ثقافة وأدبسليدر

خبراء يطالبون بسد الفجوة الرقمية لإنقاذ المخطوطات الشعرية

شهد معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب ندوة ثقافية وفكرية رفيعة المستوى جاءت بعنوان «العناية بمخطوطات الشعر»، وذلك في إطار البرنامج الثقافي المصاحب للدورة الحادية والعشرين للمعرض المقامة حالياً.

وحظيت الندوة بزخم كبير ونقاشات معمقة نظراً لطبيعة القضية التي تمس الهوية الأدبية والحضارية للأمة العربية، حيث قد شهدت الندوة حضوراً وتفاعلاً متميزاً من النخب الأكاديمية والمبدعين؛ بمشاركة الدكتور محمد أبو شوارب، أستاذ الأدب والنقد بكلية التربية بجامعة الإسكندرية ونائب الأمين العام لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري لشئون الأبحاث والدراسات، والدكتور مدحت عيسى، مدير مركز المخطوطات بالمكتبة، وقدم منصة الحوار محمد عرب صالح، وسط حضور حاشد من الباحثين والمهتمين بصون الإرث الأدبي.

جهود البابطين

في مستهل الندوة، سلط الدكتور محمد أبو شوارب الضوء على الدور الريادي لمؤسسة “عبد العزيز سعود البابطين” التي أولت عناية فائقة ومنهجية لملف تحقيق المخطوطات الشعرية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. وأوضح أن المؤسسة التي تأسست عام 1989 بهدف دعم الشعراء وتشجيع الإبداع، سرعان ما اتسعت رؤيتها لتشمل تنشيط الحركة الأدبية برمتها وإحياء التراث الشعري العربي الممتد عبر القرون.

وأشار د. أبو شوارب إلى أن المشروع الطموح للمؤسسة انطلق فعلياً في عام 1992 عبر إصدار كتاب “مختارات البارودي” في أربعة أجزاء، لتتوالى بعد ذلك الإصدارات والنجاحات حتى تجاوزت الـ60 كتاباً من التراث المحقق علمياً. وأكد أن تأسيس “مركز تحقيق مخطوطات الشعر” مثّل قفزة نوعية ومحطة فارزة في هذا المضمار؛ إذ نجح المركز وحده في إخراج 33 كتاباً محققاً للثور الإنساني، مما أسهم بشكل مباشر في حفظ جانب مجهول ومهم من الذاكرة الأدبية وإتاحته بيسر للباحثين والقرّاء.

أبعاد حضارية

وعرج د. أبو شوارب في حديثه على البعد الدولي لجهود المؤسسة، معتبراً أن “دورة ابن زيدون” كانت إحدى أبرز المحطات التاريخية للمؤسسة، إذ شهدت للمرة الأولى انتقال فعالياتها وأنشطتها الثقافية إلى قلب القارة الأوروبية، حيث تزامن ذلك مع نشر ديوان ابن زيدون وديوان ابن دراج القسطلي. ونوه إلى أن هذا الحدث حظي باهتمام رسمي وشعبي واسع في إسبانيا، ولا سيما من جانب الملك السابق، ما عكس عمق الروابط الروحية والبعد الحضاري المشترك للتراث الأندلسي والعربي. وفي لفتة نقدية، أشار إلى أن الشاعر أبو تمام يظل المجدد الأبرز تاريخياً، في حين يستمر المتنبي كونه الأكثر تأثيراً وشهرة في الوجدان الإنساني.

ثراء التراث

من جانبه، أكد الدكتور مدحت عيسى، مدير مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، أن التراث الشعري يتصدر واجهة التحقيق والنشر مقارنة بصنوف المخطوطات العلمية والآداب الأخرى؛ نظراً لما يتمتع به من حيوية وتعدد في زوايا القراءة والتحليل، ما يسمح للمحققين بإعادة النظر في النص الواحد وفق مناهج علمية ورؤى نقدية مغايرة.

وأضاف “عيسى” أن عملية تحقيق النصوص الشعرية وتدقيقها لا تتوقف عند حدود إخراجها في قالب علمي دقيق فحسب، بل تمتد لتشمل ضبط الأوزان، ومقارنة الروايات وتدوين الفروق بينها، والتعريف بالشعراء المغمورين، وشرح غريب الألفاظ والشواهد النحوية واللغوية، فضلاً عن وضع الفهارس المنظمة لخدمة طلاب العلم والباحثين في هذا الحقل.

تحديات معاصرة

ولم يغفل مدير مركز المخطوطات الحديث بمصارحة عن العقبات الكبرى التي تقف حائلاً دون الانطلاق الكامل في هذا الملف؛ مستعرضاً تحديات صناعة النشر وحفظ التراث، والتي يأتي على رأسها تشتت المخطوطات الأصلية وضياعها بين المكتبات العالمية والمجموعات الخاصة. حيث انتقد “عيسى” تركيز جل اهتمام المحققين والباحثين على شعراء صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، في مقابل تهميش واضح وضعف عناية بتراث العصرين المملوكي والعثماني اللذين يزخران بكنوز أدبية لم تُكتشف بعد.

وحذر مدير مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية من اتساع الفجوة الرقمية لدى بعض المحققين من الرعيل القديم الذين يفتقرون _ على حد تعبيره _ إلى المهارات التقنية الحديثة اللازمة للتعامل مع أدوات الرقمنة الثقافية، مشدداً على ضرورة الإسراع في تدريب الكوادر البشرية وتطوير القدرات التكنولوجية لضمان أرشفة وصون مقتنياتنا التاريخية للأجيال القادمة والتوسع في إنشاء مكتبات المخطوطات الرقمية.

جدير بالذكر أن الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تقام هذا العام بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب، واتحادي الناشرين المصريين والعرب، وبدعم من بنك ABC؛ حيث تحل شخصية المخرج السينمائي الراحل داوود عبد السيد كشخصية المعرض تكريماً لإبداعاته المتميزة، إذ يشهد المعرض مشاركة ما يقرب من 86 دار نشر عربية ومصرية، ويقدم أجندة ثقافية حافلة تضم 410 فعاليات بمشاركة أكثر من ألف متحدث من شتى دول العالم.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22412

موضوعات ذات صلة

ترتيب أندية مجموعة التتويج قبل انطلاق الجولة الأولى

محمود المهدي

تمويلات الإصلاح: قاطرة مصر نحو الاستدامة الاقتصادية

أيمن مصطفى

عيد الشرطة الـ74.. عقيدة فداء ودرع وطن

أيمن مصطفى

توسعات المستشفيات الجامعية لمواكبة زيادة الإقبال

سلوي عمار

ولاء المسيري: ضي.. ترجمة لمن يخشون الشمس

سارة الدسوقى

يوسف الشريف يشعل حماس رمضان بـ «فن الحرب»