تحرمنا من السعادة الحقيقية.
السيد .. بلا قناع
واحدة من أبرع المفارقات تلك التي نتوقف أمامها في قصة “السيد الكبير” والذي قد يكون نائبا برلمانيا أو مسئولا رفيعا، ولكنه منشغل بنفسه وعازف عن قضايا الناس. تصنع القصة مفارقة اجتماعية وإنسانية دالة حين تتوقف سيارة المسؤول في حي بائس بسبب مغص شديد جعل حاجة المسؤول ملحة لقضاء حاجته!
يلجأ الحراس والمسؤول لشقة رجل بسيط وزوجته، وتصور القصة حفاوة أهل الحي بالمسؤول وانتظارهم لخروجه من الحمام، وهو مشهد على ما فيه من سخرية نجده دالا في الإشارة لبؤس وضعهم وندرة اهتمام المسؤول بهم باستثناء فترة الانتخابات.
في المقابل، نرى مفارقة نفسية مع تأثر المسؤول بحفاوة الأسرة البسيطة وتمنيه لو عاش بهذا الرضا والهدوء بعيدا عن المشاحنات مع زوجته الحسناء التي لا يربطه بها غير لغة المصالح!
تنتهي القصة بمشهد يسقط كل الأقنعة وهو اختيار دال جدا، وخاصة أنه جاء عبر عبارة طفل صغير بريء لم يقل إلا بما سمعه من أبيه عن “اللص الكبير”!!
خطأ .. بالإكراه!
في قصة “غسيل زوجتي” ندرك أن تعريف الخطأ يتوقف أحيانًا على مركز قوتك! فالجار “العملاق” يرفض ان ينشر المدرس الملابس شتاء لأن زوجته ستطالبه بأن يقلده. هنا تبدأ حملة كبيرة من الاتهامات تلاحق المدرس حتى يهجر مهنته وكل شيء، ربما يكون لجوءه للتجارة هو أنجح في زمن لا يعترف إلا بلغة القوة أيضا، ولكنه سيكون هذه المرة في موقف يسمح له بترهيب جاره القديم وقد تبدلت الأدوار!
ضريح الأخضر
مع قصة “سيدي القادم من السماء” يقترب الأديب من صراع العلم والجهل من خلال قرية مصرية يهبط فوقها طبق طائر له ضوء ساطع وينزل منه ثلاثة يشبهون البشر ولكن جلدهم أخضر. تجيد القصة رسم الصراع بين أهل القرية والذين ينقسمون حول طبيعة تلك الكائنات وهل هم ملائكة أم شياطين، وفي ظل هذه العركة بين رجال الدين والعلماء، نرى العمدة لا يشغله إلا أرضه التي ورثها ومحاولته الخلاص الذاتي وهو يتطهر ويغتسل لأن يوم القيامة اقترب.
تناقش القصة غربة العلماء بين الجهّال خاصة وقد استفحل الأمر واستقر أهل القرية على راي “المجذوب” ببناء ضريح لأحد الكائنات الخضراء الذي مات بطلقة طائشة!
كان هؤلاء البسطاء بعيدين عن خريطة الرعاية الحكومية. رسائلهم تستغرق شهورا كي يأتيها رد. ولهذا لم يعنهم إلا بركات سيدي الأخضر. يقول الراوي العليم: ” كان صوت الهتاف أعلى من صوت العقل وسطوة الخوف أكبر من منطق العلم”
وحش ذكيّ
لازلنا مع صراع العلم لكن بروح الفانتازيا وفي قصة “داروين المسكين” وهو عنوان يحمل تناقضا هائلا بين فلسفة داروين أن البقاء للأقوى وكون هذا المنطق مع ذلك يجعل عالمنا مسكينا!
نعيش مع القصة زمن قادم ستكون فيه السيارات طائرة والروبوتات تسكن البيوت والشركات إلى جانب البشر، ونرى الروبوت “آدم” الذي ينفذ الأوامر حرفيا ولو كان الثمن حياة طفل، كانت تلك مرحلة الآلة العمياء التي أردنا استبدالها بالبشر، بعدها يبدأ تطوير روبوت ذكي يتخذ القرارات، ولكن يدرك الإنسان هنا أنه قد خلق عدوا بيده.
القصة تحيلنا لعالم جديد تبحث فيه الروبوتات الذكية عن ذاكرتها وهويتها بل وتتمرد على دورها القديم كخادم للبشر. هنا تتنبأ القصة بأن الآلة التي ستقدم خدمات جليلة للبشر قد تصبح شيئا فشيئا أكبر قاهر لسعادتهم، والأهم ان عصر الآلة الذي تنبت فيه زهور وأشجار آلية، سينبت بهجة مصطنعة مثله تفتقد للروح!
أدباء عن “سان دوني”: لوحة إنسانية تعانق زمن الغربة
