ثقافة وأدبسليدر

سايكو سينما .. انظر حولك فقد ترى هؤلاء الأبطال!

حين نمضي في الشوارع تمرق حولنا وجوه كثيرة لعابرين يخفي كل منهم في قلبه جبلًا من الأسرار والحروب التي خاضها. تغزونا الاضطرابات والمخاوف والذكريات المؤلمة، فيتعلم البعض كيف يسبح ضد التيار، ويقنع غيرهم بالبقاء حيًا، فيما يتحول آخرون لقراصنة مهمتهم إغراق الجميع!

في كتابه الثري الذي يتجاوز 500 صفحة تحت عنوان “سايكو سينما”، الجزء الثاني، والصادر عن دار “المحرر”، يشاركنا د.إسماعيل إبراهيم، لعبة معرفية مسلية لمشاهدة مقاطع من أحد أشهر الأفلام، يقودنا المؤلف بعدها لتشخيص المرض النفسي الذي يصيب بطله بشكل يمزج التاريخ والفن والطب معا، وهنا نعود للفيلم وقد صرنا أكثر بصيرة.

وجوه لإنسان واحد
” الكاتب نورمان بيتس: جميعنا نصاب بالقليل من الجنون بين الحين والآخر”

تبدأ رحلتنا مع مرض اضطراب الهوية، حيث يتلبس المصاب بعدة شخصيات داخله متصارعة، ففي فيلم “سايكو” اخراج هيتشكوك، 1960، عن رواية الكاتب الأمريكي روبرت بلوخ، وبطولة انتوني بيركنز، يتقمص المصاب دور والدته التي قتلها وحنط جثتها، انتقاما لتسلطها على حياته العاطفية، وإهمالها له مع زوجها الثاني في الوقت ذاته، بينما كان لا يزال صبيا. هكذا سنرى أن صدمات الطفولة هي جذر دوافع الإجرام الناجمة عن اضطرابات نفسية.

كثير من الفنانين عاشوا تلك المحنة؛ فرسمت الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو نسختين لنفسها تعبيرا عن الصراع داخلها.
ويخبرنا المؤلف أن الفصام هو بالأساس انقسام التفكير والذاكرة والادراك، وليس بالضرورة ظهور بديل شرير للنفس، وأحيانا ترى مدارس نفسية أن تلك الشخصيات هي “انعكاسات ذاتية بسبب الحاجة للتكيف مع الالم فيجتمع النقيضين في جسد واحد، البطل والضحية، لحماية النفس”.

ثورة داخل المصحة
حاول ان يثير بداخلهم شيئا كانوا قد نسوه منذ زمن: الامل

في فيلم “احدهم طار فوق عش الوقواق”، 1975، بطولة جاك نيكسلون، نرى البطل ماكميرفي صاحب السجل الحافل بسوابق سرقة واعتداءات، وهو يعاقب بالبقاء في مصحة بعد أن تظاهر بالجنون. بدت الممرضة روتشيلد نسخة مصغرة من الحكم الديكتاتوري السائد آنذاك، بأساليبها التي تستخدم العلاج النفسي لفرض هيمنتها، فتمنع البعض من النوم والتريض، وتكافيء المخلصين والجواسيس، وهكذا بدأ ماكميرفي بصحبة صديقه يقودان ثورة لأجل استعادة إنسانية النزلاء، عبر مباريات رياضية وجلسات نقاشية بل ومحاولات هروب انتهت بشكل مأساوي، لكنه استعاد خلالها الجانب الإنساني الذي وارته سنوات الشغب من قبل.

رغم موت بطل الفيلم، ينجح صديقه في الهرب من عش المجانين، إشارة لشرارة التغيير. الجميل في الأمر أن مؤلف الكتاب الروائي الامريكي كين كيسي، عمل بالفعل مساعدا لقسم الطب النفسي للمحاربين القدامى وكانت دعوته ضمن سياق مجتمعي عام، أعقبته ثورة قابلت جنون الماضي بجنون أشد مع مجيء الهيبز والدعوة لهدم كل القيم.

مقبرة الأرواح المنسية
هتلر عن الفن التشكيلي: نتاج لعقول مريضة واعراق منحطة!!

يشير الكتاب إلى أن ألمانيا النازية قد اعتبرت الفن شرا مجتمعيا وعاقبت المبدعين وأودعتهم المصحات النفسية العقابية القاسية، وكان جوبلز وزير الدعاية يقيم معارض للسخرية من “الفن المنحط” 1937، وذلك – للمفارقة- برغم أن هتلر ذاته كان رساما موهوبا في بداية حياته وقبل أن تتلبسه الزعامة المتعصبة للجنس الآري، والتي خاصمت الفن والجمال وانتصرت للقوة.

كانت هناك جذور لتلك الروح؛ فحين نتأمل مع المؤلف لوحات أبدعها جويا داخل المصحات النفسية 1819 ندرك كم كانت البشرية تعيش رجعية مقيتة؛ فأجساد المرضى عارية وهم مكبلون بالأغلال، يطوف بهم الأثرياء ليشاهدوهم كما لو كانوا حيوانات للفرجة والتسلية في القفص، جرى ذلك خلال القرن السابع عشر، حيث افتقدت المصحات للرحمة والرعاية، بالتزامن مع الثورة الصناعية والرغبة ليس في التخلص من “المجانين” وإنما الفئات الضعيفة كلها من فقراء ومهمشين، وهو ما وصفه ميشيل فوكو بـ”الحبس الكبير” وتبدى في انجلترا في مشفى مروّع عاش فيه بحار أمريكي سنوات مقيدا بالأغلال، ولما فكوا وثاقه مات كمدا.

بالطبع تطور الأمر وصارت بيئة المشافي أكثر أمانا، وعرفت الحضارة الإسلامية البيمارستانات، وأصبح مشاهير يرسمون داخلها خلال رحلة تعافيهم من المرض النفسي ومنهم فان جوخ مثلا الذي رسم لوحة “ممر في المصحة” 1889، بعد معاناته نوبات ذهانية.

دع القلق وابدا الهلع
“مارك توين: القلق يشبه سداد الفوائد على دين انت لم تقترضه من الأساس”

يقترب الكتاب من فيلم “انسايد اوت” الكارتوني المبهر، 2024، وكيف تتفاعل مشاعر الطفلة البطلة رايلي، بالتوازي مع مرحلة البلوغ التي تخوضها، وبينما يتولى القلق في البداية قيادة الدفة فيضخم المخاوف ويجعل البطلة تتصرف بعنف وانتهازية، فإذا بطاقة الفرح تتحرر من قبوها البعيد في الوعي وتحرر مشاعرها الإيجابية ثم تستدعي من جديد القلق بعد أن صار صوته خافتا لا يعوق شعاع النور عن البطلة.

ويصيب الرهاب والخوف نحو 12% من البشر بأشكاله المتنوعة كرهاب المرتفعات ووصولا لرهاب الأجانب أو حتى الإسلاموفوبيا. ومن الافلام التي عبرت عن ذلك “بيريد” 2010 أو مدفون، بطولة رايان دينولدز، والذي يعمل مقاولا أمريكيا في العراق زمن الاحتلال، ويفاجأ بنفسه داخل تابوت خشبي تحت الأرض، كما ظهر الخوف جليا مع فيلم “أوريون والظلام” فيواجه الطفل أشباح مخاوفه بعد أن يكتشف عالم الليل السحري.

مكافأة مميتة
جابور ماتيه : المدمن ضحية للصدمات ولهذا لا ينظر إلا لدائرة الإدمان التي تنسيه ألمه.

تشير الإحصاءات لتزايد كبير في أعداد المدمنين حول العالم، وهي نسبة تصل عالميا لـ15% وعربيا لـ10%، لكن الكتاب يخبرنا بأشكال متنوعة من الإدمان وليس المواد المخدرة فحسب؛ فهناك إدمان العمل والكتب ومواقع التواصل والألعاب الإلكترونية ووصولا للأفلام الإباحية.

في كل حالات الإدمان يبدأ الدماغ بالبحث عن الدوبامين الذي يساوي المكافأة الخفية عن كل عمل يشعرنا بالمتعة، ولكنه يتوازى هنا مع سلوكيات قهرية ثم الشعور بالاعتماد الكامل والاكتئاب والاعراض الانسحابية، أخيرا معاودة الكرة.

هكذا شاهدنا أفلام الإدمان جميعا، ولعل أشهر الأدوار العالمية التي أداها دي كابريو كانت لمدمن يجسد رحلة لاعب كرة سلة مدمن، وفي مصر نتذكر بالتأكيد أفلام “الكيف” و”العار” حيث نرى عالم أباطرة الكيميا المخدرة ونهايتهم البائسة.
وفي الكتاب نتعرف على حقائق مثيرة عن المخدرات وقد صارعت الصين طويلا لوقف تعاطي الأفيون، وكانت الحضارة المصرية تعرف القنب والبيرة وتقدم بين الملكات والملوك والرعية، وكذا في الحضارة الإسلامية قبل تحريم الخمور، وارتبط الكوكايين بأسماء مشهورة مثل العلامة التجارية “كوكاكولا”، بل وأسس مثقفو فرنسا ناديا للحشاشين، بعد العودة من حملة بونابرت، أما القهوة فقد اعتبرت – ولا تزال – المنبه المشروع لمحدودية تأثيراته على الإنسان

سينما الشر
” مفكر ايرلندي: لكي يسود الشر يكفي فقط الا يقل الرجال الصالحون شيئا”

تذهب العقائد السماوية لفطرة البشر المرتبطة بالخير والتي تتلوث بالشهوات الأرضية. والآية القرآنية واضحة بأن كل نفس ألهمها ربها فجورها وتقواها.

لكن في كتابها “تفاهة الشر” تشير المفكرة الأمريكية حنا إرنت إلى أن الموظفين البيروقراطيين بوسعهم أيضا ارتكاب أيشع الجرائم داخل السجون فقط كعمل روتيني، كما فعل جنود النازي، وكما يفعل بعض جنود الصهاينة في فلسطين وبتأثير نظرية لوسيفير، يبرر للجلاد أفعاله غير الأخلاقية.

والحقيقة أن صورة الأشرار كما تعكسها السينما تسعى لتفهم دوافع جرائمهم، كجزء من عمل الدراما، لكن أزمة ذلك هو وقوع الجمهور في حب هؤلاء كما جرى مع فيلم “فاينديتا” المقاوم لنظام ديكتاتوري، وفيلم “الجوكر” عدو باتمان والذي جاء من خلفية طفولية شديدة البؤس ومجتمع لم يرحمه، وشخصية هانيبال في “صمت الحملان” لهوبكنز والذي قتل النازيون والداه. هكذا تبدو صورة الشرير الدرامي عادة كشخصية “لم تحظ بالحب”.

هوس الصورة
“افلاطون: لا يمكن الوثوق بالحواس لمعرفة الحقيقة”

من أمراض العصر الحديث هو الخوف المرضي من نظرة الناس؛ وهنا نرى العديد من الأفلام التي ركزت على فقدان الشهية، أو نهم الطعام، كأعراض اكتئاب، وكان من أشهر أمثلته فيلما حول الأميرة ديانا أثار حفيظة القصر الحاكم.
في “متلازمة دوريان جراي” نرى قصة أيقونية كتبها اوسكار وايلد عن الشاب الوسيم الثري الذي يشعر بالأسى لأن البورتريه المرسوم له سيظل جميلا ولن تطاله شيخوخة، وتكون المفارقة أن الشاب يغرق نفسه في الملذات والتي معها تتشوه صورته المرسومة.

ويعلق الكاتب بأن عصرنا يشهد أمراضا عجيبة نشأت من هلع الناس على صورتهم، فهم يخشون كبر السن وتزداد عيادات التجميل، وهو أمر بعيد عن الحفاظ على الصحة، ويقترب من فكرة الهوس، التي تعكسها وتزكيها مواقع التواصل الاجتماعي.

“مجانين” السينما المصرية

لقد عبرت السينما المصرية عن حالات متنوعة من الإضطرابات النفسية وسقطت أحيانا في الاختزال والتعميم، أو تناولت الأمر بروح الفكاهة كما كانت أفلام “عفريت مراتي” و”إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين”.

احيانا ما تعاملت السينما بشكل أكثر عمقا كما في فيلم “بئر الحرمان” لسعاد حسني وفيلم “الغريب” عن تداعيات النكسة، ومشكلة الفصام “آسف على الإزعاج”، والعلاج النفسي التقليدي في “خلي بالك من عقلك” ووصولا لـ”الفيل الازرق”، وهي أفلام لا تزال تحتاج برأي المؤلف لمزيد من التعمق في حقيقة المرض النفسي بعيدا عن الصور النمطية التي تربط الاضطراب بالعنف وتجعل المريض منبوذا من مجتمعه.

رحلة شفاء
” فرويد : اينما ذهبت وجدت ان شاعرا قد سبقني إلى هناك”

يلفت الكتاب لتطور العلاج النفسي ليشمل العلاج بالرسم والموسيقى والقراءة والكتابة والسينما. وأن روشتة الطبيب قد تنصح بمشاهدة فيلم بدلا من الاكتفاء بحبوب الدواء.

ومن الملاحظ عبر الكتاب أن العلاج السلوكي المعرفي هو أبرز أساليب التدخل العلاجي؛ لأنه يتيح للمريض تحليل أفكاره أدت للاضطراب، ثم يأتي العلاج الجدلي الذي يهتم بالمشاعر، وبعدها العلاج الدوائي. ويعد بث الطمأنينة بوجود الله والغاية الكلية من الحياة أحد الأساليب الاسترشادية الجوهرية في رحلة التعافي.

يهدي الكاتب عمله إلى الراحل أحمد خالد توفيق؛ والذي علم جيلا “كيف يقرأ ويحلم ويكتب”. ويعد الكتاب لصاحبه استشاري امراض المخ والأعصاب والطب النفسي، حلقة ضمن مشروع موسوعي يربط الاضطرابات النفسية بالفن، وقد سبقه كتاب “نيوروسينما” و”سايكوسينما” الجزء الأول، إيمانا بقوة تأثير فن السينما وقدرته على تخفيف المعاناة الانسانية.

اقرأ أيضا

مواليد حديقة الحيوان.. الحياة من داخل القفص

في بيتنا لا نكتب المذكرات.. رحلة عتق من الشرنقة

لا عناوين في المدينة.. ذاكرة حواء تتحدى جيش الابادة

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26266

موضوعات ذات صلة

ثمانون عامًا من الحكمة في مسيرة الإمام الطيب

محمود على

نور الإسراء والمعراج

أيمن مصطفى

مستشار شيخ الأزهر: نُخرّج أطباء بضمير إنساني

محمود على

هاني رمزي .. تكريم جديد في مهرجان VS-FILM

أحمد عاشور

البابا تواضروس يبدأ زيارته للنمسا بعد تركيا

حازم رفعت

غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب

سارة الدسوقى