سليدرشؤون سياسية

شريف سمير لـ”صوت البلد”: أكتوبر ركيزة أمننا القومي

تظل ملحمة السادس من أكتوبر عام 1973 نقطة التحول الأبرز في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، والركيزة الأساسية التي استندت إليها عقيدة الأمن القومي المصري في العصر الحديث. وفي حوار خاص لـ“صوت البلد”، أكد الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي شريف سمير، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، أن ذكرى أكتوبر ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بانتصار عسكري مضى عليه عقود، وإنما هي مدرسة استراتيجية متكاملة تقدم دروساً حية لتفكيك الأزمات وإدارة الصراعات المعاصرة بآليات العلم والعمل والوعي الكامل.

دروس استراتيجية

أوضح الكاتب الصحفي شريف سمير أن ملحمة العبور تمثل درساً استراتيجياً يتجاوز تفاصيل المعركة الميدانية المباشرة ليصل إلى جوهر إدارة الصراع الشامل. مشيراً إلى أن هذه الإدارة تتحقق من خلال أربعة محددات رئيسية وضعها جيل أكتوبر كدستور للعمل الوطني؛ وهي وضوح الهدف الاستراتيجي، وتوظيف عنصر المفاجأة الصادمة للعدو، وحسن استثمار كافة الإمكانات المتاحة وتوجيهها بدقة، إلى جانب ربط التخطيط العسكري المحكم بالإرادة السياسية الواعية والقدرة الشعبية على الصمود في وجه التحديات.

وأشار سمير إلى أن الدرس الأهم والأبرز للأمن القومي في عالمنا المعاصر يتمثل في أن التفوق لا يُقاس بحجم ونوعية السلاح وحده، بل بامتلاك منظومة وطنية متكاملة وشاملة، مؤكداً أن هذه المنظومة يجب أن تجمع بين الجاهزية العسكرية والقتالية العالية، والوعي المعلوماتي والاستخباراتي الدقيق، وحماية المقدرات الاقتصادية والبنية التحتية للدولة، فضلاً عن تأمين الجبهة الداخلية وتعزيز تماسكها، وامتلاك القدرة المرنة على التكيف السريع مع التهديدات الأمنية المتغيرة التي تفرضها التحولات الإقليمية والدولية.

وأضاف المحلل الاستراتيجي أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لعبور أكتوبر لا تكمن فقط في استعادة مصر للمبادرة العسكرية والسياسية، بل في ترسيخ مفهوم مستدام وثابت بأن الأمن القومي عملية مستمرة لا تتوقف. موضحاً أن هذه العملية تُبنى بالاستعداد الدقيق والمنظم قبل وقوع الأزمة، وبالمرونة العالية والقدرة على المناورة أثناء مواجهتها، وباستخلاص الدروس العلمية المستفادة بعدها، مؤكداً أن هذا المفهوم هو الامتداد الأكثر أهمية لروح أكتوبر في مواجهة تحديات الأمن القومي المعاصر.

عبقرية عسكرية

وانتقل نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام إلى تحليل الجانب العملياتي للحرب، لافتاً إلى أن العبقرية العسكرية في عبور أكتوبر تجلت في أن التخطيط المصري لم يتعامل مع خطوط الدفاع الإسرائيلية الحصينة – وعلى رأسها خط بارليف – باعتبارها حاجزاً مطلقاً يستحيل تجاوزه، بل جرى التعامل معها كمعضلة هندسية وعملياتية معقدة لها حلول علمية مبتكرة. لافتاً إلى أن ذلك قد تم من خلال الجمع الدقيق بين عنصر المفاجأة، وتوقيت ساعة الصفر، وحشد القوة الضاربة في نقاط ومحاور محددة، مع استغلال نقاط الضعف في جبهة العدو بدلاً من الاصطدام المباشر بالقوة في أكثر مواضعها تحصيناً.

وأكد شريف سمير أن هذا التخطيط العبقري أسفر عن تحطيم أسطورتين روج لهما الاحتلال طويلاً؛ وهما أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وأسطورة “التحصين الدفاعي الذي يستحيل اختراقه”. ولفت إلى أن الدرس الأعمق المستفاد هنا هو أن التفوق العسكري الفعلي لا يصنعه حجم الترسانة العسكرية وحدها، وإنما العقل المفكر الذي يحسن التخطيط، والمقاتل الجسور الذي يحسن التنفيذ في الميدان، والقيادة الحكيمة التي تملك القدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى تأثير استراتيجي تاريخي وانتصار عسكري مذهل، لا تتوقف أكبر الأكاديميات العسكرية العالمية حتى اليوم عن تدريس سيناريوهاته وتفاصيله كنموذج للحرب النظامية الناجحة.

وفي ختام حديثه، وجه المحلل الاستراتيجي رسالة مباشرة إلى الشباب المصري، مشيراً إلى أنه مع هبوب رياح شهر أكتوبر من كل عام، يستنشق شباب اليوم أوكسجين جيل أكتوبر الذي لم ينتصر لامتلاكه وفرة في الإمكانات، بل لأنه امتلك الإرادة الصلبة، والإعداد الجيد، والإيمان المطلق بقدرته على تجاوز المستحيل. ودعا سمير الشباب لجعل دروس أكتوبر دافعاً حقيقياً لصناعة الغد؛ فكما صُنعت لحظة العبور بالإرادة والتخطيط، تُصنع نهضة المستقبل بالعقول الواعية، والمهارات المتطورة، والابتكار، والمسؤولية الوطنية، ليكونوا هم “جيل العبور الجديد” من التحدي إلى الإنجاز، ومن الحلم إلى الواقع الذي يليق بمصر، مشدداً على أنه لا يوجد سلاح أقوى من البناء والتعمير في عالم معاصر لا يعترف الآن إلا بقوة المال، ونفوذ التنمية، ولغة الاستثمار الشامل.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26517

موضوعات ذات صلة

الوحش الذي يسكنك.. بين سجن الخوف ومفاتيح الترويض

سارة الدسوقى

الزراعة: القطاع يستهلك 80% من الموارد المائية

المحرر

8 أرقام تاريخية تنتظر ميسي في النهائي

محمد عطا

يوسف الشريف يعود في «فن الحرب» برمضان 2026

حسن عبدالعال

صناعة نحل العسل أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد

المحرر

فوضى الأسواق العشوائية تبتلع أحياء الإسكندرية الراقية

أيمن مصطفى