ثقافة وأدبسليدر

ترياق الأباطرة وحبر الأدباء.. الشاي مشروب يحكم العالم

في ركن دافئ من مقهى شرقي في القاهرة، يتصاعد بخار كوب من الشاي بالنعناع وسط ضجيج أحاديث العابرين. وفي الوقت نفسه تمامًا، خلف أبواب صالون لندني عريق، تُسكب قطرات الحليب فوق شاي “إيرل غري” الأسود في طقس هادئ وصارم. رغم اختلاف الجغرافيا والمناخ والعادات، يظل الخيط الرابط بين المشهدين واحدًا، ورقة شجر خضراء صغيرة، استطاعت أن تطوي المسافات وتختزل القرون لتصبح المشروب الأكثر استهلاكًا في العالم بعد الماء.

فما قصة هذا المشروب الذي تحول من علاج للسموم في الصين القديمة إلى ثقافة عابرة للقارات والأزمنة؟

أسطورة صينية

بدأت الحكاية قبل أكثر من 4000 عام. تقول الأسطورة الصينية إن الإمبراطور “شن نونغ”، الذي كان يحث شعبه على غلي الماء قبل شربه لأسباب صحية، كان يجلس تحت شجرة برية عندما سقطت بضع أوراق في قدر مائه المغلي. تغير لون الماء، وانبعثت منه رائحة زكية، وعندما تذوقه شعر بانتعاش غريب؛ هكذا ولد الشاي.

لم يبقَ الشاي سرًا صينيًا طويلًا. عبر طريق الشاي والخيول القديم، وانتقلت النبتة على ظهور الدواب عبر جبال الهيمالايا لتصل إلى التبت والهند. ومع حلول القرن التاسع، حمله الرهبان البوذيون إلى اليابان، ليتحول هناك من مجرد مشروب إلى فلسفة روحية وعلم قائم بذاته يُعرف بطقوس الـ “شادو” (Chado) أو “طريق الشاي” كطقوس للسلام.

فالشاي لم يكن مجرد سلعة تجارية، بل كان سببًا في قيام وبداية صراعات دولية؛ ولا ننسى أن حفلة شاي بوسطن عام 1773 كانت الشرارة التي أشعلت الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني.

شاي الظهيرة

وإذا كان الصينيون هم من اكتشفوا الشاي، فإن البريطانيين هم من أضفوا عليه الطابع الاجتماعي الشهير. في القرن السابع عشر، حينما جلب البرتغاليون الشاي إلى البلاط الملكي البريطاني، كان الفضل في ابتكار تقليد شاي ما بعد الظهيرة يعود إلى الدوقة آنا، دوقة بيدفورد، في القرن التاسع عشر.

كانت الدوقة تشعر بالجوع في الفترة ما بين الغداء والعشاء، فطلبت إحضار الشاي مع بعض الوجبات الخفيفة إلى غرفتها. وسرعان ما تحول هذا الحل إلى طقس اجتماعي للأرستقراطيين، ثم إلى جزء لا يتجزأ من الهوية البريطانية اليومية.

كرم وإبداع

عبر رحلته حول العالم، تلون الشاي بلون الشعوب التي استضافته؛ ففي العالم العربي الشاي هو عنوان الكرم وحسن الضيافة. وفي مصر، يتربع شاي الكشري والشاي المغلي بالنعناع على عرش السهرات. وفي دول الخليج، يمتزج الشاي بالحليب والهيل والزعفران ليصبح شاي الكرك الدافئ.

وفي المغرب العربي “أتاي” ليس مجرد مشروب، بل هو فن. يُصب الشاي الأخضر بالنعناع من أباريق فضية مرفوعة إلى الأعلى لإنتاج رغوة مميزة، في طقس يعبر عن الترحيب الشديد بالضيف.

وتاريخيًا، في روسيا كان الشاي يُحضر في “السمَاوَر”، وهو وعاء معدني ضخم لغلي الماء، ويُشرب الشاي ثقيلًا جدًا ومحلى بالمربى. وبالهند “الماسالا تشاي” هو نبض الشوارع الهندية، حيث يُغلى الشاي الأسود مع الحليب ومزيج من التوابل الحارة مثل الزنجبيل، القرفة، والقرنفل.

وفي عصر السرعة والذكاء الاصطناعي، قد يظن البعض أن طقسًا قديمًا بطيئًا كإعداد الشاي قد يتلاشى. لكن العكس هو ما يحدث؛ حيث أعادت الأجيال الشابة ابتكار الشاي من خلال شاي الفقاعات التايواني الذي يجتاح المدن العالمية، كما زاد الإقبال على الشاي الأخضر والماتشا كجزء من ثقافة الوعي الصحي والرفاهية النفسية.

كما ارتبط الشاي ارتباطًا وثيقًا بسيرورة الإبداع؛ فبالنسبة للعديد من الكتاب والمثقفين، لم يكن الشاي مجرد مشروب عابر، بل كان طقسًا للكتابة، ومحفزًا لليقظة، ورفيقًا لمخاض النص.

أعمدة الحضارة

كان الروائي البريطاني الشهير، جورج أورويل يتعامل مع الشاي بجدية وعلمية شديدة. في عام 1946، نشر مقالًا شهيرًا في صحيفة إيفنينغ ستاندرد بعنوان “كوب من الشاي اللذيذ”، وضع فيه 11 قاعدة ذهبية لإعداد الكوب المثالي. قال فيه: إن الشاي هو أحد أعمدة الحضارة في هذه البلاد.

كما قدّم لويس كارول أحد أشهر المشاهد السريالية في التاريخ حول هذا المشروب في روايته أليس في بلاد العجائب، وهو مشهد حفلة الشاي المجنونة مع صانع القبعات والأرنب. يعكس هذا المشهد كيف كان الشاي متغلغلًا في الوعي الجمعي الفيكتوري في بريطانيا.

تقدير الجمال

المفكر والباحث الياباني أوكاكورا كاكوزو أصدر كتابه الشهير بالإنجليزية “كتاب الشاي” عام 1906. كان كتابه فلسفيًا يشرح فيه فلسفة “الزِن” والجماليات الآسيوية من خلال طقوس الشاي. واعتبره الفلسفة التي تعلمنا تقدير الجمال في الأشياء البسيطة وغير الكاملة في هذه الحياة.

أما في الأدب المصري، فقد كان الشاي بطلًا دراميًا ورفيقًا أصيلًا للحارة المصرية، وصالونات المثقفين، وطاولات المقاهي التي شهدت ولادة أعظم النصوص الأدبية. بالنسبة للأديب المصري، الشاي ليس مجرد طقس، بل هو نبض الحياة اليومية وأداة لضبط ميزان الإبداع.

شاي الحرافيش

كان أديب نوبل نجيب محفوظ معروفًا بنظامه الصارم ودقته المتناهية في توزيع وقته بين الوظيفة، والكتابة، واللقاءات الإنسانية. في رواياته، يُعتبر الشاي والمقهى جزءًا من المشاهد الحاضرة دائمًا؛ فهو المشروب الذي يجمع أبطال الثلاثية في جلسات العائلة بعد العصر، وعلى طاولات مقهى الفيشاوي كان يلتقي بتلاميذه وأصدقائه من المثقفين.

وإذا كان هناك أديب مصري يمكن أن نطلق عليه مؤرخ المقاهي والأرصفة، فهو خيري شلبي. فقد كان يكتب رواياته وسط ضجيج الناس على المقاهي الشعبية وفي المقابر وحواري السيدة زينب. كوب الشاي الذي كان يفضله غالبًا “كشري” في كوب زجاجي بسيط كان بالنسبة له تذكرة الدخول إلى عالم البسطاء، والوسيلة التي تذيب الفوارق بين الكاتب والشخصيات التي يستوحي منها قصصه الفريدة.

كما كان العراب أحمد خالد توفيق يربط الشاي دائمًا بطقس الكتابة الليلي. في مقالاته الساخرة والذاتية، كان يتحدث عن كوب الشاي الساخن الذي يرافقه في غرفته وسط أكوام الأوراق والكتب، حيث تولد روايات الرعب والفنتازيا.

وفي النهاية، يثبت الشاي أنه أكثر من مجرد أوراق مجففة في ماء ساخن. إنه آلة زمن تنقلنا إلى الماضي، وجسر ثقافي يربط الشرق بالغرب. في عالم تزداد فيه المسافات تباعدًا، يظل كوب الشاي هو المساحة المشتركة التي تجعل العالم يجلس معًا ويتحاور.

اقرأ أيضًأ:

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

إكسهوما الكوري: الرمزية التاريخية وتخبط التسلسل الدرامي

طالبات بآداب يهززن عرش التنين.. تعلم الصينية باللعب

ولاء المسيري: ضي.. ترجمة لمن يخشون الشمس

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18877

موضوعات ذات صلة

الأقصر تتجدد لاستقبال موسم سياحي استثنائي

هدير عادل

الصدر يقرع جرس الخطر

ضاحى محمود

5 لاعبين من الزمالك ضمن قائمة مصر لأمم أفريقيا 2025

محمود المهدي

الأزهر يحقق إنجازًا كاملًا بالاستراتيجية السكانية

محمود على

176 ألف طلب تصالح في مخالفات البناء بالشرقية

محمد مرسي

أصوات الحياة.. جراحات القوقعة تعيد الأمل المفقود

أيمن مصطفى