
في السابع عشر من يونيو، يلتفت العالم بأسره بنظرة ملؤها القلق والترقب نحو قضية وجودية لم تعد ترفاً فكرياً أو رفاهية بيئية؛ إنها معركة البقاء على كوكب الأرض، وتحدي مكافحة التصحر والجفاف؛ حيث يأتي هذا اليوم كجرس إنذار كوني يقرع بقوة ليوجه الأنظار نحو تدهور الأراضي السريع، وهو التحدي الذي يصنف كأحد أكبر المهددات الساطعة للتنمية المستدامة والأمن الغذائي العالمي؛ إذ يرفع المجتمع الدولي في هذا العام شعاراً يمس عمق الأزمة في قارتنا الإفريقية ومنطقتنا العربية: “المراعي: تقدير.. احترام.. استعادة”؛ فمن قلب كينيا، تنطلق صرخة لاستنهاض الهمم من أجل حماية مساحات شاسعة تمثل شريان الحياة لمليارات البشر، وسط توقعات أممية مرعبة تشير إلى أن الجفاف قد يؤثر على أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم بحلول عام 2050 ما لم نتحرك الآن.
جغرافيا التدهور
حين نطالع لغة الأرقام، ندرك حجم المأساة التي نعيشها، فالأراضي الرعوية ليست مجرد مساحات صفراء أو جافة؛ بل هي أنظمة بيئية حيوية معقدة تغطي أكثر من نصف مساحة اليابسة على هذا الكوكب، إذ توفر هذه الأراضي ما يقرب من 70% من علف الماشية عالمياً، وتدعم حياة ملياري إنسان بشكل مباشر، لا سيما المجتمعات الرعوية والسكان الأصليين. ومع ذلك، فإن التقارير الصادرة عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) تؤكد أن ما يصل إلى نصف هذه المراعي قد تعرض بالفعل للتدهور أو بات مهدداً بالزوال نتيجة الرعي الجائر، التغيرات المناخية العنيفة، والإدارة غير المستدامة؛ حيث إن تدهور الأراضي الرعوية والزراعية يعني بالضرورة انهيار خط الدفاع الأول في مواجهة العواصف الغبارية، وفقدان مخازن كربون طبيعية هائلة تسهم في تلطيف حرارة الأرض، فضلاً عن تهديد التنوع البيولوجي. والأخطر من ذلك كله هو الهجرة القسرية والمجاعات التي تضرب عمق الاستقرار المجتمعي، وتحول ملايين السكان إلى لاجئين بيئيين، مما يهدد الهوية الثقافية لشعوب بأكملها ارتبطت حياتها بالأرض لقرون مضت.
المشهد العربي
إذا كان العالم يعاني، فإن منطقتنا العربية وشمال إفريقيا تقع في قلب عين العاصفة المناخية، حيث تلتقي ندرة المياه التاريخية مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة ليرسما مشهداً يتطلب إدارة استثنائية للأزمات، حيث إن ندرة المياه العذبة المتجددة، وتزايد معدلات النمو السكاني، وزحف الكثبان الرملية، كلها عوامل تضغط بعنف على الرقعة الزراعية المحدودة. وفي مصر، تبدو القيادة السياسية ومؤسسات الدولة واعية تماماً لهذا الخطر الوجودي، إذ تأتي خطة العمل المصرية لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف بمثابة خريطة طريق استراتيجية، حيث تركز هذه الخطة القومية على إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وحماية المراعي الطبيعية في الساحل الشمالي وسيناء والمحافظات الحدودية، فضلاً عن تعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية من خلال مشروعات عملاقة لتبطين الترع، ومعالجة مياه الصرف الزراعي لإعادة استخدامها، واستصلاح ملايين الأفدنة في عمق الصحراء بمشروعات مثل الدلتا الجديدة وتوشكى، فمصر لا تدافع عن أمنها الغذائي فحسب، بل تمارس دوراً إقليمياً ودولياً رائداً، تجسد بوضوح منذ رئاستها لمؤتمر الأطراف (COP27) في شرم الشيخ، وتدشينها لمبادرات عالمية مثل مبادرة الغذاء والزراعة من أجل التحول المستدام، ومبادرة المياه، وتقف اليوم كجسر لنقل الخبرات والتقنيات الزراعية الذكية مناخياً إلى الأشقاء في أفريقيا.
شفرة الحل
إن مواجهة التصحر والجفاف ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي معادلة تشاركية تتطلب تضافر أركان أساسية تبدأ من التقدير الاقتصادي والبيئي، حيث يجب على الدول دمج القيمة الحقيقية للمراعي والأراضي في حسابات الناتج المحلي الإجمالي، فالاستثمار في استصلاح الأراضي وتأهيلها يوفر فرص عمل واسعة ويعزز الصمود الاقتصادي؛ ليأتي بعد ذلك احترام المعارف التقليدية، إذ يمتلك الرعاة والمجتمعات المحلية إرثاً معرفياً هائلاً وفهماً عميقاً لطبيعة الأرض؛ فاحترام هذه المجتمعات وإشراكها في اتخاذ القرار هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي خطة بيئية. كما أن الاعتماد على التكنولوجيا والبحث العلمي، واستخدام أنظمة الإنذار المبكر للجفاف، وتقنيات الاستشعار عن بعد لرصد الغطاء النباتي، أصبح ضرورة حتمية لإدارة الموارد بكفاءة. وفي النهاية، لا بد من توفير التمويل المناخي العادل، فلا يمكن للدول النامية وهي الأقل تسبباً في الانبعاثات الكربونية والأكثر تأثراً بها أن تواجه غول التصحر بمفردها، ومن ثم يصبح لزاماً على المجتمع الدولي والجهات المانحة الوفاء بالتزاماتها التمويلية لتسريع وتيرة التكيف.
الزراعة الذكية
تتجلى الحلول الإيجابية في تبني نظم الزراعة الذكية مناخياً كركيزة أساسية لمقاومة الجفاف والتصحر، حيث تشمل هذه النظم التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية المعدلة وراثياً والمطورة لتتحمل الملوحة المرتفعة ونقص المياه الحاد، مما يضمن استمرار الإنتاجية الغذائية في أصعب الظروف المناخية. كما يتضمن هذا التوجه التحول الشامل نحو تقنيات الري بالتنقيط والري المحوري الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والذي يحدد احتياج النبات الفعلي من المياه بدقة متناهية دون هدر قطرة واحدة؛ حيث إن هذا التحول التكنولوجي يقلل من استهلاك المياه الجوفية ويمنع تملح التربة الذي يعد من المسببات الرئيسية لتدهور الأراضي الزراعية وتحولها إلى مساحات غير منتجة.
تحسين التربة
تعتبر هندسة التربة وإعادة تغذيتها حلاً جذرياً يعيد نبض الحياة إلى الأراضي التي ضربها الجفاف؛ إذ تعتمد هذه التقنية على استخدام المخصبات الحيوية والكربون الحيوي المستخلص من المخلفات الزراعية، والذي يعمل كإسفنجة طبيعية داخل التربة تحتفظ بالرطوبة والمياه لأطول فترة ممكنة، حيث تساهم هذه الممارسات البيئية المستدامة في تعزيز التنوع البيولوجي المجهري داخل التربة، مما يعيد بناء تركيبتها العضوية ويزيد من قدرتها على امتصاص كربون الغلاف الجوي وتحويله إلى كربون عضوي مفيد؛ فالحفاظ على الغطاء النباتي الدائم وزراعة محاصيل التغطية يمنعان تعرية التربة بفعل الرياح والأمطار العنيفة، ويضمنان استدامة خصوبتها للأجيال القادمة.
المبادرات الكبرى
تتصدر المبادرات القارية الكبرى المشهد العالمي لمكافحة التصحر، وعلى رأسها مبادرة السور الأخضر العظيم في أفريقيا، حيث تستهدف هذه المبادرة التاريخية زراعة حزام نباتي شاسع يمتد بعرض القارة السمراء من السنغال إلى جيبوتي بطول يناهز ثمانية آلاف كيلومتر لمواجهة زحف الصحراء الكبرى، فهذه المبادرة لا تقتصر على زراعة الأشجار فحسب، بل تمتد لتشمل خلق آلاف فرص العمل الخضراء للمجتمعات المحلية، واستعادة ملايين الهكتارات من الأراضي المتدهورة، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والحد من الهجرات غير الشرعية الناتجة عن التغيرات البيئية العنيفة.
التحالفات الدولية
تتحرك القوى الاقتصادية العالمية بشكل متسارع لبناء تحالفات دولية متينة للحد من آثار الجفاف، وتبرز هنا التجربة الصينية الرائدة في ترويض صحراء كوبوتشي وتحويلها إلى واحة خضراء ومنتج اقتصادي عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفي الوقت نفسه، يقود الاتحاد الأوروبي مشروع “شويس” البيئي لدعم الأنظمة الغذائية والمراعي المستدامة في حوض البحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على تقنيات احتجاز الكربون في التربة وتطوير أطلس مخاطر الجفاف؛ إذ تتكامل هذه الجهود مع التزامات الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة، حيث تعهدت أكثر من مئة وثلاثين دولة بتحقيق الحياد في تدهور الأراضي بحلول عام 2030، من خلال ضخ استثمارات ضخمة في الصناديق المناخية الموجهة للدول الأكثر تضرراً.
