سليدرشؤون سياسية

الحرب تهز عرش الدولار هل بدأ العالم سحب البساط

لم تبدأ معركة الدولار بانهيار مفاجئ في الأسواق، ولن تنتهي بقرار دولة كبرى بالتخلي عن العملة الأمريكية، وإنما بدأت عندما دفعت الحروب والصراعات المتصاعدة دول العالم إلى إعادة النظر في حسابات القوة والأمان الاقتصادي، وأصبح السؤال أكثر إلحاحا: ماذا يحدث عندما تتحول القوة المالية إلى أداة من أدوات الصراع السياسي؟ عند هذه النقطة تحديدا بدأت ملامح تحول هادئ في النظام الاقتصادي العالمي، لا يستهدف الدولار بصورة مباشرة، لكنه يعمل على تقليل الاعتماد عليه تدريجيًا، من خلال زيادة الاحتياطيات الذهبية، وتنويع العملات، وتوسيع التعاملات بالعملات المحلية، والبحث عن أنظمة دفع وأسواق تستطيع الدول من خلالها تقليل تعرضها للضغوط الخارجية.

الحرب و الفاتورة

وتكتسب هذه التحولات أهمية أكبر مع اتساع دائرة المواجهة المرتبطة بإيران، إذ لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة، وإنما أصبحت أزمة تمتد آثارها إلى الطاقة والتجارة والملاحة والأسواق المالية، وهي المجالات التي تمثل شرايين أساسية للاقتصاد العالمي. وكلما اتسعت رقعة الصراع، ارتفعت تكلفة حماية المصالح الأمريكية في الخارج، وازدادت المخاطر التي تواجه حركة التجارة و إمدادات الطاقة، وهو ما يضع واشنطن أمام معادلة صعبة؛ فالقوة العسكرية تمنح الولايات المتحدة نفوذا واسعا، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إنفاق متزايد، بينما تؤدي اضطرابات الطاقة والملاحة إلى ضغوط اقتصادية لا تتوقف عند حدود الدول المتصارعة.

وتكشف التطورات العسكرية الأخيرة عن مدى تشابك هذه المعادلة؛ فقد أشارت تقارير أمريكية إلى تعرض قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن لهجوم أدى إلى أضرار بعدد من الطائرات العسكرية الأمريكية، من بينها طائرة من طراز اى10، إلى جانب أضرار لحقت بطائرات F-15، بينما أكدت واشنطن أن هجمات أخرى لم تصب شفنا حربية أمريكية، في الوقت الذي أعلنت فيه إيران استهداف سفن ومنشآت مرتبطة بالوجود الأمريكي. ومع انتقال المواجهة إلى المجال البحري، أصبحت الأسواق تترقب تداعياتها قبل أن تتضح نتائجها العسكرية، لأن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة يعني بالضرورة ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والتجارة، وهي فاتورة تدفعها في النهاية اقتصادات العالم، بما فيها الاقتصاد الأمريكي.

هرمز والدولار

ومن هنا يظهر مضيق هرمز باعتباره الحلقة الأخطر في هذه المعادلة؛ فالممر البحري لا يمثل مجرد نقطة جغرافية على خريطة الصراع، وإنما أحد أهم الممرات التي ترتبط بها إمدادات الطاقة العالمية. وبعد إعلان الولايات المتحدة تدمير ناقلات نفط إيرانية، وإعلان إيران استهداف سفن في محيط المضيق، تصاعدت المخاوف من اضطراب حركة الملاحة، وهو ما انعكس على أسواق النفط التي تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل، لتبدأ موجة جديدة من الحسابات الاقتصادية.

النفط المرتفع لا يعني فقط زيادة تكلفة الوقود، وإنما يرفع كلفة النقل والإنتاج ويضغط على معدلات التضخم ويضع الحكومات والبنوك المركزية أمام خيارات أكثر صعوبة. وهنا تصبح الحرب مرتبطة بالدولار بصورة مباشرة؛ لأن الولايات المتحدة عندما تقود تحالفات عسكرية وتتحرك لحماية طرق التجارة و إمدادات الطاقة، تتحمل جزءًا من تكلفة هذا الدور، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الأمريكي نفسه، في وقت تحاول فيه واشنطن الحفاظ على جاذبية أسواقها وقوة عملتها.

وهذه المفارقة هي جوهر المشهد؛ الدولار يستمد جانبًا مهما من قوته من قوة الولايات المتحدة ونفوذها السياسي والعسكري، لكن استخدام هذا النفوذ على نطاق واسع قد يرفع في المقابل تكلفة الدور الأمريكي، كما أن العقوبات والقيود المالية التي تستخدمها واشنطن للضغط على خصومها تدفع بعض الدول إلى التفكير في كيفية تقليل اعتمادها على النظام المالي الذي تملك الولايات المتحدة داخله نفوذا استثنائيا.

الذهب يتحرك

ولهذا لم يكن من المصادفة أن يحتل الذهب مكانة متقدمة في حسابات عدد من البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة. الذهب لا يمثل مجرد ملاذ تقليدي في أوقات الأزمات، وإنما يمنح الدول اصلا لا يعتمد بصورة مباشرة على النظام المالي لدولة أخرى، ولذلك يصبح أكثر جاذبية كلما ارتفعت المخاوف السياسية والاقتصادية.

وفي أوروبا، أعادت بعض الدول النظر في أماكن تخزين احتياطياتها الذهبية. وتشير البيانات المتداولة إلى أن فرنسا لم تعد تحتفظ بذهب على الأراضي الأمريكية، بينما خفضت هولندا خلال عام 2026 الكميات الموجودة في نيويورك ونقلت جزءًا منها إلى أوروبا ولندن. أما ألمانيا، صاحبة ثاني أكبر احتياطي رسمي من الذهب عالميا، فما زالت تحتفظ بجزء مهم من احتياطيا في نيويورك، لكن النقاش حول إعادة المزيد منها إلى أوروبا يكشف أن مسألة مكان الاحتفاظ بالأصول أصبحت جزءًا من حسابات الأمن الاقتصادي.

ولا تعني هذه التحركات أن أوروبا قررت التخلي عن الولايات المتحدة أو إسقاط الدولار، فالأمر أكثر تعقيدا من ذلك، لكن الرسالة الأهم أن الثقة لم تعد تعني الاعتماد الكامل على مصدر واحد للقوة المالية. فالدول الكبرى، مثلها مثل المستثمرين، تبحث عن توزيع المخاطر، وكلما زادت الصراعات والعقوبات وتجميد الأصول، أصبح تنويع الاحتياطيات أكثر منطقية من الناحية الاقتصادية.

الهيمنة تحت الاختبار

ومع ذلك، فإن القول إن الدولار انهار أو أن الولايات المتحدة فقدت قوتها سيكون بعيدًا عن الواقع. فما زالت العملة الأمريكية في قلب النظام المالي العالمي، وما زالت الأسواق الأمريكية تتمتع بعمق هائل، كما تحتفظ واشنطن بقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن المعركة الحالية ليست معركة سقوط فوري، وإنما معركة تدريجية على حجم الاعتماد والثقة.

فالدولة التي كانت تحتفظ بمعظم احتياطيات بالدولار تستطيع أن تضيف مزيدا من الذهب دون التخلي عن الدولار، والدولة التي كانت تعتمد على العملة الأمريكية في التجارة تستطيع أن توسع استخدام عملتها المحلية دون قطع علاقاتها بالولايات المتحدة، كما تستطيع الدول تطوير أنظمة دفع بديلة دون أن تعلن الحرب على النظام المالي الأمريكي. لكن اجتماع هذه الخطوات الصغيرة عبر سنوات يمكن أن ينتج تحولا كبيرًا في النهاية.

وهنا تكمن أهمية الحرب الحالية في قراءة مستقبل الدولار؛ الحروب لا تغير خرائط النفوذ العسكري فقط، وإنما تعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة والاستثمارات، وتدفع الدول إلى البحث عن مساحات أوسع من الاستقلال الاقتصادي. وكلما ارتفعت تكلفة الصراعات، أصبحت الدول أكثر حرصا على حماية احتياطيات، وأكثر ميلا إلى توزيعها بين الذهب والعملات والأصول والأسواق المختلفة.

السؤال الأصعب

لذلك فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل انهار الدولار؟ لأن الإجابة الواضحة هي لا. وإنما السؤال الأهم: هل بدأت الدول في الاستعداد لعالم تقل فيه حاجتها إلى الدولار؟

فإذا كان الدولار قد بنى مكانته على قوة الاقتصاد الأمريكي وعمق أسواقه والثقة في النظام الذي تقوده واشنطن، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه ليس انهيار مفاجئا، وإنما تراجعا تدريجيًا في هذه الثقة. والحرب قد تكون أحد العوامل التي تسرع هذا المسار، لأنها تكشف للدول حجم الترابط بين القوة العسكرية والقوة المالية، وتوضح أن الصراع في عالم اليوم لا يدور فقط بالصواريخ والطائرات، وإنما أيضًا بالعقوبات والعملات والطاقة وطرق التجارة والاحتياطات.

ومن هنا يمكن فهم حركة الذهب، وتنويع العملات، والبحث عن أنظمة دفع بديلة، باعتبارها أجزاء من صورة أكبر تتشكل ببطء. ولا يعني ذلك أن العالم اتفق على بديل للدولار، أو أن واشنطن فقدت موقعها، وإنما يعني أن مرحلة الاعتماد المطلق على عملة واحدة قد بدأت تواجه أسئلة لم تكن مطروحة بالوحدة نفسها من قبل.

فالتاريخ الاقتصادي لا يسجل عادة سقوط العملات المهيمنة بضربة واحدة؛ بل يبدأ التغيير عندما تعيد الدول حساباتها، ثم تنوع احتياطياتها، ثم تظهر البدائل، ثم تتسع مساحة استخدامها، وعندها فقط يتغير ميزان القوة.

وربما يكون هذا هو أخطر ما تحمله المرحلة الحالية: أن الحرب لا تهدد فقط أمن المنطقة وأسواق الطاقة، وإنما تدفع العالم أيضًا إلى إعادة التفكير في شكل النظام المالي الذي حكم الاقتصاد الدولي لعقود.

وهكذا، قد لا يكون العالم قد سحب البساط من تحت الدولار بعد، لكنه بدأ بالفعل في اختبار مدى قدرته على الوقوف فوقه؛ وبينما تنشغل واشنطن بحسابات الحرب والنفوذ، تنشغل عواصم أخرى بحساب أكثر هدوءا وأبعد مدى: كيف تحمي ثرواتها في عالم لم تعد فيه القوة الاقتصادية منفصلة عن القوة السياسية والعسكرية؟

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية، لا قصة سقوط الدولار غدًا، وإنما قصة عالم بدأ يستعد، بهدوء، لاحتمال ألا يظل الدولار وحده فوق القمة.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25376

موضوعات ذات صلة

الشوكُ والقرنفل.. قصة كل سنوار أضاء عتمته بالمقاومة

المحرر

أبو الليف عايش بركاوي ويقدم تياترو كندا 

أحمد عاشور

كارت الفلاح يحارب أزمة الأسمدة

المحرر

مسلسل جديد لـ منة فضالي يجمع الدراما المصرية والسورية

جيدا منصور: لا يمكن أن أقول إني نمبر وان

أحمد عاشور

السياسة النقدية تفتح آفاق التعافي

أيمن مصطفى