ثقافة وأدبسليدر

مصطفى محمود .. سيرة التحولات وأسرار ترويها ابنته

  

صوتُ الناي الذي يظلّ لصيقًا بمخيلة المصريين كلما سمعوا اسم البرنامج الشهير “العلم والإيمان” لمقدمه الدكتور مصطفى محمود؛ بنبرته الهادئة وتأمّلاته الطويلة التي تربط حياة الكائنات بآيات القرآن، ظلت تلك الحالة الفريدة مرتبطة بوجدان كل بيت لنحو ربع قرن حتى توقف البرنامج في نهاية التسعينيات ولم يزل صداه بيننا.

ولم تكن شهرة مصطفى محمود ناتجة عن البرنامج فحسب؛ بل إن جولة صغيرة داخل أسوار بيع الكتب في القاهرة تخبرنا أنه يظل الأعلى طلبا بين القراء الشباب بكتبه التي أبحرت في أسرار الحياة والموت بشكل فلسفي، وتلك التي أسست لمواجهة حتمية بين الإسلام كدين والتيار الماركسي الذي تمرد عليه موجهًا شراعه نحو الفلسفة الإسلامية.

يظل مصطفى محمود عنوانًا كبيرًا للجدل برغم رحيله عن عالمنا؛ وهو ما نراه بوضوح بعد إعلان انطلاق أعمال مسلسل جديد يؤرخ لرحلته، من إنتاج الشركة المتحدة في مصر. وبرغم طوفان المحبة الذي صاحب إعلان المسلسل؛ إلا أن قطاعا من النخب ظلّ متحفظا على الاختيار لاعتبارات تخص مدرسة الإعجاز القرآني التي خرجت من عباءة المفكّر، أو تخص معارك مصطفى محمود مع تيار اليسار ونظام ناصر.

وعادة ما يربط الجدل بين المفكر “محمود” والداعية “الشعراوي” وقد جمعتهما صداقة حقيقية مع بعضهما ومع الرئيس الأسبق السادات وشعاره “دولة العلم والدين” ورأى البعض أنه ساهم في جماهيريتهما العريضة لتحقيق هذا الشعار، عبر إتاحة برامجهما في التليفزيون، بينما يرى آخرون أن إخلاص كليهما للدعوة الدينية المرتبطة بالعلم واللغة، هو السرّ في محبة المصريين حتى اليوم.

في كل المعارك التي خاضها المفكر الراحل تصدى لما يؤمن به وأقر بما تراجع عنه في اجتهاداته كما جرى مع “الله والإنسان” و”حوار مع صديقي الملحد”، وقد قرر بعد توقف برنامجه أن يهب ما بقي من عمره لصالح المشروعات الخيرية وأن يبحر بعمق فلسفي مع آيات القرآن..

ذكريات في بيت “محمود”
تقول “أمل” ابنة المفكر الراحل لـ”صوت البلد”: لقد رسخ أبي علاقة العلم بالدين والإنسانيات في زمن لم يكن فيه وسائل تواصل ولا أجهزة حاسوب، وكان يسافر إلى أوروبا للحصول على الشرائط التي يعرضها للجمهور.
تتذكر “أمل” كم كانت تلك الشرائط ضخمة للغاية ومع ذلك كان يتعامل معها بكل أريحية بما تشمله من أجهزة عرض بروجيكتور ومشاهدة للحلقات واقتطاع أجزاء منها ثم العكوف في المكتبة لساعات طويلة لإعداد مادة علمية مصاحبة.. كانت تلك حياته كلّها التي وهبها للعلم ووصل صدقها لقلوب الناس الذين كانوا يستوقفونه في الشوارع للثناء ولطرح الأسئلة حول الحلقات ومنها مثلا مسألة خلق الإنسان ومراحل تكوينه وعلاج الأمراض.

مصطفى محمود مع ابنته – ارشيف

وبسؤالها حول تأثرهم بالمعارك التي كانت كتبه تثيرها بين آن وآخر، قالت “أمل محمود”: بالرغم من أن زمن تلك المعارك قد بدأ قبل ميلادنا ولكن صداها قد امتد بعدها بعقود، وكنّا نرى مقالات ومكالمات مع والدي تتعلق بانتقاد ما جاء في كتاباته، والمعروف أنه عدل عن بعض أفكاره بعد فترة الستينيات ولكن مع ذلك استمرت المعارك سواء مع تيار اليسار الذي اعتزله بعض رواده فيما حافظ على صداقة آخرين ومنهم لويس جريس، أو حتى المعارك داخل التيار الديني والأزهر، بسبب بعض الآراء مثل أزمة كتاب “الشفاعة” التي حدثت قبل رحيله.

تستطرد: كان أبي يحزن من إساءة فهم ما يكتب ولكنه يخبر الجميع أنه يكتب بمنطق المفكر لا رجل الدين، فهو لا يدلي برأي شرعي بل علمي وفلسفي يرى أنه جزء من تحقيق الأمر الرباني بالنظر في النفس والكون.

العلاقة بالسلطة
سألناها عن علاقة أبيها بالرئيس السادات وهل أفادته في حياته؟ وقالت: بالفعل كان الرئيس السادات محتفيا بشدة بكتابات أبي ومنها “القرآن نحو فهم عصري” الذي اتصل به بعدها وبدأت صداقتهما منذ مطلع السبعينيات، وكان والدي يبادله الإعجاب بفكره السياسي وثقافته أيضا؛ ولكن أبي رفض أن يكون جزء من السلطة حين عُرض عليه الوزارة ورأى أنه كمفكر يجب أن يظل مستقلا، إلى جانب طبيعته الزاهدة التي يعرفها من اقترب منه.

محمود.. الأب
عن حياة مصطفى محمود كأب، تقول “أمل”: كنّا نراه دوما في غرفة مكتبه يظل بالساعات يقرأ ويكتب، وربما يفوته وقت الغداء لأنه منهمك في عمله، لكنه مع ذلك ظلّ حتى آخر يوم في حياته أبا وجدّا حنونا، وبداخله شخصية طفل بريء، يحب اللعب معنا ويشتري لنا الألعاب من كل أسفاره حول العالم، ويتحدث معنا ونسافر للمصايف ونركب معه اللانش في البحر، وكان دائم التحدث معنا عن أحلامنا.

وقد تأثرنا كثيرا بشخصيته وحبه للعلم وحبه أيضا للمساكين كما كان جدي محمود رحمه الله، وفكرة العمل الخيري كانت لها بركات كثيرة وفتوحات في حياة أبي، وقد أراد مؤسسة متكاملة لتطبيق العلم في سعادة الناس وبدون غرض استثماري.

الكاتبة سهام ذهني مع مصطفى محمود

سألناها عن حياته بعد توقف برنامج “العلم والإيمان” وهل كان لإسرائيل دخل في ذلك بالفعل؟ وقالت: بالطبع شعر بالصدمة لكنه اعتبرها مشيئة الله ومضى منطلقا لمشروعه الأهم وهو المؤسسة الدينية والطبية. وقيل أن إسرائيل اعترضت بالفعل على حلقاته التي تحدث فيها عن اليهود ومفاعل ديمونة وزوال إسرائيل وهو موضوع لعدد من كتبه الشهيرة، وربما كان ذلك صحيحا.

الأيام الأخيرة
كانت الكاتبة الصحفية سهام ذهني من القلائل الذين حظوا بمقابلة شخصية مطوّلة مع العالم الراحل قبل رحيله زارته فيها بصفتها صحفية في مجلة “صباح الخير” بمنزله المطل على مسجد محمود، حيث يرى من نافذته أنوار المئذنة الخضراء فتشع فيه طمأنينة وبهاء.

رأت “ذهني” -كما تروي لنا وكتبت في الحوار- كيف يعيش محمود في عالم من الكتب والفن الذي أحبه منذ صغره وقد كان يحب الموسيقى بشدة وله صداقة قوية مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، ويحتفظ بعود لحن عليه العديد من الألحان، وهو جزء من تكوينه الحساس المائل للأدب والفن لا العلم فحسب. ومعروف أن الراحل قد كتب قصص خيال علمي أعانته على تحمل حياة الطب القاسية ومن بعدها اتجه للصحافة وكتب في “صباح الخير” وصادق أشهر الكتاب ومنهم إحسان عبد القدوس وجاهين.

لقد أخبر “محمود” الكاتبة سهام ذهني أن حياته بعد سن الشيخوخة أصبح فيها أقرب لكتاب الله وله حلقة يواظب فيها على القراءة والتدبر مع رفاقه، إلى جانب عزلته الاختيارية بين الكتب التي يجد فيها أنسا وثراء لعقله وروحه. وحين تغلفت رؤيته بمعية الله أصبح يرى حتى مرضه الشديد منحة واختبار يقابله بالصبر والامتنان لخالقه. فالحياة كما يراها بلا إيمان هي خواء وظلمة لا تنتهي. وإن أدق أسرار السعداء تتلخص في هذا اليقين بوجود الخالق وبدونه فكل شيء يسقط في العبث.

اقرأ أيضا: خطأ في الإجراءات: قصص تعيد الإنسان لجوهره المفقود

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18575

موضوعات ذات صلة

شارع محمد نجيب بالإسكندرية: نمو العمران من قلب العشوائيات

أيمن مصطفى

​600 مليون جنيه لمصنع رمان البداري لتعزيز التصدير

أحمد الفاروقى

الحب بمن حضر.. قصة النور والنار الأبدية

المحرر

هوية بصرية ومحاور عالمية وأمان بيئي.. الثغر يتجدد

أيمن مصطفى

اتصال رئاسي يطمئن الملايين على صحة البابا تواضروس

حازم رفعت

جولات عطية.. هل تكسر روتين الإسكندرية؟

أيمن مصطفى