سليدرمنوعات

الغذاء.. معادلة النجاة

تأتي الاحتفالية السنوية بـ“اليوم العالمي لسلامة الغذاء” حاملة شعاراً أممياً لافتاً في عمقه وعنوانه: “من العبء إلى الحلول – غذاء آمن في كل مكان”. ولعل هذا العنوان يضعنا نقتفي أثر الأزمات المجتمعية أمام مواجهة صريحة مع الذات؛ فهو اعتراف ضمني من المنظمات الدولية بأن الأزمة تجاوزت مرحلة “الرفاهية التوعوية” ودخلت نفق “العبء الثقيل” الذي يهدد الفئات الأكثر هشاشة حول العالم؛ حيث لا يمكننا قراءة مشهد سلامة الغذاء بمعزل عن التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة؛ فالحديث عن طعام آمن لم يعد مجرد وصفة صحية تُلقى في المؤتمرات، بل هو في جوهره “معادلة أمن قومي” ترتبط بمدى قدرة الدول على حماية مواطنيها من مسببات المرض الكامنة في صحونهم اليومية.

أمن المائدة

أمن المائدة هو الوجه الآخر لأمن الوطن، وأي تراخٍ فيه يمثل استنزافاً مباشراً للقوة البشرية والاقتصادية للدولة؛ فحينما نُشَّرح المشهد بلغة الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، نجد أننا لسنا أمام مجرد ممارسات خاطئة في المطبخ، بل أمام جائحة صامتة تلتهم الأخضر واليابس؛ إذ يصاب سنوياً نحو ستمائة مليون شخص بوعكات وأمراض نتيجة تناول أغذية ملوثة وغير آمنة، وهو ما يعادل شخصاً واحداً من بين كل عشرة أشخاص حول العالم. ومن بين هؤلاء، يفقد أربعمائة وعشرون ألف ضحية حياتهم كل عام لأسباب كان يمكن تفاديها ببساطة لو طُبقت معايير الرقابة الصارمة. والمفزع حقاً أن الأطفال دون سن الخامسة يتحملون أربعين بالمئة من هذا العبء الثقيل، مما يعني أن الملوثات الغذائية تغتال المستقبل في مهده، وتصيب الصغار بأمراض سوء التغذية والتقزم، وهو ما يترتب عليه تراجع حاد في القدرات الذهنية والإنتاجية للأجيال القادمة. هذا بالإضافة إلى استنزاف ميزانيات الرعاية الصحية، حيث تُفقد ما يقرب من مائة وعشرة مليارات دولار أمريكي سنوياً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل كفاتورة باهظة لخسائر الإنتاجية والتكاليف الطبية.

هذا الواقع الصادم يفرض علينا توجيه نقد حقيقي لا يستهدف المستهلك البسيط الذي يركض خلف لقمة العيش في ظل موجات التضخم العالمية، بل يطال حلقات سلاسل الإمداد وتراخي آليات التفتيش في بعض مفاصلها؛ فسلامة الغذاء ليست لقطة مجتزأة عند البيع، بل هي سلسلة متصلة تبدأ من تربة الأرض ونوعية المياه المستخدمة في الري، مروراً بمدى التزام المصانع بالمعايير القياسية، وصولاً إلى منظومة العرض والتخزين في الأسواق. وفي عالمنا النامي، نواجه معضلة حقيقية تتجلى في الفجوة بين التشريعات النظرية والتطبيق الفعلي، حيث تظل هناك ثغرات ينفذ منها الجشع التجاري رغم وجود ترسانة من القوانين.

يقول دكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة: “إن استخدام المبيدات الحشرية بشكل عشوائي وغير خاضع للرقابة الزراعية الصارمة، والاعتماد على مياه ري ملوثة في بعض المناطق، يمثلان المنبع الأول للتسمم الغذائي طويل الأمد، والذي يظهر لاحقاً في صورة أمراض مستعصية كالفشل الكلوي والأورام السرطانية؛ مشدداً على أنه لا ينبغي أن تظل منظومة الرقابة مجرد “رد فعل” يتحرك فقط عند حدوث حالات تسمم جماعي، بل يجب أن تتحول إلى نهج استباقي قائم على التنبؤ بالمخاطر وإدارتها قبل وصول المنتج إلى منافذ التوزيع.

وإذا انتقلنا بالتحليل إلى الشأن المصري، نجد أن الدولة قطعت شوطاً كبيراً بتأسيس وتفعيل الهيئة القومية لسلامة الغذاء، والتي حققت طفرة ملموسة في تشديد الرقابة على الصادرات والواردات الغذائية، مما ساهم في قفزة غير مسبوقة للصادرات الزراعية المصرية في الأسواق العالمية نتيجة الالتزام بالمعايير الدولية. ولكن، بالعين الناقدة، فإننا نرى أن التحدي الأكبر والأخطر يكمن في السوق المحلي الموازي، أو ما يُعرف باقتصاد “بير السلم”؛ فبينما تلتزم المصانع الكبرى المسجلة بالاشتراطات الصحية وتخضع للتفتيش الدوري، تقبع في العشوائيات مئات المصانع غير المرخصة التي تنتج الأجبان، واللحوم المصنعة، والحلويات، باستخدام مواد خام تالفة، ومصنعات كيميائية محظورة، وألوان صناعية مسرطنة.

وأضاف: الضربات الأمنية والرقابية التي تطالعنا بها وسائل الإعلام يومياً بضبط أطنان من الأغذية الفاسدة هي جهد مشكور، ولكنه يثبت أن حجم السوق الموازي ضخم ويحتاج إلى استراتيجية دمج وتطهير شاملة؛ لأن الاكتفاء بمصادرة الشحنات الفاسدة هو علاج للعرض وليس للمرض الذي يكمن في غياب منظومة رقمية كاملة لتتبع الغذاء.

الرقابة الغذائية

وتابع: لم تقف المخاطر عند حدود الأسواق التقليدية، بل برزت في عصر السموات المفتوحة ثغرة جديدة تهدد سلامة الغذاء، وتتمثل في الفوضى الرقمية والتجارة الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة. إذ نشهد يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي مئات الإعلانات المضللة عن منتجات غذائية، ومكملات مجهولة المصدر، وأغذية حمية يتم تصنيعها وتعبئتها في منازل أو ورش غير مرخصة، ثم تُباع للمواطنين عبر خدمات التوصيل الذاتي. هذا النمط الجديد يفلت تماماً من رقابة المفتش الصحي التقليدي، ويستغل حاجة المواطن وبساطته أو بحثه عن بدائل رخيصة، إذ إن مواجهة هذا التضليل تستوجب استحداث شرطة بيئية صحية رقمية، وتنسيقاً صارماً لحظر هذه الصفحات ومحاكمة القائمين عليها بتهمة تعريض حياة المواطنين للخطر، بالتوازي مع رفع وعي المستهلك الذي يمثل حلقة جوهرية في هذه السلسلة.

وأشار إلى أن الإعلام الوطني يقع عليه عبء تعليم المواطن كيفية قراءة بطاقة البيانات ومقاطعة السلع مجهولة المصدر؛ لأن ثقافة الاسترخاص في الغذاء هي استثمار مباشر في المرض، وما يوفره المواطن اليوم لشراء سلعة مغشوشة، سيدفعه أضعافاً مضاعفة غداً على أسرة المستشفيات.

وللعبور الحقيقي من هذا العبء نحو حلول عملية مستدامة، فقد أكد “بدران” أن الأمر يستلزم صياغة خارطة طريق فورية تتجاوز الشعارات البروتوكولية، وتبدأ بتطبيق نظام رقمي صارم لتتبع مسار الأغذية من الحقل والمصنع إلى رفوف المتاجر لتسهيل سحب الشحنات المشكوك فيها خلال دقائق معدودة. مشيراً إلى أنه كي يتم تطبيق أعلى درجات الجودة العالمية؛ فإنه يجب أن يتكامل هذا النظام السردي مع تقديم حوافز وتسهيلات لمصانع الأغذية الصغيرة في القطاع غير الرسمي لتقنين أوضاعها وتدريب عامليها على ممارسات التصنيع الجيد، بدلاً من الاكتفاء بخيار الإغلاق ومصادرة البضائع. موضحاً في الوقت ذاته أن الأمر يقتضي تفعيل نهج الصحة الواحدة الذي يربط مؤسسياً وبشكل مباشر بين وزارات الصحة، والزراعة، والبيئة، وهيئة سلامة الغذاء، انطلاقاً من أن صحة الإنسان لا تنفصل عن صحة الحيوان والنبات ونظافة البيئة.

وأكد د. مجدي بدران، أن الخطوة الأكثر إلحاحاً تتمثل في تعديل التشريعات الحالية لتغليظ العقوبات الجنائية، والتعامل مع قضايا غش الغذاء والاتجار بالمواد الفاسدة كجرائم شروع في قتل عمد، وليست مجرد جنح تجارية تنتهي بغرامات مالية زهيدة يدفعها التاجر الجشع من أرباحه المحرمة، مشيراً إلى أن الاحتفال باليوم العالمي لسلامة الغذاء يجب ألا يمر كحدث بروتوكولي نُبّج فيه الكلمات، بل هو دعوة لصحوة ضمير إنتاجية ورقابية، لافتاً إلى أن الغذاء الآمن ليس منحة أو رفاهية تملكها طبقة دون أخرى، بل هو الحق الإنساني الأبرز للبقاء، والركيزة الأساسية لبناء أمة قوية قادرة على العمل والإنتاج وصناعة المستقبل.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19889

موضوعات ذات صلة

يارا السكري تكشف مواصفات عروس أحمد العوضي

أحمد عاشور

ارتفاع الصادرات الزراعية لـ 7.8 مليون طن

المحرر

الرياضة في المدارس .. واقع أم طموح

محمد عطا

الشيخ عبد الحليم محمود وإشراقات يوم عرفة

شيماء عيسي

روشتة السعادة في أولى خطوات “الميثاق الغليظ”

أيمن مصطفى

البابا تواضروس يدعو لترشيد الاستهلاك وإيقاف الحروب

حازم رفعت