
تمكن فيلم “هوس” من أن يفرض نفسه بوصفه أحد أكثر أفلام الرعب إثارة للنقاش هذا العام، ليس لأنه يقدم وحشًا جديدًا أو يعتمد على وفرة المؤثرات الدموية، بل لأنه يعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة ومزعجة: ماذا يحدث عندما تتحول الرغبة في الحب إلى رغبة في الامتلاك؟
في زمن تتضخم فيه فكرة “الحب المثالي” عبر الشاشات ومنصات التواصل، يأتي فيلم “هوس” للمخرج كاري باركر ليقترح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الكراهية، بل في الحب حين يفقد حدوده الإنسانية.
تدور أحداث الفيلم حول “بير”، الشاب الخجول الذي يعجز عن الاعتراف بمشاعره تجاه صديقة طفولته “نيكي”، وعندما يعثر على أداة غامضة تحقق أمنية واحدة، يطلب أن تبادله نيكي الحب ذاته، تتحقق الأمنية بالفعل، لكن بصورة مشوهة؛ إذ يتحول الحب إلى هوس خانق، والعاطفة إلى مراقبة وسيطرة ورغبة مرضية في التملك.
قد يبدو الفيلم للوهلة الأولى امتدادًا لأفلام الرعب التقليدية القائمة على “الأمنية التي تنقلب إلى لعنة”، لكنه يتجاوز هذا القالب ليصبح تأملًا نفسيًا في أخلاقيات الرغبة نفسها، فهل يحق لنا أن نحب شخصًا إلى درجة نرغب معها في سلب حريته؟ وهل يبقى الحب حبًا إذا انتُزعت منه إرادة الطرف الآخر؟
ما يميز “هوس” هو أنه لا يقدم بطلًا بريئًا وضحية مطلقة، فالهوس لا يبدأ حين تتحول نيكي إلى نسخة متطرفة من العاشقة، بل يبدأ منذ اللحظة التي قرر فيها بير تجاوز حقها في الاختيار، وهكذا يصبح الرعب في الفيلم نابعًا من نزعة إنسانية مألوفة: الرغبة في ضمان الحب بأي ثمن.
بميزانية متواضعة، استطاع كاري باركر أن يقدم عملًا يعتمد على تصاعد التوتر النفسي أكثر من اعتماده على الصدمات البصرية، مستثمرًا أداءً مقنعًا من مايكل جونستون وإندي نافاريت، وإيقاعًا يزداد اختناقًا كلما تعمقت الأزمة.
“هوس” ليس مجرد فيلم رعب عن أمنية سيئة الحظ، بل تحذير من أن الحب حين يتحول إلى امتلاك يفقد جوهره الإنساني. إنه يذكرنا بأن أجمل العلاقات هي تلك التي تقوم على الحرية والاختيار، وأن أكثر الجمل رومانسية قد تصبح مرعبة إذا حُذفت منها كلمة واحدة: الإرادة.
في النهاية، يخرج المشاهد من الفيلم وهو يحمل سؤالًا بسيطًا ومقلقًا في آن واحد: هل نخاف حقًا من ألا يحبنا الآخرون، أم نخاف من ألا يستطيعون أن يحبونا بالطريقة التي نريدها؟
الفيلم إخراج وتأليف: كاري باركر، بطولة: مايكل جونستون، إندي نافاريت، براندون هورنانديز، شانون غريغوري.
