ثقافة وأدبسليدر

علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح

بين لوعة السؤال ودهشة الوجود، تولد القصيدة الحقيقية كشهادة حية على زمن يعج بالمتناقضات. وفي الفضاء الإبداعي الذي يمزج بين الشجن والبهجة، يأتي ديوان “إزاي بنرقص” للشاعر عبد الله علي، ليطرح مانيفستو شعريًا يلامس حدود الروح الإنسانية في أقصى تجلياتها وانكساراتها؛ حيث لا تكمن بلاغة الرقص هنا في الفرح، بل في تلك المقاومة السرية الباحثة عن الحياة من قلب الحصار، تمامًا كطائر ينتزع حريته الأخيرة وهو ينبض بالألم.

جاء فوز هذا العمل بجائزة “الشيخ محمد بن صالح باشراحيل” الأدبية العريقة ليعيد إلى الأذهان حيوية شعر العامية وقدرته الفذة على السفر باليومي والمعيش إلى آفاق إنسانية وفلسفية رحبة، متجاوزًا حدود المحلية ومتحررًا من قوالب التصنيف الضيقة بين الفصحى والعامية، لينتصر فقط للكلمة الصادقة والصوت المنفرد الذي لا يشبه إلا نفسه.

في هذا الحوار، تبحر “صوت البلد” مع الشاعر في كواليس هذا التتويج، وتفتش معه عن الجذور الأولى لنصوصه، ورؤيته لمستقبل شعر العامية والأسماء العظيمة التي شكلت وعيه، لنكتشف كيف يخطو الشاعر في مشروعه بهدوء، تاركًا للوقت وحده مهمة الكشف عن الخطوة القادمة.

نبارك لك الفوز بجائزة “باشراحيل” العريقة؛ ماذا يعني هذا التتويج لعبد الله علي في هذا التوقيت تحديدًا؟

هذا التتويج هو فضل ونعمة من لدن رب العزة في توقيت هو وحده سبحانه يعلم كم كان مناسبًا لي، وكم كنت بحاجة إليه. لقد غمرتني فرحة عارمة فور تلقي النبأ، لكنها لم تكن فرحة ذاتية مجردة، بل كانت طمأنينة داخلية جعلتني أشعر بأن كلمتي الصادقة -التي تخرج من نياط القلب- تجد طريقها وتصل إلى قلوب الناس. هذا التتويج أخبرني في لحظة صدق صامتة أنني استطعت تقديم الفن الذي أحبه، وبالشكل الذي أرتضيه و أؤمن به، دون أن أضطر لتقديم أي تنازلات تشوه هويتي أو تمس قناعاتي الجمالية.

فلسفة الرقص

لكل قصيدة أو ديوان شرارة أولى؛ ما الجذور الإبداعية التي نبتت منها قصيدة “إزاي بنرقص”؟

في البداية، أود الإشارة إلى أنه لا توجد قصيدة بعينها في الديوان تحمل هذا الاسم، بل هو “حالة شعورية كاملة” تختزل الديوان كله. أما الجذور، فقد نبتت من تقاطعات ظروف الحياة العامة وانعكاساتها على واقعي وظروفي الشخصية.

العنوان يحمل مفارقة تجمع بين البهجة (الرقص) والتساؤل الحائر (إزاي)؛ ما أبعاد هذه المفارقة الإنسانية، وكيف يتولد الشجن من رحم هذا التناقض؟

 قيل قديمًا في الأثر: “لا تحسبوا رقصاتي بينكم طربًا.. فالطير يرقص مذبوحًا من الألم”. أحيانًا يرقص الطير وهو يُذبح، فليس كل رقصٍ يحمل دلالة السعادة والبهجة..!

ليس كل رقصٍ في هذه الحياة ينبع من السعادة؛ هناك رقص يولد من قاع الوجع والمفارقة الإنسانية الشجية، والعنوان هو محاولة لرصد تلك اللحظة التي يتداخل فيها الألم والحيرة مع الرغبة في البقاء.

صدى القلب

هل في ديوانك اقتباس لافت يتردد كأنه صدى لقلبك؟

هذه الأسطر هي الأقرب إلى قلبي:

طعم الدفى في الملك..

غير الشموس في السكن

حتى السلالم شرك

بتكسر السكان..

يقال إن شعر العامية يتكئ دائمًا على “اليومي والمعيش”؛ ما رأيك في هذه المقولة؟

لا أتفق تمامًا مع فرضية أن شعر العامية يتكئ دائمًا على اليومي والمعيش؛ ففي أحيان كثيرة نبحر بالعامية في عمق التاريخ ونستشرف بها آفاق المستقبل. القصيدة تظل قصيدة في كل الأحوال، ومهما كانت الأداة، حتى لو كُتبت بلغة الإشارة.

الموهومون والمبدعون

كيف ترى حظوظ العامية اليوم في المشهد الثقافي العربي والمصري؟

فكرة المنافسة بين العامية والفصحى تبدو لي غريبة وغير مفهومة، وأنا عمومًا لا أميل إلى فكرة المنافسة في الفن؛ فالأولى بنا أن ننظر إلى الأمور الأعمق، وأن ننحاز إلى الكلمة الصادقة والفن الحقيقي.

ومع ذلك، أرى أن حظوظ العامية اليوم في تصاعد مستمر داخل المشهد الثقافي؛ وذلك بفضل وجود شعراء يقدرون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبفضل تزايد المواهب الحقيقية يوميًا. ورغم أنه يؤسفني انتشار بعض “الموهومين” وتمددهم في جسد الشعر-سواء بالعامية أو الفصحى- إلا أن البقاء في النهاية يكون للإبداع الحقيقي.

من هم الآباء الروحيون أو المدارس الشعرية التي أثرت في تشكيل وعيك وصوتك الشعري الخاص؟

لقد تأثرت بقامات عظيمة مثل: فؤاد حداد، ونجيب سرور، وفؤاد قاعود، وأحمد فؤاد نجم، والأبنودي، وغيرهم الكثير. أنا أنصت بوعي لجميع الأصناف والمدارس، وأسعى للاستفادة من كل تجربة أصيلة.

بعد “إزاي بنرقص” وهذا التكريم، ما الخطوة القادمة؟

لا أستطيع تحديد خطواتي القادمة بدقة منذ الآن؛ فأنا لست من أصحاب الخطط الجاهزة والمسبقة. أنا فقط أسير في طريقي وأسعى جاهدًا، وأؤمن بأن كل شيء يأتي في ميقاته المناسب.

 

 

اقرأ أيضًا:

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة

ساتورن يأكل أولاده.. الوجه المظلم للأبوة عند دي جويا

عودة الابن الضال.. لوحة أعادت تعريف الأبوة والغفران

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20931

موضوعات ذات صلة

ثلاثية غرناطة ملحمة إنسانية اهتمت بالمهمشين

المحرر

الكدواني وصلاح يقودان نجوماً مصريين في The-Cat-in-the-Hat

تحت القبة.. عهد جديد

أيمن مصطفى

تجديد ولاية عز العرب رئيسًا تنفيذيًا للبنك التجاري الدولي

المحرر

عمر محفوظ: أدب محفوظ يُجسّد رحلة المصريين للحرية

المحرر

قصة لقاح أسترازينيكا.. حقيقة الأثار الجانبية وتقديم تعويضات

المحرر