منوعات

لماذا يتوقف الأذكياء عن الاستماع؟

 

هل تعتقد أن الذكاء يجعل صاحبه مستمعًا أفضل؟ قد تبدو الإجابة بديهية، لكن الأبحاث الحديثة ترسم صورة مختلفة تمامًا. فكلما ازدادت سرعة العقل في التحليل والاستنتاج، زادت احتمالات أن يفقد صاحبه أهم مهارة في التواصل الإنساني، وهي الإنصات الحقيقي.

فالأشخاص الأكثر ذكاءً غالبًا ما يعالجون المعلومات بسرعة كبيرة، ويكتشفون الأنماط قبل غيرهم، ويصلون إلى النتائج في وقت قياسي. وهذه القدرات تمنحهم أفضلية واضحة في الدراسة والعمل واتخاذ القرارات، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف أثناء الحوار مع الآخرين.

فعندما يبدأ شخص ما في الحديث، يكون العقل السريع قد استنتج نهاية الفكرة قبل أن ينهي المتحدث جملته. وفي تلك اللحظة يبدأ الذهن في إعداد الرد المناسب، بينما يستمر الطرف الآخر في الكلام. ومن الخارج يبدو المستمع منتبهًا، لكنه في الحقيقة لم يعد يصغي، بل ينتظر اللحظة المناسبة لعرض رأيه.

ويؤكد الباحثون أن هذه العادة تحرم الإنسان من ملاحظة كثير من التفاصيل المهمة التي لا تنقلها الكلمات وحدها، مثل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، ولغة الجسد، والتردد الذي يسبق بعض العبارات، والجمل التي يتراجع المتحدث عن قولها في اللحظة الأخيرة. وهذه الإشارات غالبًا ما تحمل المعنى الحقيقي للرسالة أكثر من الكلمات نفسها.

ولا يتوقف الأمر عند سرعة التفكير، فالكثير من الأشخاص المبدعين والأذكياء يتمتعون أيضًا بدرجة عالية من الوعي الذاتي والانشغال بالأفكار الداخلية. وعندما تطرأ فكرة جديدة أثناء الحديث، تستحوذ على مساحة كبيرة من الانتباه، فيتحول المتحدث أمامهم تدريجيًا إلى مجرد صوت في الخلفية، بينما ينشغل العقل بفكرته الجديدة.

وتزداد المشكلة وضوحًا مع النجاح المهني. فكلما ارتقى الإنسان في موقعه الوظيفي، أصبح أقل تعرضًا للآراء المخالفة. وتشير الدراسات إلى أن أصحاب المناصب العليا غالبًا ما يواجهون مشكلة خفية، إذ يميل المحيطون بهم إلى مراقبة كلماتهم، وتخفيف حدة اعتراضاتهم، وانتظار معرفة رأي المسؤول قبل التعبير عن آرائهم الحقيقية.

ومع مرور الوقت، يبدأ الشخص الناجح في الاعتقاد أن الجميع متفقون معه، لا لأن أفكاره صحيحة دائمًا، بل لأن الآخرين أصبحوا أكثر تحفظًا في التعبير عن اختلافهم. وهكذا يفقد تدريجيًا فرصة الاستماع إلى وجهات نظر جديدة قد تغير طريقة تفكيره.

والمفارقة أن الصفات التي ساعدته على النجاح، مثل سرعة الحسم، والثقة في الحكم، والقدرة على اكتشاف الأنماط، قد تتحول داخل الحوار إلى عائق يمنعه من الإنصات الحقيقي. فما يعتبره العقل الكفء سرعة في اتخاذ القرار، قد يكون في الحقيقة استعجالًا في إصدار الأحكام قبل اكتمال الحديث.

وتكشف الأبحاث عن ظاهرة أخرى لا تقل غرابة، وهي أن الإنسان يستمع بدرجة أقل إلى الأشخاص الذين يعرفهم جيدًا. فقد أوضح الباحث نيك إيبلي أن العلاقات الطويلة تدفعنا إلى تكوين صورة ذهنية ثابتة عن الآخرين، فنعتقد أننا نعرف مسبقًا ما سيفكرون فيه، وكيف سينهون حديثهم، وما الذي سيقولونه.

ولهذا السبب، يتوقف كثيرون عن الإنصات الحقيقي إلى الزوج أو الزوجة، أو الصديق المقرب، أو زميل العمل الذي يعرفونه منذ سنوات. فبدل استقبال المعلومات الجديدة، يبدأ العقل في مقارنة ما يسمعه بما يعرفه مسبقًا، ويكتفي بتأكيد توقعاته القديمة.

وتنشأ من هنا كثير من الخلافات التي تبدو بلا سبب واضح. فكل طرف يعتقد أن الآخر لا يستمع إليه، والحقيقة أن كليهما يتحدث إلى الصورة القديمة التي يحملها عن الآخر، وليس إلى الشخص الحقيقي الذي تغير مع مرور الزمن.

وعلى العكس من ذلك، قد يكون الغريب أكثر قدرة على الإنصات، لأنه لا يملك أي تصورات مسبقة، فيضطر إلى الاستماع باهتمام حتى يفهم الشخص الذي أمامه. ولهذا يشعر بعض الناس براحة غريبة عند الحديث مع شخص لا يعرفهم جيدًا، لأنه ينصت إليهم دون افتراضات مسبقة.

ويشير الباحثون إلى أن الضغوط النفسية تزيد هذه المشكلة تعقيدًا. فعندما يشعر الإنسان بالقلق أو التهديد، يميل الدماغ إلى تبسيط الأمور، وتختفي التفاصيل الدقيقة، ويصبح الاعتماد على التوقعات أسرع من محاولة الفهم الحقيقي. ولهذا فإن اللحظات التي نكون فيها في أمس الحاجة إلى الإنصات، هي نفسها اللحظات التي يصبح فيها الإنصات أكثر صعوبة.

لكن الخبر الجيد هو أن هذه المشكلة يمكن التغلب عليها بالتدريب والوعي. فالخطوة الأولى تتمثل في ملاحظة اللحظة التي يبدأ فيها العقل بإعداد الرد قبل انتهاء المتحدث من كلامه، ثم إعادة توجيه الانتباه عمدًا إلى ما يقوله الطرف الآخر، وتأجيل التفكير في الإجابة حتى يفرغ من حديثه بالكامل.

كما ينصح الباحثون أصحاب المناصب القيادية باستحضار ذكريات المراحل الأولى من حياتهم المهنية، عندما كانوا الأقل خبرة والأكثر حاجة إلى التعلم. فهذا الشعور يعيد إلى العقل قدرًا من التواضع والفضول، ويجعله أكثر استعدادًا للاستماع بدلًا من الاكتفاء بإصدار الأحكام.

أما في العلاقات القريبة، فمن المفيد طرح أسئلة لا نعرف إجابتها مسبقًا، بدل الاكتفاء بالأسئلة التقليدية. فبدل سؤال مثل “كيف كان يومك؟” يمكن السؤال: “ما الشيء الذي تغير في حياتك ولم أنتبه إليه؟” أو “ما الذي يشغل تفكيرك هذه الأيام ولم تخبرني به؟”. وغالبًا ما تكشف هذه الأسئلة جوانب جديدة في الأشخاص الذين نظن أننا نعرفهم جيدًا.

وتشير دراسة أجرتها جامعة هارفارد إلى أن عقولنا تسرح بعيدًا خلال ما يقارب نصف وقت المحادثات اليومية. وهذا يعني أن شرود الذهن ليس استثناءً، بل جزء من طبيعة العقل البشري. لذلك لا يكمن الهدف في منع الذهن من الشرود تمامًا، وإنما في ملاحظة حدوثه والعودة مجددًا إلى الإنصات.

وفي النهاية، لا يقاس حسن الاستماع بسرعة الرد، ولا بقدرة الإنسان على تقديم الحلول، بل بقدرته على منح من أمامه انتباهًا كاملًا وشعورًا بأنه مسموع ومفهوم. فكل مرة يعود فيها الإنسان إلى الإنصات الحقيقي، فإنه لا يحسن جودة الحوار فحسب، بل يمنح الطرف الآخر احترامًا صادقًا يشعر به قبل أن ينطق بكلمة واحدة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21322

موضوعات ذات صلة

قصر عائشة فهمي.. ذاكرة مصر المصورة

هدير عادل

وجبة واحدة كل يوم… استثمار في عقل الطفل وصحته النفسية

ولاء فتحي

معلم الحصة ينقذ الدراسة.. لكن إلى متى؟

المحرر

فوز المتحف المصري بأفضل مشروع على مستوى العالم

المحرر

حين يتشابه الخوف: السحر بين سكان الحارات وقاطني الكومباوندا

أيمن مصطفى

مصر تراهن على الصين لزيادة التدفقات السياحية

نجوى سليم