اقتصاد وأعمال

عبد المنعم السيد: شراكة صناعية بين القاهرة وبكين

د. عبد المنعم السيد

 

أكد د. عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، في تصريحات خاصة وحصرية لجريدة “صوت البلد”، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة تأتي في توقيت استثنائي للغاية، تتجاوز فيه الأهمية البعد السياسي والدبلوماسي التقليدي إلى أبعاد اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أكثر عمقاً وتأثيراً؛ موضحاً أن هذه الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية، تزامناً مع تشكيل خريطة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية نتيجة تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين وفرض قيود متزايدة وضغوط مستمرة على الاستثمارات والمنتجات الصينية في الأسواق الغربية.

توقيت استثنائي

وفي السياق ذاته، يرى د. عبد المنعم السيد أن الصين تبحث اليوم بجدية عن أسواق جديدة ومراكز صناعية واستثمارية تستطيع من خلالها الحفاظ على توسعها الاقتصادي، بينما تبحث مصر في المقابل عن شراكات قادرة على دعم الصناعة الوطنية، زيادة معدلات الصادرات، نقل التكنولوجيا، وتوفير مصادر العملة الأجنبية. ومن هنا تكتسب الزيارة أهميتها الحقيقية، خاصة أن العلاقات المصرية الصينية ليست وليدة اليوم؛ فمصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وقد تطورت هذه العلاقة بصورة متسارعة لتتحول إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2016، وباتت تمتلك قاعدة اقتصادية حقيقية؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025 مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في عام 2024 بمعدل نمو يقارب 19.6%، وهي أرقام تؤكد أنه جاء الوقت المناسب تماماً لننتقل بالعلاقة المشتركة من مرحلة التجارة التقليدية إلى مفهوم “الإنتاج مع الصين” والانتقال لمرحلة أعمق تقوم على الإنتاج المشترك والتصنيع والتصدير.

منصة لوجستية

واستطرد د. عبد المنعم السيد في حديثه لـ”صوت البلد” موضحاً أن مصر تتمتع بمجموعة من المزايا الاستثنائية التي تجعلها وجهة جذابة للاستثمارات الوافدة، مثل السوق المحلية الضخمة التي تتجاوز 120 مليون نسمة، الموقع الجغرافي الاستثنائي، وقناة السويس كأهم الممرات التجارية في العالم، بجانب البنية التحتية الجاهزة والموانئ المتطورة والمنطقة الاقتصادية الواعدة والاتفاقيات التجارية التي تسمح بالنفاذ الحر للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية؛ لافتاً إلى أنه يجب ألا تقدم مصر نفسها باعتبارها مجرد سوق كبير لاستهلاك المنتج الصيني، بل كمنصة صناعية ولوجستية لإنتاج المنتجات الصينية خارج الصين؛ حيث تمثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» بقناة السويس نموذجاً ناجحاً؛ إذ تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، ومبيعات فاقت 7.3 مليار دولار، ووفرت 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، وهي تجربة يجب البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوعاً.

توطين الصناعة

كما أشار د. عبد المنعم السيد إلى أنه بعد أن استفادت مصر من الخبرات الصينية في بناء وتشييد البنية التحتية، مثل منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية والبرج الأيقوني البالغ ارتفاعه 385.8 متر كأطول مبنى في إفريقيا، ومشروعات النقل الحديثة كالقطار الكهربائي الخفيف (LRT)، والتعاون في مجالات الفضاء والأقمار الصناعية وتطوير قدرات التجميع والدمج والاختبار، أصبح من الضروري أن تركز المباحثات المرتقبة على توطين الصناعة والتكنولوجيا. ويشمل ذلك قطاعات السيارات الكهربائية، صناعة البطاريات، الإلكترونيات، مراكز البيانات، الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، الصناعات الكيماوية، والمنسوجات والملابس الجاهزة؛ ملمحاً إلى أن المنافسة المتوقعة بين الشركات الصينية والأمريكية في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة تُمثل فرصة استراتيجية مهمة لمصر للحصول على أفضل الشروط الاستثمارية الممكنة وتحديد المكون المحلي وحجم العمالة وحجم الإنتاج التصديري دون الانحياز لطرف ضد آخر.

حوافز إنتاجية

ولفت عبد المنعم السيد الانتباه إلى أن رأس المال الصيني يمتلك مزايا مهمة في المرحلة الحالية، فالشركات الصينية لديها قدرة كبيرة على الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والتنفيذ السريع لبناء منظومات صناعية متكاملة وليس مجرد إنشاء مصانع منفصلة؛ وهو ما يمكّن مصر من جذب هذه الاستثمارات إذا قدمت حوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا، بشرط أن ترتبط الاتفاقيات ببرامج واضحة لزيادة نسبة المكون المحلي ونقل المعرفة وتدريب العمالة المصرية وتتضمن توطين الموردين المحليين وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، لتتحول مصر تدريجياً إلى مركز صناعي حقيقي داخل سلاسل الإنتاج الصينية العالمية، بدلاً من أن تكون مجرد محطة لتجميع منتجات مستوردة.

رؤية مشتركة

وشدد د. عبد المنعم السيد على أن هذا التعاون يكتسب أهمية إضافية مع انضمام مصر إلى تجمع بريكس، والذي يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري ودراسة زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية بما يساهم على المدى الطويل في تخفيف الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار عبر آليات مالية واضحة وقابلة للتنفيذ؛ مؤكداً أن التكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» يمنح العلاقات بعداً اقتصادياً مستداماً؛ فمصر تريد أن تصبح مركزاً إقليمياً للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة، بينما تبحث الصين عن ممرات وأسواق ومراكز إنتاج جديدة تخدم مصالحها المشتركة.

وفي حديثه لـ“صوت البلد”، لخص د. عبد المنعم السيد المشهد بأن نجاح الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني لا ينبغي قياسه بعدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات التي سيتم توقيعها فقط، بل بنوعية المشروعات التي تحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد: إنتاج محلي أكبر، صادرات أعلى، ونقل حقيقي للتكنولوجيا؛ لافتاً إلى أن الصين تحتاج إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى إفريقيا والشرق الأوسط، ومصر تحتاج للصين كقوة صناعية تكنولوجية ومالية عالمية قادرة على دعم عملية التحول الاقتصادي وبناء قدراتها الوطنية المستقلة وحماية مصالحها الاقتصادية.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24861

موضوعات ذات صلة

خبراء يكشفون اسباب تراجع سعر الدولار

المحرر

تأثير خفض أسعار الفائدة: آفاق جديدة للاقتصاد الوطني

المحرر

موسم استثنائي للسكر.. توريد 12 مليون طن وزيادة 15% تدعم الإنتاج المحلي

محرر الموقع

1.5 مليار دولار حجم التبادل التجارى بين مصر واسبانيا

المحرر

توطين الصناعات المحلية للحد من الاستيراد

المحرر

الاقتصاد غير الرسمي .. ضياع للعمالة وعرقلة للتنمية

المحرر