منوعات

لماذا نشعر أننا أقل من الآخرين؟

 

دراسة حديثة تكشف أن الشعور بالنقص ليس عيبًا شخصيًا، بل نتيجة ثقافة تدفعنا إلى قياس قيمتنا بما نملك وما نحقق، بينما يكمن الطريق إلى التعافي في العلاقات الإنسانية والتعاون.

كم مرة شعرت بأنك أقل شأنًا لمجرد أن شخصًا آخر يمتلك وظيفة أفضل، أو منزلًا أكبر، أو إنجازًا أكثر بريقًا؟ هذا الشعور الذي يرافق كثيرين ليس وليد اللحظة، ولا يعكس حقيقة قيمتنا، بل هو نتاج ثقافة تجعل المقارنة معيارًا للحكم على الذات

وتشير دراسة حديثة إلى أن الإحساس بالنقص أصبح أكثر انتشارًا في العصر الحالي، لأن الإنسان بات يقيس نفسه باستمرار من خلال ما يملكه الآخرون أو يحققونه، حتى أصبح تقدير الذات مرتبطًا بنظرة الآخرين أكثر من ارتباطه بالقيمة الحقيقية للفرد

كيف تبدأ المقارنة؟

تبدأ هذه الدائرة منذ الطفولة، حين يتعلم الإنسان أن الامتلاك والإنجاز هما الطريق إلى التقدير والقبول. فالألعاب الأفضل، والملابس الأجمل، والدرجات الأعلى، والجوائز الكثيرة، تتحول تدريجيًا إلى مقاييس للحكم على الذات

ومع مرور الوقت، تصبح المقارنة عادة يومية، فيقيس الإنسان نجاحه بما يملكه الآخرون، ويبدأ الشعور بالنقص كلما وجد من يبدو أكثر نجاحًا أو شهرة أو ثراءً

لعبة لا رابح فيها

ويؤكد الباحثون أن المقارنة الاجتماعية لعبة خاسرة للجميع. فعندما ننظر إلى من يملك أكثر، نشعر بأننا أقل قيمة، وعندما ننظر إلى من يملك أقل، قد يتسلل إلينا شعور بالتفوق أو عدم الارتياح، لتبقى المقارنة مصدرًا دائمًا للقلق وعدم الرضا

وبذلك يتحول تقدير الإنسان لنفسه إلى أمر متغير، يخضع لما يراه حوله، لا لما يمتلكه بالفعل من قدرات وصفات إنسانية

وسائل التواصل تضاعف الشعور بالنقص

لم تعد المقارنات تقتصر على الجيران أو زملاء العمل كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت ترافقنا طوال اليوم عبر الشاشات

فالناس يعرضون أجمل لحظاتهم، وأفضل إنجازاتهم، وأكثر صورهم إشراقًا، بينما يقارن المتابعون هذه اللحظات الاستثنائية بتفاصيل حياتهم اليومية، فيشعرون بأنهم أقل نجاحًا أو أقل سعادة

وتحذر الدراسات من أن هذه المقارنات المستمرة تترك آثارًا نفسية واضحة، خاصة لدى الشباب، الذين يتعرضون يوميًا لسيل من الصور والرسائل التي توحي بأن الجميع يعيش حياة أفضل منهم

قيمتنا ليست فيما نملك

ويرى الباحثون أن الإنسان لم يُخلق ليعيش وفق هذا النمط من المقارنة المستمرة. فعبر معظم تاريخ البشرية، عاش الناس في مجتمعات صغيرة تقوم على التعاون وتقاسم الموارد والدعم المتبادل، ولم تكن قيمة الفرد تقاس بحجم ممتلكاته أو مكانته الاجتماعية، بل بدوره داخل الجماعة وعلاقاته بالآخرين

وفي تلك البيئات، كان الانتماء والمشاركة والتعاطف أهم من المنافسة، ولذلك كانت المقارنة أقل حضورًا في الحياة اليومية

كيف نستعيد ثقتنا بأنفسنا؟

يشير الباحثون إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في إدراك أن الشعور بالنقص ليس حقيقة، بل استجابة لثقافة تدفع الإنسان إلى تقييم نفسه باستمرار

كما ينصحون بالابتعاد، ولو لبعض الوقت، عن مصادر المقارنة المتواصلة، والاقتراب من العلاقات الإنسانية الحقيقية، من خلال قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، وبناء دوائر اجتماعية تقوم على الدعم المتبادل لا على المنافسة

فالوجود مع أشخاص يتقبلوننا كما نحن يساعدنا على تذكر أن قيمتنا لا تعتمد على الإنجازات أو المظاهر، وإنما على إنسانيتنا وقدرتنا على الحب والعطاء والتواصل

تكشف الدراسة أن الشعور بالنقص ليس عيبًا في الشخصية، بل نتيجة طبيعية لثقافة تجعل المقارنة أسلوبًا للحياة. وكلما تحرر الإنسان من هوس مقارنة نفسه بالآخرين، وركز على علاقاته وقيمه الإنسانية، استعاد ثقته بنفسه واكتشف أن قيمته لا تُقاس بما يملك أو يحقق، بل بما هو عليه في جوهره، وبقدرته على بناء علاقات صادقة تمنحه الشعور الحقيقي بالانتماء

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21319

موضوعات ذات صلة

حين تمنح أخطاءك معنى: الكتابة كطريق إلى المرونة النفسية

ولاء فتحي

السياحة: إنطلاق مسابقة رمال الوادي لأول مرة بالواحات

المحرر

هل يدخل مصر فيروس ماربوغ ؟

صفاء الشاطر

شاشات العالم تتنافس على جذب السائحين إلى مصر

نجوى سليم

حكاية شتاء يهمس بالجمال

أيمن مصطفى

تأجيل افتتاح المتحف المصري بسبب الأحداث الإقليمية

المحرر