دين ودنياسليدر

الشيخ عبد الحليم محمود وإشراقات يوم عرفة


في عالم تمزقه الهويات الضيقة والصراعات، يأتي مشهد حجاج بيت الله المحتشدين بثوب الإحرام الأبيض، كالدر المنثور، وكأنهم في لحظة نادرة من اجتماع البشرية بأجناسها وألوانها وألسنتها على الحقيقة الراسخة التي جاءوا الدنيا لأجلها “وحدانية الله وتلبية ندائه”. تجتمع الأرواح وقد تزكّت بالتوبة والإحرام والطواف والسعي، تتجه إلى الله في ضراعة فتفيض الرحمات ويعود المرء لحالته الأولى قبل أن يدنس قلبه بالذنوب.

يقول شيخ الأزهر الإمام الراحل عبد الحليم عبد محمود في كتابه عن “الحج إلى بيت الله الحرام”: الحج عرفة؛ فالذي يتعرف على الله يصبح من الكمال الإنساني في الذروة. سياحة من الصفاء إلى الري، ومن ري يزداد إلى صفاء، فإذا ما تزكت النفس بكل ذلك يفيض الله سبحانه وتعالى عليها نورا يعرفها به، فتتعرف عليه، وتلتزمه، وتقف عنده، وتنتهي إليه. “وأن إلى ربك المنتهى”.

لذلك فالحج هو معاهدة لله من المسلم بألا ينحرف عن الملة الإبراهيمية؛ وقد دعا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام بأن يبعث الله للمؤمنين من يزكيهم ويعلمهم دينهم، فكان رسول الله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك فهي حلقة متصلة في التوحيد نسير فيها على درب الأنبياء.

حلقة متصلة
في الحج يتذكر الحجيج ذلك المشهد الذي ترك فيه أبو الأنبياء زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في واد غير ذي ذرع عند البيت المحرم. كانت لا تزال بقعة قاحلة من الصحراء لا يسكنها أحد. لكن تسليمهم لله ظل راسخا ويقينهم بأنه لن يضيعهم. قلب أم مشفقة على وليدها تسعى بين جبلي الصفا والمروة لتعثر له على قطرة ماء.

هذه الهرولة والسعي الذي يؤديه الحجيج اليوم وكأنهم في نفس مضمارها وهي فلسفة السعي في حياتنا كلها والامتثال لأمر الله. ثم هذه المعجزة التي يتذكرها الحجيج مع الارتواء من ماء زمزم حين ينهكك السعي وتنقطع الأسباب إلا من رب الأسباب فيتفجر النبع وتهلل وتكبر الأم ويشرب الوليد وتجتمع القبيلة المارة بهم وتستقر معهم فينتهي الخوف. كلها إشراقات إيمانية يستعيدها الحجاج. يستعيدون مع مرأى الكعبة المشرفة قصة آدم عليه السلام أبو البشر حين بناها للمرة الأولى وحين تعاقبت عليها السنون وتهدمت فرفع إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام قواعدها من جديد.

مع النحر يتذكر الحجيج ابتلاء إبراهيم الخليل في ولده إسماعيل؛ حين أراد الله أن يختبر قلب هذا الأب النبي الذي شغف حبا بولده، وجاءه في المنام أنه يذبحه، فامتثلت الأسرة على فجيعتها وسلمت لحكم الله، فهي تعلم أن رؤيا الأنبياء حق، وهنا كان الفداء في لحظة التسليم. لقد رجموا الشيطان وغوايته كما يرجم الحجيج شيطانهم ويعلمون أنه مصدر الإثم والشر في حياتهم، عازمين على التصدي لأعاصير شهوتهم ومغريات الفتن وجند إبليس حين يعودون من الحج.

لبيك اللهم
في تلبية الحجيج معنى القرب والطاعة والخضوع بين يدي الله والاستجابة لندائه. فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبرائيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية”.وفي رواية عن النبي: “ما أهل مهل قط إلا آبت الشمس بذنوبه”.

يدعو الحجيج لمكة وللكعبة بأن يزيدها الله تشريفا وأمنا. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة يوم فتحها الله عليه وعاد إليها يحطم الأصنام: “إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار”. وقال”صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة”.

ولنا أن نتأمل مشاعر الحاج وهو يحاذي الميزاب الذي يطل على حجر إسماعيل من فوق الكعبة ويقول: “اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك واسقنا من كأس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا، ياذا الجلال والإكرام” أو يدعو عند الركن اليماني: “ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”. هذا الطواف في أشواط سبع يتحرر فيها من كل ما يربطه بدنياه ويصبح عبدا ربانيا فحسب. ولذا يقول النبي: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”.

اقرأ أيضا: نفحات يوم التروية

فلسفة الحج
بهذا المعنى الذي نقرأه في كتاب الشيخ عبد الحليم محمود؛ فالحج في عمقه هو رحلة يخرج فيها الإنسان من ذاته وحياته التي اعتادها ومنصبه وملبسه وأهله، إلى أفق أوسع يتساءل عن إنسانيته الحقة وعبوديته. وكأنه يتحرر من التعريفات الكثيرة المرتبطة بالوظيفة والطبقة وكل شيء بمجرد ارتداء ملابس الإحرام التي تذكر الإنسان بمولده وفنائه. وهنا يعود الحاج إلى مدينته كما كان شكلا، لكنه – إن إدرك معنى الرحلة –لا يعود الشخص نفسه أبدا

إن الآية الكريمة التي تختتم بقوله تعالى : “فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”، تخبرنا بأن الرحلة منذ البدء هي لتزكية النفس وتهذيب السلوك وفق ميزان التقوى. وفي الحج يتعلم الحجيج معنى الخضوع لحكمة علية وإن لم يدركوها؛ فالطواف حول الكعبة لا يرتبط بالحجر ذاته لكن بكونه رمزا لعبادة الله وحده. ولهذا كان أول ما فعله رسول الله حين فتح مكة أن حطّم الأصنام بيده.

ليس هذا فحسب، بل إن تأمل خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وبينما يحتشد آلاف المؤمنين، يجعلنا ندرك كم هي وثيقة تأسيسية تحفظ فيها الأمة استقرارها ووحدتها وحرمة دماء أبنائها وأموالهم وأعراضهم ووقف روح الثأر والعصبية الجاهلية، وأن تقيم العدل بين أفرادها بلا تفرقة إلا على أساس التقوى. وأوصى النبي بالنساء خيرا على أساس من الرحمة والعدل. وكأن حرمة الإنسان ترتبط بحرمة المكان المقدس.

في مشهد عرفات الله يتذكر الحجيج يوم القيامة، يوم المحشر، وقد جاءوا من كل فج عميق شعثا غبرا، حفاة لا يسترهم غير ثوب الإحرام، لهذا يتجلى الله على أهل هذا المشهد ويباهي ملائكته فهي الشعيرة التي توقظ ضميرهم الإيماني وتعيدهم لمشهد عبوديتهم الخالصة لله. وهنا يعود الحاج بعد تلك المدرسة العملية وقد صار أشد رحمة وإدراكا لفناء الدنيا وعظمة الآخرة.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19050

موضوعات ذات صلة

زينة: القضاء أنصفني وأخذت حق أولادي

أحمد عاشور

تجارة الأحلام الكروية تبتلع أطفال القرى

محمد عطا

قرارات جديدة: مجانية المتاحف وتسجيل مقابر اليهود

نجوى سليم

مشروبات تُضعف جهاز المناعة.. ابتعد عنها

المحرر

فريق طبي ينجح في استئصال ورم ضخم بجامعة أسيوط

المحرر

خطأ في الإجراءات: قصص تعيد الإنسان لجوهره المفقود

شيماء عيسي