
يعرف معظمنا شخصًا يبدو محظوظًا بشكلٍ لا يُصدق، يسمع عن شقة جديدة معروضة للإيجار قبل أي شخص آخر، يجد نفسه في مواقف تُنقله فجأةً إلى وظيفة أو مشروع جديد رائع، أو يشتري سهمًا عاديًا، ثم يرتفع سعره فجأةً بشكلٍ كبير، وعندما تتكرر هذه النتائج الإيجابية التي تبدو عشوائية لشخص نعرفه، نبدأ بالتفكير أن بعضنا أكثر حظًا من غيره، ولكن ماذا لو لم يكن الحظ كما نتصوره؟ ماذا لو كان بالإمكان تفسير آلية عمل الحظ بمجموعة من القواعد بدلًا من عشوائية الحياة؟
تُعدّ إيلين لانجر، عالمة النفس بجامعة هارفارد، من أبرز الباحثين في مجال دراسة “الحظ”، في سبعينيات القرن الماضي، نالت لانجر شهرةً واسعةً بفضل عملها على “وهم السيطرة”، أي ميلنا إلى الاعتقاد بأننا قادرون على التأثير في نتائج تخضع، من وجهة نظر أي شخص موضوعي، للصدفة المحضة، أظهرت أبحاث لانجر أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير قدرتهم على التأثير في الأحداث العشوائية، مثل اختيار تذاكر اليانصيب كما لو أن معايير اختيارهم مهمة بالفعل، نميل إلى رمي النرد بقوة أكبر عندما نريد رقمًا أعلى، وبرفق أكبر عندما نريد رقمًا أقل، نتصرف وكأن الأحداث التي تحكمها الصدفة تحت سيطرتنا حتى عندما لا تكون كذلك.
كيف يمكن لليقظة الذهنية أن تزيد الحظ
قد يبدو هذا خبرًا سيئًا لأي شخص يأمل في أن يحالفه الحظ، مع ذلك، تشير أبحاث لانجر اللاحقة إلى نتيجة أكثر إثارة للاهتمام، عندما حولت تركيزها من وهم السيطرة إلى ممارسة اليقظة الذهنية – ليس اليقظة الذهنية بالمعنى التأملي، بل اليقظة الذهنية كعملية ملاحظة فعّالة – اكتشفت قاعدة يمكن للشخص اتباعها ليصبح “أكثر حظًا”، هذه القاعدة هي: نقضي معظم حياتنا دون أن نلاحظ ما نفعله أثناء قيامنا به، مثل طائرة تعمل بنظام الطيار الآل،. نُنجز المهام الروتينية، ونقضي ساعات مع أشخاص نعرفهم مسبقًا، ونتصرف وكأن كل ما سنمر به معروفٌ لنا، عندما نفعل ذلك، نتوقف عن ملاحظة ما يحدث حولنا فعليًا، لأنه ليس من الضروري ملاحظة أي شيء، ما الجدوى؟ إنه مجرد روتين واحد، لكن ليس بالضرورة أن يكون الأمر كذلك، بدلًا من ذلك، يمكننا أن نكون واعين لما نفعله في أي لحظة، اليقظة الذهنية، بحسب لانجر، تعني إدراكنا للإمكانيات التي كانت موجودة طوال الوقت، لكننا أغفلناها لعدم انتباهنا، وعندما ننتبه، تزداد فرصنا تلقائيًا.
يُرسّخ بحث لانجر أساسًا متينًا لعمل باحث آخر، هو عالم النفس البريطاني ريتشارد وايزمان، منذ تسعينيات القرن الماضي، درس وايزمان أشخاصًا وصفوا أنفسهم إما بأنهم محظوظون أو غير محظوظين، وكانت نتائجه متوافقة بشكل مدهش مع نتائج لانجر، لم يكن الأشخاص المحظوظون يتمتعون بحياة مليئة بنتائج إيجابية أكثر من غيرهم، بل ما فعلوه، والذي جعلهم يصفون أنفسهم بالمحظوظين، هو انتباههم للفرص التي أغفلها الآخرون. كانوا أكثر انفتاحًا على كل ما هو جديد، وتحدثوا إلى أشخاص غرباء أكثر، واتخذوا خطوات جادة نحو فرص تبدو ضئيلة، والأهم من ذلك، أنهم تعافوا من النتائج السلبية والنكسات بسرعة أكبر من أولئك الذين وصفوا أنفسهم بأنهم غير محظوظين، باختصار، لقد حظوا بنتائج إيجابية أكثر لأنهم كانوا أكثر انتباهًا للفرص.
يبدو أن كل هذا يجيب على السؤال: عندما يكون الناس أكثر وعيًا، هل يخلقون الحظ بطريقة ما، أم أنهم ببساطة يلاحظون “المزيد من الحظ”، من وجهة نظر معينة، قد تكون الإجابة أن الحظ أو سوء الحظ أمرٌ نتحكم فيه تمامًا، فنحن كبشر لدينا قدرة محدودة على التركيز لحظة بلحظة، تستقبل حواسنا وأدمغتنا وتعالج معلومات أكثر بكثير مما يستطيع عقلنا الواعي التركيز عليه، الدماغ، الذي تشكّل بفعل تجاربنا الحياتية ومزاجنا الشخصي، هو مرشحنا الأهم، إذ يُبرز ما هو مهم بالنسبة لنا ويتجاهل ما عداه.
الفيزياء الكمية والحظ: هل ثمة صلة؟
في الفيزياء الكمية، توجد الأنظمة في احتمالات متعددة تبقى الأمور على حالها حتى تُحدث ملاحظة ما يُسميه الفيزيائيون بانهيار الدالة الموجية، قبل “القياس” (أو “الملاحظة” في حالة الحظ)، لا يوجد سوى احتمالات حدوث نتيجة معينة أما بعد القياس/الملاحظة، فتصبح النتيجة التي نختبرها محددة.
من المهم عدم المبالغة في تفسير هذه الفكرة بما يتجاوز ما يقصده الفيزيائيون، لا يوجد دليل علمي حاليًا على أن النية البشرية تُؤدي مباشرةً إلى أحداث كمومية بالطريقة التي تُروج لها الثقافة الشعبية، لكن الفكرة مُقنعة، فكل يوم، نُصادف عددًا لا يُحصى من الاحتمالات لنتائج إيجابية، لا يتحقق معظمها أبدًا لأن مُرشِّح الانتباه في دماغنا يتجاهل ما لم نكن مهتمين به، لكن عندما نُقرر بوعي أن شيئًا ما مهم، نبدأ في مُلاحظة الواقع بشكل مختلف تمامًا، تظهر فرص جديدة في كل مكان، تبدو العلاقات الجديدة وكأنها تحدث دون عناء، وتُصبح المعلومات الجديدة فجأةً ذات فائدة لنا بعد أن كانت عديمة الفائدة من قبل، و يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان بالإمكان تفسير ذلك من خلال علم السلوك، أو ما إذا كان للوعي، في سياق فيزياء الكم، دورٌ في تشكيل ما نختبره كواقع، يدعم العلم التفسير الأول، وقد لا نعرف أبدًا ما إذا كان للتفسير الثاني أي دور، لكن من الواضح أن الانتباه مهم، والنية مهمة، والملاحظة مهمة، فالأشخاص الذين يلاحظون العالم من حولهم بوعي أكبر يواجهون فرصًا أكثر، وهذه الفرص قد تُسفر أحيانًا عن نتائج إيجابية، تُوصف هذه النتائج الإيجابية بأنها حظ. لذا، ربما لا يتعلق مفهوم الحظ في الفيزياء بالحظ نفسه.
ربما يبدأ الحظ بقرار بسيط بشأن ما نختار ملاحظته، سواءً أكان سبب ملاحظتك لإمكانيات جديدة هو تحديثك لمرشحات دماغك، أو أن انتباهك الواعي يلعب دورًا ما في إبراز حقائق معينة ترغب في التركيز عليها، فنحن لا نعلم، ما نعرفه هو أن العالم يحوي إمكانيات أكثر بكثير مما يستطيع أي منا استيعابه دفعة واحدة، والأشياء التي نقرر ملاحظتها تميل إلى الظهور بأعداد أكبر في حياتنا، قد لا تكون هذه نظرية كاملة ومُرضية لمفهوم الحظ، لكنها بداية جيدة للشعور بالحظ، ويمكن لأي شخص أن يبدأ في أي وقت.
