رياضةسليدر

ميلاد جيل يكتب تاريخ الفراعنة

شهدت مسيرة كرة القدم المصرية تحولاً جوهرياً في مونديال كأس العالم 2026 فلم يعد المنتخب الأول لكرة القدم مجرد ضيف شرف يكتفي بالتمثيل المشرف، بل فرض نفسه كقوة كروية بلغت الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخ مصر، متجاوزاً مرحلة المجموعات ليتأهل إلى ثمن النهائي ويودع البطولة أمام المنتخب الأرجنتيني بنتيجة (3-2) بعد مواجهة دراماتيكية.

إن هذا التحول من الانكسار القاري إلى التواجد العالمي يستوجب وقفة نقدية فاحصة تتجاوز لغة العواطف والتهليل الإعلامي السطحي، لتفكيك طلاسم هذا الإنجاز ومعاينة مكامن القوة والضعف التي رافقت كتيبة المدير الفني حسام حسن في هذه الرحلة المونديالية الاستثنائية، حيث إن بلوغ دور الستة عشر وتسجيل 8 أهداف كاملة في نسخة واحدة، بعد عقود من العقم الهجومي في المحافل الدولية، يعد قفزة نوعية لا يمكن إنكارها، لكن النظرة التحليلية الرصينة تفرض ألا نغض الطرف عن الأخطاء التكتيكية والعيوب الهيكلية التي منعت هذا الجيل من الذهاب إلى أبعد من ذلك وحرمته من حفر اسم مصر في ربع النهائي العالمي.

إذا نظرنا إلى شريط الأحداث منذ البداية، نجد أن التأهل في صدارة المجموعة لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتاج منظومة هجومية قادها محمد صلاح ورفاقه؛ فالبداية بالتعادل أمام بلجيكا (1-1)، ثم الانتصار التاريخي الأول على حساب نيوزيلندا بنتيجة (3-1)، والتعادل التكتيكي مع إيران (1-1)، رسمت ملامح فريق يمتلك هوية افتقدها المنتخب لسنوات طويلة، حيث تلا ذلك عبور عقبة أستراليا في دور الـ32 بركلات الترجيح (4-2) بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل (1-1)، ليتأكد أن هذا المنتخب يمتلك صلابة ذهنية وقدرة على تحمل الضغوط المونديالية الرهيبة. ومع ذلك، فإن الفرحة العارمة التي اجتاحت الشارع الرياضي يجب أن تظل مشروطة بمدى القدرة على قراءة هذا الإنجاز قراءة نقدية واعية، فالوصول إلى هذه المكانة ليس نهاية المطاف، بل هو حجر الأساس الذي يجب البناء عليه لتغيير العقلية الكروية المصرية من عقلية تكتفي بالتمثيل المشرف إلى عقلية تطمح في المنافسة والسيادة التامة.

تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في كونه تحطيماً للعقدة النفسية التي لازمت الكرة المصرية طوال عقود، حيث عجزت الأجيال السابقة، بما فيها الجيل الفائز بثلاثية أمم أفريقيا المتتالية، عن تحقيق انتصار واحد في كأس العالم. وحين جاء جيل 2026 نجح في كسر هذا الحصار التكتيكي والنفسي.

جدل تحكيمي

مباراة الدور ثمن النهائي بين منتخبي مصر والأرجنتين، قد شهدت جدلاً تحكيمياً واسعاً أثار تساؤلات عديدة حول دقة تطبيق التقنيات الحديثة ومدى تحقيق العدالة الكاملة فوق المستطيل الأخضر؛ حيث تخللت اللقاء قرارات تحكيمية مؤثرة من الطاقم الفرنسي بقيادة فرانسوا ليتكسير وغرفة تقنية الفيديو (VAR)، مما ألقى بظلاله على فرص المنتخب المصري في تحقيق تأهل تاريخي.

أثارت القرارات التحكيمية في مباراة مصر والأرجنتين ارتباكاً واضحاً في صفوف لاعبينا، حيث تمثلت نقطة التحول الأساسية في إلغاء هدف مصري بداعي التسلل بعد العودة إلى تقنية الـ(VAR)، وهو القرار الذي وصفه خبراء ومحللون بأنه تضمن قسوة بالغة وافتقر إلى اليقين البصري الكامل. ولم تتوقف الملاحظات التحكيمية عند هذا حد، بل امتدت لتشمل لقطة أخرى مثيرة للجدل داخل منطقة جزاء الأرجنتين، حيث تعرض قائد المنتخب المصري محمد صلاح لالتحام قوي بدا جلياً أنه يستوجب احتساب ركلة جزاء، غير أن الحكم أشار باستمرار اللعب دون مراجعة الشاشة. ومن هذه اللقطة تحديداً ارتدت الكرة بهجمة سريعة لصالح المنافس أسفرت عن تسجيل هدف الفوز، مما عمق الشعور بالغبن لدى الجانب المصري وأخرج اللاعبين عن تركيزهم الذهني في الدقائق الأخيرة الحاسمة.

وقد أدت هذه الحالات التحكيمية إلى حدوث موجة من الانتقادات الموضوعية من قِبل نقاد وأساطير كرويين عالميين، حيث أشار النجم الإنجليزي جاري لينيكر إلى وجود خلل في آلية توظيف تقنية الفيديو خلال هذه المواجهة، معتبراً أن القرارات افتقرت إلى الإنصاف والوضوح. كما أبدى إعلاميون بارزون في الصحافة الإسبانية، ومنهم توماس رونسيرو، دهشتهم من تجاهل بعض اللقطات المؤثرة التي كانت كفيلة بمنح المنتخب المصري الأفضلية للتأهل إلى الدور ربع النهائي، مما يوضح أن التحفظ على الأداء التحكيمي لم يكن نابعاً من عاطفة مصرية بل من قراءة فنية محايدة للمباراة.

إن الخروج من دور الـ16 بكأس العالم 2026 يجب ألا يكون نهاية الرواية، بل بداية لعهد جديد يتطلب خطة عمل استراتيجية واضحة وشاملة للاستثمار في هذا الإنجاز وتحويله إلى استدامة حقيقية؛ إذ إن هناك حاجة ملحة لتجديد الدماء في بعض المراكز الحيوية داخل تشكيلة المنتخب، لاسيما في الخط الخلفي؛ فالفريق يحتاج إلى إعداد جيل جديد من المدافعين يتميزون بالسرعة، وطول القامة، والقدرة على بناء اللعب من الخلف تحت الضغط العالي، وهي الصفات التي تفتقدها الكرة المصرية حالياً وتسببت في اهتزاز الشباك بالمونديال.

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21967

موضوعات ذات صلة

البنتاغون يطوق اختراقات تل أبيب

ضاحى محمود

الإعلام الناعم يعيد تشكيل الرأي العام

المحرر

خطة جديدة شاملة لتأمين آثار مصر

نجوى سليم

رقمنة تراخيص الغوص بإصدار أول رخصة رسميًا

نجوى سليم

أسرار 100عازف في محراب «ثومة»

أيمن مصطفى

إسنا : تدريب جديد يربط التراث بالتنمية لأصحاب البازارات

نجوى سليم