منوعات

كيف أمّن “سور مجرى العيون” مياه النيل لجنود صلاح الدين؟

 

تقي حسين

لم تكن حماية القلاع تعتمد على الأسوار والحصون وحدها، فوسط الحروب والحصار، كان تأمين المياه شرطاً أساسياً للصمود، وفي قلعة صلاح الدين كان التحدي أكبر، إذ احتاجت القلعة المرتفعة إلى شريان حياة يضمن وصول المياه إليها، فكيف نجح سور مجرى العيون في نقل مياه النيل إلى قلعة الجبل؟

قلعة فوق التل.. ومياه النيل على بُعد كيلومترات

حين بنى صلاح الدين الأيوبي قلعته فوق تل مرتفع ومنفصل عن جبل المقطم، واجه تحدياً كبيراً، كيف تصل المياه إلى قلعة ترتفع نحو 75 إلى 80 متراً عن سطح الأرض، بينما يبعد عنها نهر النيل مسافة تقدر بنحو 3 كيلومترات؟، كان تأمين مصدر للمياه ضرورةً لا يمكن تجاهلها، فقد أدرك صلاح الدين أن القلعة يمكن أن تسقط في حال تعرضها للحصار إذا لم يتوافر لها مصدر داخلي وآمن للمياه، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن وسيلة تضمن استمرار وصول الماء إلى من يعيشون داخل القلعة

بئر يوسف.. 90 مترًا داخل الجبل

كان الحل الأول لتأمين المياه هو إنشاء بئر داخلي عُرف باسم «بئر يوسف»، وهي تسمية تعود إلى صلاح الدين نفسه، صلاح الدين يوسف بن أيوب، وليس إلى نبي الله يوسف عليه السلام كما هو شائع، ووُصف البئر بأنه أعجوبة حقيقية، إذ بلغ عمقه نحو 90 متراً داخل الجبل، بما يعادل عمارةً من 30 دوراً بالمقلوب، كما كان قطره واسعاً جداً ليسمح بنزول الحيوانات والآلات بسهولة، لكن هذا العمق جعل سحب المياه مباشرةً بالحبال والسواقي العادية أمراً مستحيلاً، وهو ما فرض ابتكار طريقة أخرى لرفع المياه من قاع الجبل إلى سطح القلعة

مرحلتان لرفع المياه من قاع الجبل

لأن رفع المياه مباشرةً من عمق 90 متراً كان مستحيلاً، قُسمت العملية إلى مرحلتين، في المرحلة الأولى كانت السواقي والحيوانات ترفع المياه من قاع البئر إلى منتصفه لمسافة 45 متراً، حيث يوجد خزان محفور في وسط الجبل، ثم تبدأ المرحلة الثانية برفع المياه من منتصف البئر إلى السطح بواسطة سواقٍ وحيوانات موجودة على سطح القلعة، ولتسهيل حركة الحيوانات، نُحت حول البئر ممر حلزوني بميل خفيف، لتتمكن من الحركة وتشغيل آلية رفع المياه، وبذلك استطاعت المياه أن تقطع المسافة من قاع البئر إلى سطح القلعة على مرحلتين بدلاً من محاولة رفعها دفعةً واحدةً

حين لم تعد مياه البئر كافيةً

مع مرور الوقت، لم يعد بئر يوسف قادراً على تلبية احتياجات القلعة، إذ أصبحت مياهه غير صالحة للشرب بسبب ارتفاع نسبة الملوحة بها، كما لم تعد كمياتها تكفي بعد توسعة القلعة وبناء القصور والحدائق، لذلك خُصصت مياه البئر للاستخدامات العادية، وبدأ البحث عن مصدر خارجي يوفر المياه الصالحة للشرب، وكان نهر النيل هو المصدر الذي اتجهت إليه الأنظار، ومن هنا نشأت فكرة بناء سور مجرى العيون، الذي لم يُبنَ دفعةً واحدةً، بل مر بثلاث مراحل تاريخية، ليصبح حلاً لنقل مياه النيل إلى القلعة المرتفعة

من فم الخليج إلى القلعة.. طريق جديد للمياه

نشأ سور مجرى العيون في عهد الدولة الأيوبية على يد صلاح الدين الأيوبي، ليربط بين مصر القديمة وفم الخليج والسيدة عائشة والقلعة، ويمتد بين نهر النيل وقلعة صلاح الدين لمسافة ذكرها أحد المصدرين بنحو 3500 متر، بينما قدرها المصدر الآخر بنحو 3 كيلومترات، ليبدأ الحل من منطقة فم الخليج عند النيل، حيث شُيد برج ضخم عُرف باسم «برج المأخذ»، ومنه بدأت رحلة المياه عبر السور في اتجاه القلعة، لتوفير مصدر خارجي للمياه بعد أن لم تعد مياه بئر يوسف صالحةً للشرب أو كافيةً لتلبية احتياجات القلعة

برج المأخذ.. كيف دخلت مياه النيل من أسفل؟

اتصل برج المأخذ بنهر النيل عبر قناة أو أنبوب يمر تحت مستوى الأرض ويخترق جدار البرج من الأسفل، فكانت المياه تتدفق إلى داخله وترتفع تلقائياً وفق نظرية «الأواني المستطرقة»، وكلما سُحبت كمية من المياه عوضها النيل بمياه جديدة، كما زُود البرج بسلم جانبي ذي ميل خفيف، ودرجات في المنتصف، وممر منحدر «رامب» يميناً ويساراً، لتسهيل صعود الحيوانات التي شاركت في تشغيل منظومة رفع المياه، وبذلك جمع البرج بين استقبال مياه النيل من أسفل، وتسهيل وصول الحيوانات إلى أعلى لتبدأ المرحلة التالية من رحلة المياه نحو القلعة

ست سواقٍ.. وحيوانات تحرك منظومة الرفع

في أعلى برج المأخذ، عملت ست سواقٍ على رفع المياه من داخل البرج، واعتمدت آلية تشغيلها على تحويل الحركة الأفقية للحيوانات إلى حركة رأسية، من خلال ترسين، ترس كبير بالعرض متصل بترس بالطول، ثم يرتبطان بوصلة خشبية بالسواقي، وكانت السواقي تحمل أواني فخارية عُرفت باسم «الأواديس»، تغوص في المياه داخل البرج ثم ترتفع بها إلى الأعلى، وبهذه المنظومة الميكانيكية تحولت حركة الحيوانات إلى قوة ترفع مياه النيل من أسفل البرج إلى مستوى مجرى السور

لماذا لم توضع السواقي مباشرةً في النيل؟

لم يكن وجود السواقي داخل برج المأخذ بدلاً من وضعها مباشرةً على نهر النيل أمراً عشوائياً، فقد كانت التيارات الأفقية السريعة للنهر قادرةً على تحطيم الأواديس الفخارية، بينما كانت المياه داخل البرج أكثر استقراراً، إذ أصبحت سرعتها الأفقية صفراً، وهو ما سمح للأواني بالامتلاء بالمياه بشكل كامل وآمن من دون أن تتعرض للكسر، وبعد رفع المياه بواسطة السواقي الست، تجمعت في حوض صغير، ثم مرت عبر مجرى لتصب في حوض رئيسي كبير في المنتصف، صُمم بعمق أكبر حتى تترسب في قاعه الرمال والطمي والشوائب، بينما تعبر المياه الأكثر صفاءً وحدها إلى مجرى السور لتبدأ رحلتها نحو القلعة

ميل محسوب.. والجاذبية تدفع المياه نحو القلعة

بعد تنقية المياه من الطمي والرمال والشوائب، بدأت رحلتها فوق سور مجرى العيون في اتجاه القلعة، واعتمدت حركتها على الجاذبية من خلال ميل مدروس على طول السور، إذ بدأ ارتفاعه عند برج المأخذ بنحو 18 إلى 20 متراً، ثم انخفض تدريجياً حتى وصل إلى نحو 3 أمتار فقط عند نهايته بجوار القلعة، وساعدت الانكسارات والانحدارات على استمرار حركة المياه بسرعة محسوبة بدقة، فلا تندفع بقوة تتسبب في تآكل الأحجار، ولا تتباطأ حتى تتوقف في منتصف الطريق، وبذلك أصبحت الجاذبية هي المحرك الأساسي للمياه خلال رحلتها الطويلة من النيل إلى القلعة

عقود تحمل المجرى وممرات للناس

لم تكن الفتحات القوسية، أو العقود، الممتدة في جسم سور مجرى العيون مجرد عنصر للزينة، بل ساعدت على تقليل الوزن الإجمالي للسور، وفي الوقت نفسه وفرت ممرات لحركة المشاة والناس من أسفله، بينما واصلت المياه طريقها داخل المجرى في الأعلى، وعندما وصلت إلى نهاية السور بجوار القلعة، حيث بلغ ارتفاعه نحو 3 أمتار، تولت سواقٍ إضافية سحب المياه ورفعها وتوزيعها داخل القلعة، لتكتمل بذلك رحلة نقل مياه النيل من برج المأخذ إلى قلعة صلاح الدين

من قلاوون إلى الغوري.. منظومة تتطور عبر الزمن

لم يبق سور مجرى العيون على حاله منذ إنشائه، بل شهد تطورات متعاقبةً عبر تاريخه، ففي عام 1312 طوره السلطان محمد بن قلاوون وأضاف إليه أعمالاً جديدةً، ثم جاء السلطان الغوري ليجدد السور ويضيف ست سواقٍ لزيادة قوة ضخ المياه إلى القلعة، وعُرف سور مجرى العيون قديماً باسم «قناطر المياه»، وظل برج المأخذ بسواقيه الست وعقود السواقي شاهداً على المنظومة التي نقلت مياه النيل ووزعتها على قلعة صلاح الدين، وفي الفترة الراهنة شهد السور تطويراً كاملاً، بدأ برفع القمامة، وامتد إلى تشييده وتجديده وإضافة مظهر جمالي إليه، في إطار ما تدعمه وزارة السياحة والآثار لرفع كفاءته وتطويره

قنوات قديمة.. وبصمة مختلفة في هندسة المياه

لم يكن المسلمون أول من عرف قنوات نقل المياه، فقد سبقهم الرومان إلى بنائها بنحو 2000 عام، وأقاموا قنوات امتدت لمسافات أطول، ولا يزال بعضها قائماً، وتميز الرومان في البناء الحجري الضخم، بينما تميز المسلمون في الميكانيكا والهندسة الحركية، من خلال استخدام التروس وآليات الرفع الميكانيكية المعقدة لنقل المياه من الأسفل إلى الأعلى، ليقدم سور مجرى العيون نموذجاً يقوم على البناء فوق ما أنجزه الآخرون وإضافة بصمة خاصة إليه، ويبقى شاهداً على رحلة المياه من النيل إلى قلعة الجبل.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22133

موضوعات ذات صلة

منار حسن ترسم ملامح عام الحصان 2026

أيمن مصطفى

سقارة تبوح بالمزيد من الأسرار في كشف اثري جديد

المحرر

في يوم الشهيد تعرف على أول شهيد عند القدماء المصريين

المحرر

وجبة واحدة كل يوم… استثمار في عقل الطفل وصحته النفسية

ولاء فتحي

شعار «الرنجة والفسيخ»بعد حصار «الكحك»

أيمن مصطفى

بروتوكول يسرّع تراخيص العمالة الأجنبية بالقطاع السياحي

نجوى سليم