ثقافة وأدبسليدر

خندقجي: مواجهة الصهيوني تبدأ بنزع القناع عن وجهه

 

كان غسان كنفاني الأديب المناضل يتساءل من خلال بطل روايته “عائد إلى حيفا”: ماذا يحدث عندما يعود الفلسطيني إلى المكان الذي فقده؟ واليوم يتساءل باسم خندقجي الأديب المحرر من سجون الاحتلال بعد 21 عامًا: ماذا يحدث حين يعود صاحب الأرض إلى صورته بلا قناع، وحين يستعيد الصوت الذي سرقه المحتل مع التاريخ والجغرافيا، في ذروة عقدته التي أسقطها على الآخر، والتي تحول بها من ضحية محرقة نازية لسادن محرقة أكثر ترويعا وفتكا بالفلسطينيين.

استضافت مكتبة ببليوتيك أمس الأول، ضمن نادي الكتاب العربي، ندوة أدارتها الكاتبتان د.لنا عبد الرحمن، ومنى أبوالنصر، لمناقشة الثلاثية التي حاز خندقجي جائزة البوكر عن جزئها الأول “قناع بلون السماء”، وأعقبها بـ”سادن المحرقة” و”فراشات مريم الجليلية”، والتي صدرت بطبعة مصرية.

سلاح يخشاه المحتل
تنتمي ثلاثية المرايا لميراث الأدب الذي آمن أصحابه بأن الكلمة سلاح يغير مصائر الشعوب، هكذا تؤكد الناقدة د.لنا عبد الرحمن، مستدعية روايات حركت السائد وقوبلت ببطش السلطات، وهو ما جرى مع هارييت سو في “كوخ العم توم” التي ساهمت باندلاع شرارة تحرر العبيد، ورواية “كل شيء هاديء على الجبهة الغربية” لريمارك والتي أثارت مأساة الجنود المدججين بالكراهية في الحرب، وأحرقها النازي لاحقا، وهو ما حدث مع “دكتور زيفاجو” لباسترناك، والتي انتقدت الثورة البلشفية فتمت مصادرتها.

هكذا نرى مريم الفتاة الفلسطينية في رواية الثلاثية الأخيرة، تجيب “أور” الضابط الإسرائيلي المصاب بفصام الحروب التي خاضها، حين يسألها هل بالفعل قتلت إسرائيل كاتبا فلسطينيا – وهو غسان كنفاني- فترد البطلة: “لأنكم تخافون من الكلمات أكثر مما تخافون من الرصاص”.

يعثر نور الشهدي الباحث الآثاري بطل الرواية الأولى على هوية إسرائيلية تمكنه من الانضمام لبعثة تنقيب في تل أبيب، وهنا يصبح القناع – بحسب الناقدة- وسيلة لاختراق الآخر وفهمه من الداخل، ثم في لعبة المرايا تنقلب الآية في الرواية الثانية “سادن المحرقة” والتي تعكس وعي المحتل ذاته وحالة الفصام الحادة التي تصيب الضابط “أور” بعدما طالعه من أهوال في لبنان وغزة، وقتل الأبرياء الذين يصفونهم بـ”مخربين”، حتى تعود بنا الثلاثية لمقابلة الوعيين الفلسطيني والإسرائيلي في الجزء الأخير..

تحرر داخل القضبان
يستدعي باسم خندقجي سنوات التدوين داخل السجن الإسرائيلي الذي قبع فيه شطرا كبيرا من حياته، منذ 2004، وقد تعلّم العبرية بعد تجاوز صدوده النفسي عنها، لاعتبارات عملية منها تيسير إرسال البريد لخارج السجن والتواصل مع سجانيه، لكن من خلاله أمكنه أيضا فهم ذهنية المحتل واختراقها، تماما كما يفعل ضباط الشاباك حين يتقنون العربية لبرمجة ذهنية الأسرى.

بهذه المعرفة إلى جانب قراءاته العميقة، أمكن لخندقجي أن يكتب بضمير الأنا الفلسطيني والصهيوني أيضا، وهو ما سبقه فيه الأديب غسان كنفاني من قبل. وهو موقف يفترض أنه لا يمكننا مواجهة محتل لا نستطيع أنسنته وتفكيك خطابه على الأرض، وتعكس شخصية نور شهدي في الرواية تلك النظرة.

وردًا على تساؤل الكاتبة منى أبو النصر عن الكتابة داخل السجن وهل لا يزال يحمل طقوسها حتى الآن؟ يقول خندقجي: بالطبع، لازلت اكتب وأنا أنتظر ان يفتح أحدهم باب حجرتي ليفتش أوراقي. لقد كنت أكتب بالشفرات كي لا يفهمها السجان، وكنت أرسلها مع السجناء المحررين عبر لفافات يتم ابتلاعها، وبينما كان العالم يحتفل بفوز “قناع بلون السماء” بالبوكر، كنت أنا أتعرض للعقاب البدني القاسي في سجني حين علموا بأنني خدعتهم.

كان الأمر يقتضي تكاتفا كبيرا من العائلة والتي تمتهن نشر الكتب-يستطرد خندقجي- لفك شفرات رواياته التي دونها في السجن وتقديمها للنشر. لقد ظل والده هو الجندي المجهول في كل كتاباته. وقد لعب أشقاؤه دورًا كبيرا أيضا في خروج كتابته للنور، وظل يوسف شقيقه يتولى بمحبة مسؤولية الوكيل الأدبي لأعماله، ولهذا يشعر أنه مدين لهؤلاء جميعا.

ظلت الكتابة ملاذا لخندقجي من الجنون والعزلة في السجن. هي براحه الذي يسرح فيه مع خياله ومع الأفلام والكتب والتي ظلت متاحة داخل السجن قبل 2023، وهو حق تم انتزاعه بعد سنوات طويلة من المعاناة، ولهذا كانت الكتابة هي المساحة الممكنة ليلتقي بذاته ويكتبها ويحررها ويشعر أنه إنما يحرر شعبه بالكامل خارج الأسوار.

ويرى خندقجي أن اختصار الاحتلال الصهيوني في الشق المتعلق بجرائم الإبادة الجماعية التي تجري اليوم، هو خطأ مركب؛ لأن النكبة سياسية وتاريخية أيضا، ونحن أمام محتل له سردية تستند زورا للتوراة ليشرعن بها وجوده، وقد راح ينشر أكاذيبه عالميا، لتصبح سلاحا أمضى من دباباته وبنادقه، ولا يمكن التصدي لذلك إلا بحكاية تصدر بصوتنا نحن أصحاب الأرض وتنزع قناع الـ”النصف إله” عن الجندي الصهيوني.

صراع هويات
ترى لنا عبد الرحمن أن روايات خندقجي جعلتنا نقع في مطب الألم النبيل والتفكير في الجرح الذي لا يزال طازجا على مدار السرد والواقع.

وتساءلت الكاتبة عن تيمة القناع وصراع الأنا والآخر، من خلال الجدتين؛ سوزانا اليهودية وحورية الفلسطينية، وقد تمنى البطل “أور” لو تعزف جدته لجدة مريم التي ألهمته كثيرا في محنته النفسية، ولكنه يستدرك مسشعرا كم كان فادحا سرقتهم لهوية الآخر!

وعن ذلك يقول خندقجي: نحن في فلسطين نصارع مشهدية توراتية ترى ان الفلسطيني الجيد هو الخاضع والميت، وهكذا كما يمكن أن نرى في الرواية سوزانا الجدة اليهودية تعزف الكمان عن احلام السلام التي يروجونها؛ ولا يهم محو عشرات القرى في النكبة المستمرة وإبادة أهلها، ولا يهم قتل عشرات الآلاف بدم بارد، المهم هو تصديق كذبة فاحشة بان إسرائيل دولة تواجه الإرهاب وترغب في السلام!!

يواصل الأديب: لقد كتب المحتل علينا هويات مختلقة إمعانا في كسرنا؛ فعلي المعبر تنتظر بالساعات ليخبرك بأن زمانك ليس زمانه، وهكذا تجد نفسك في رام الله بعالم يختلف عن غزة. وحين تتحرر من السجن تصبح “أسيرا محررا” كحالي تماما، وبرغم أنني أعتبر أن مصر وطني الثاني، لكنها لا يمكن أن تعوضني عن وطني وذكرياتي بكل شارع فيه، بل ومازلت لا أستطيع أن أفكر بهويتي الإنسانية التي تركتها خلفي حين تم اعتقالي، ذلك الصبي الجامعي وأحلامه التي احتلت مكانها أولويات النضال الآن.


أسطرة النكبة
بحسب الكاتبة منى أبو النصر، استطاعت روايات “المرايا” أن تمنحنا نظرة الجيل الثالث من أدباء فلسطين، بعد النكبة والشتات وأوسلو، وهي نظرة عين الصقر التي تختصر القضية وسردياتها دونما خلط بين الضحية والجلاد.
وتشير “أبو النصر” لعالم ميتا سردي خلقته رواية “فراشات مريم الجليلية” من خلال مذكرات الضابط أور والتي تتولى مريم ترجمتها وتأويلها، وهو ما أحالنا للعبة سردية يجري فيها تبادل الأقنعة.

وعن ذلك يؤكد خندقجي أن الحضارات جميعا ولدت من رحم الأسطورة والحكايات، ولا يمكن أن تنتصر سردية المقاومة لو اكتفت بالمنطق دونما إطلاق الخيال الذي يخفف من قسوة الواقع ويصبح أقرب لوجدان المتلقين. وقد بنى كهف الفراشة من خياله باستلهام قصص واقعية عن قرى يافا التي تمت إبادتها. وقد سعى في الثلاثية لأسطرة الواقع النكبوي الصهيوني الذي نسف وحدة الزمان والمكان الفلسطيني، وأفرز الخيمة بديلا للبيت، وكل المتناقضات التي خلقتها الحرب والتهجير.

وجوه مريم
وحول اختيار مريم الجليلية بطلة الرواية الثالثة كشخصية من عرب الداخل الإسرائيلي، يؤكد خندقجي أن شريحة كبيرة من الشباب الفلسطيني المثقف داخل إسرائيل يعاني مظلومية اتهامه بأنه “عرب إسرائيل”، وكأنه خائن بالضرورة، فيما يثبت الواقع أنهم من أكثر المتصدين لسياسات المحتل الغاشم.

أما اختيار مريم المجدلية فهو يعود لكونها شخصية متجذرة في تاريخ فلسطين وقد هربت من البطش وجاء عنها أنها اهتدت بالمسيح عليه السلام واستشفت من شياطينها، وقد سرق المحتل كافة المعالم الآثارية ونسبها لنفسه في خرائطه السياحية، ولهذا فقد كان بحث نور الشهدي عن آثارها هو بحث عن تاريخ فلسطين وتاريخها.

الأرض.. امرأة
ردا على تساؤل “صوت البلد” حول تيمة الجسد والذي يحضر بأشكال الخيانة (الأم) والاغتصاب (طفلة فلسطينية)، والعلاقات المتحررة بين جنود الاحتلال، ورمزية ذلك في بنية “سادن المحرقة” التي تعالج نظرة المحتل لذاته وللآخر، يقول خندقجي: لقد كان ذلك متعمدا ليبدو الوجه الحقيقي للاستعمار، ويمكننا إدراك ذلك في كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد، حيث تسود نظرة للأرض كما لو كانت بلا شعب، ونظرة أخرى ينظر للنساء بمنطق الاستباحة والهيمنة، وهو ما يقع بالمناسبة حتى على النساء داخل المجتمع الإسرائيلي واللاتي يُنظر لهن بدونية لا تتناسب مع دولة تدّعي التحضر.

في المقابل فإن المرأة الفلسطينية ظلت هي صوت الأرض الحقيقي في روايات خندقجي ومنها “مسك الكفاية” و”نرجس العزلة” ومرورا بثلاثية المرايا، يكتب عنها خندقجي كحاضنة للحضارة بقوة اللغة والحكاية المتوارثة ولهذا نجد مريم هي التي تعيد تسمية الأشياء في سردية أور، فتخبره بأسماء القرى التي كانت حاضرة هنا ومزدهرة تحت المستوطنات. تعلّق المفتاح فتخبره أن الفلسطيني سيعود يوما لداره وزيتونته التي يحملها في صدره.

اقرأ أيضا

على الضفة.. كيف هزمت مصر جبروت إسرائيل؟ 

لا عناوين في المدينة.. ذاكرة حواء تتحدى جيش الإبادة

أدباء عن سان دوني: لوحة تعانق زمن الغربة

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26529

موضوعات ذات صلة

ماذا يحدث في الزمالك.. سيناريوهات صادمة في بداية 2026

محمود المهدي

البابا تواضروس يضع حجر أساس المقابر

حازم رفعت

إعادة برمجة خلايا الجلد: أمل جديد لضحايا الحروق

المحرر

نبض الشارع يصنع المشهد الانتخابي في الرمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى

تاريخ مباريات الزمالك أمام أندية جنوب أفريقيا

محمود المهدي

رمضان في بيت النبي.. دستور السعادة والسكينة الأسرية

أيمن مصطفى