ثقافة وأدبسليدر

سناء البياتي: “الصفر اللغوي” قادني لفهم نور القرآن

في الآونة الأخيرة، ظهرت نظرية “الصفر اللغوي” التي أسستها العالمة اللغوية العراقية د.سناء البياتي في كتاب مستقل توضح فيه توصلها إلى قواعد النحو الكلّي وقد طبقتها على عدد من اللغات وعلى العربية بالذات، وهذا ما عده كثيرون فتحًا ثوريا في فهم النصوص وعلى رأسها القرآن الكريم.

تقوم النظرية على أسس علم النفس الإدراكي وتتبع آليات عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة عبر جمل مترابطة تتناسب مع إدراك الأشياء من الكل إلى الجزء، مؤكدة أن المعنى يولد في عقولنا قبل الكلمات، وهو منطق يعد امتدادا لما أرساه عبد القاهر الجرجاني في كتابه “دلائل الإعجاز”.

وتمتلك د.سناء البياتي خبرة أكاديمية طويلة انطلقت من جامعة بغداد ووصلت لجامعة مالمو في السويد؛ حيث تعمل أستاذا للنحو والبلاغة، إلى جانب رصيد كبير من الكتب البارزة في قواعد وجماليات العربية.

وعلى هامش زيارتها القصيرة لمصر، ومشاركتها في ندوة “ملتقى السرد العربي”، دار الحوار التالي حول تطبيقات نظريتها اللغوية في إرساء الإعجاز القرآني وتحديث منظومة التعليم والتذوق، فإلى التفاصيل..

ما الذي تعنيه نظرية “الصفر اللغوي”؟

– النظرية تعد كشفا يرتبط بآليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، فمن عظيم خلق الله انه خلق للإنسان أجهزة تعمل بنظام دقيق؛ فالدماغ يدرك الأشياء ثم يعبر عن مدركاته من الكل إلى الجزء، وهذا ما تختلف فيه نظرية الصفر اللغوي عن  النظريات السابقة التي  تعتقد ان الدماغ يركب الأجزاء ليصل إلى الكليات.

 وسُميت النظرية بهذا الاسم لأن إنتاج اللغة يبدأ من الدماغ، ومفهوم الصفر هو مرحلة البدء، وفي مرحلة الصفر اللغوي يميز العقل الفكرة ككل ونوعها هل استفهامية مثلا أم منفية أم خبرية، ثم يربطها بأجزائها، أي ربط الصور ذهنية والمفاهيم،  ولا توجد في دماغ الإنسان أيا كانت لغته أكثر من أربعة روابط رئيسة هي: الإسناد والتخصيص والإضافة والتوضيح،  والمرحلة الأخيرة في هذا النظام هو، اختيار الكلمات المناسبة لكل مدلول من خزينة الإنسان التي تشكل معجمه وتزداد بما يكتسبه من مفردات في حياته، وهو ما أبنته تفصيلا في كتابي الذي يحمل اسم النظرية “الصفر اللغوي”.

هل تتفقين  مع ما وصل إليه تشومسكي حول المشترك بين اللغات؟

أولا يجب أن نعرف ان أصول النظريتين مختلفة، فنظرية الصفر اللغوي تنطلق من أصول عربية أي من  التراث العربي، وبخاصة  من نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني، اما أصول النظرية التوليدية التحويلية فأصولها من فلسفة ديكارت في مجال اللغة، ولكن تشترك نظرية الصفر اللغوي مع النظرية التوليدية لتشومسكي في أن كلتيهما تبحثان في اللغة داخل الدماغ البشري، وعن قواعد يمكن أن يطلق عليها النحو الكلّي. غير أن العالم الأمريكي الذي ركز على البنية السطحية والعميقة للغة لم يتوصل إلى وضع قواعد ثابتة، في حين توصلت نظرية “الصفر اللغوي” إلى تحديد أربع قواعد تنتظم جميع اللغات هي قواعد النحو الكلّي، كما أن نظرية الصفر ترفض مبدأ التحويل عند تشومسكي وتثبت خطأه.

وما أهم تطبيقات نظرية الصفر في حياتنا العملية؟

لنظرية الصفر اللغوي فوائد متعددة أهمها: كشف الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم نحويا بسبب اعتماد الكل قبل الجزء وبذلك ينظر إلى السياق القرآني ومن ثم الجملة داخل السياق وبهذا يتم فهم المعنى الكلي دون تقطيع.

من جانب آخر تقود النظرية لتحديث المنهج النحوي وتطوير مناهج تعليم قواعد اللغة العربية لطلبة المدارس بما يتلاءم وفكر الطالب في العصر الحديث والانطلاق من المعنى في وضع القاعدة أما العلامات الإعرابية فهي لاحقة لتمييز المعاني المختلفة بعلامات مختلفة، ولازلت أتذكر جهاد أساتذتنا لتطوير الدرس النحوي وعلى رأس القائمة أستاذي الدكتور مهدي المخزومي من العراق، وكذلك الدكتور شوقي ضيف و سليمان فياض من مصر.

تقود النظرية لتسهيل تعليم العربية لغير الناطقين بها لأن القواعد تنطلق من المشتركات بين اللغات وبذلك يسهل على الأجنبي تعلم العربية مادامت تتماشى في كثير من قواعدها مع لغته الأم. كما يسهل تعليم لغة أجنبية للطلاب العرب، وقد طبقت ذلك على نفسي حين استطعت في فترة وجيزة إجادة اللغة السويدية التي لم أكن أعلم شيئا عنها وأنا في هذا البلد الغريب قبل سنوات بعيدة.

وربما يستفاد منها في الذكاء الاصطناعي الذي يطمح إلى محاكاة الدماغ في إنتاج اللغة.كما  يمكن أن يستفاد منها في المجال الطبي من حيث معرفة المنطقة المصابة التي تؤدي إلى خلل معين في انتاج اللغة عند المصاب. 

كيف يمكن استغلال النظرية في تطوير مناهج العربية التعليمية؟

– أن العقل يفكر بالمعنى قبل الكلمات. وألا تكون نسبة الحفظ كبيرة فنكتفي بالنصوص البسيطة والآيات السهلة في المرحلة الأولى وأن نوجه الطلاب لصياغة جمل بأنفسهم بعد تدريبهم بالتمرينات على بناء وتأليف الجمل وربطها  وهنا نعلم الطالب كيف يفكر في المعاني لتأليف الجمل، ثم في مراحل لاحقة نعلمه الإعراب كلمة بكلمة.

لماذا تعد النظرية فتحا في إدراك الإعجاز القرآني؟

القرآن كتاب سماوي بليغ، لكنه أيضا نظام معرفي دقيق. وترتيب الكلمات في القرآن ليس عشوائيًا، وكل صوت من الأصوات التي تنتظم السياق القرآني له تأثير عظيم في نفس المتلقي، ولكل نظم من تقديم وتأخير يحمل أثرًا ذهنيًا  داخل عقل المتلقي. ولقد انبهر العرب بالقرآن الكريم حينما سمعوه وهم أهل شعر وبلاغة، ولا أدل على ذلك من قول الوليد بن المغيرة: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه”. أي كانت الأصوات والتنغيم هي الصدمة الأولى للعرب التي بهرتهم.

لنتأمل مثلا في القرآن الكريم اختيار أصوات اللغة ودلالتها، لفظة “يصطرخون” فيها قوة  لا نجدها في لفظة يصرخون، واختيار لفظة (صرصرا) للريح التي أصابت الكافرين فيها صوت الصاد الذي يوحي بصفير الريح الشديدة. وحين نتأمل نظام الصرف في القرآن سنجد أن دلالة “كسب” غير “اكتسب” فالأولى أسهل والثانية أشق.

وسنرى في القرآن دلالات عظيمة لصفات الله ومنها “غفّار” وهي صيغة تدل على كثرة المغفرة. وهناك  استخدام لصيغة ( فَعَلَ) للدلالة على تأكيد حدوث الحدث في المستقبل، كقوله تعالى:  .”أتى أمر الله فلا تستعجلوه” فهو  لا يدل على الماضي في هذا السياق وإنما على المستقبل المؤكد الحدوث.  

وإذا تأملنا علم الدلالة وكيف أنه لا يمكن وضع أي لفظة مكان أخرى في القرآن، فكلمة “حصب جهنم” في قوله تعالى ” إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم” لا يمكن ان تحل محلها كلمة حطب كما في قوله تعالى” أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا” فالأولى تعني الحجارة وهي التي كانت الأصنام تصنع منها.

وهناك أيضا مدخل كبير في الإعجاز اللغوي وهو تشكيل الصورة وأثرها في القرآن ومنها “فجرنا الأرض عيونا” و”اشتعل الرأس شيبا” و”اخفض لهما جناح الذل من الرحمة”، وكيف تتلاءم الصور بلاغيا وتصبح مرئية أمام ناظري من يقرأ القرآن.

وكل هذه المدركات وغيرها الكثير تجعلنا حين نقرأ القرآن أكثر يقينا بأنه من عند الله وهو الكتاب الذي لو تأملنا كل سورة منه لاكتشفنا أنها تحمل فصولا من حياة البشرية وإدراكها للهدى الإلهي.

ما الذي تطمحين لغرسه في طلابك وقرائك؟

درّست العربية في عواصم عربية وغربية عديدة، ويظل أملي الحقيقي هو أن أنبه الناس إلى لحظة الإدراك السابقة للغة.. إلى تلك الشرارة الصامتة التي تسبق الحروف. أن يقرأوا القرآن كمعنى يتشكل أمامهم. أن أزيح مشكلة نفور الطلبة من اللغة العربية أحيانًا بسبب القواعد المبنية على نظرية قديمة، يُراد لها التجديد، ويُراد لها التحديث. وأن نعيد النظر في بلاغتنا العربية باعتبارها كنزا متجددا لا تراثا عفا عليه الزمان.

 

اقرأ أيضا:

مصطفى محمود.. سيرة التحولات وأسرار ترويها ابنته

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19367

موضوعات ذات صلة

ارتجاع المريء.. دليل شامل للتشخيص والعلاج

المحرر

مقترح جديد بشأن نزع سلاح حماس.. كيف ردت إسرائيل؟

محمود كرم

عبد الحليم: لهذا هربت العائلة المقدسة لمصر تحديدًا

سارة الدسوقى

لنا عبد الرحمن: الموت حضر بأكثر من وجه في أعمالي

المحرر

مبدعات سوريا .. شهادات الخروج من نفق الاستبداد للنور

المحرر

جامعة أسيوط : تطوير التعليم وتعزيز كفاءة الخريجين

أحمد الفاروقى