آراء

دروشة الكوكب

 

عيد اسطفانوس

 

الدراويش الأوائل في نسختهم الصوفية الأولى (الأصلية) المبكرة كانوا بشرًا فقراء، ومنهم من كان فقره اختياريًا. وكان سلوكهم قائمًا على السياحة والسباحة في بحور التجليات والقيم السامية العليا. لم يكن لهم هدف دنيوي ولا سياسي. وبالمناسبة، فقد تواجدوا في كل العقائد والحضارات على مر العصور، وكان لهم تأثير واضح في مجتمعاتهم.

وأهم ما كان يميز فلسفتهم هو الصبر، والصفاء النفسي، والسلام، والتعفف، والتصالح مع النفس، والتعايش مع الغير، واحترام التنوع والاختلاف. وذلك بغض النظر عن بعض الشطحات الفلسفية التي صدرت عن بعضهم، والتي لا يزال مختلفًا في تفسيرها حتى اليوم.

ولم يكتف هؤلاء بهذه المظاهر الدلالية، بل أعملوا العقل ووقّروه باعتباره هبة إلهية يتوجب استخدامها فيما خُلقت من أجله، وهو تدبير شؤون الكوكب الذي نعيش عليه. وبسبب صفائهم الفكري أنتجوا علمًا وابتكارًا وفلسفة وفنونًا، كلٌّ طبقًا لما سمحت به بيئته وزمانه.

ولم يكونوا عالة على مجتمعاتهم، بل تركوا بصمة غائرة في ضمير الحضارات والثقافات الإنسانية. هؤلاء هم الصوفيون الأوائل كأفراد، وتلك كانت نسختهم الأولى البكر التي انقرضت بفعل فاعل خبيث.

ثم تلت ذلك مرحلة جديدة تحورت فيها هذه النسخة من المفهوم الصوفي البريء إلى نسخة ذات أهداف أخرى: سياسة، وسيطرة، وحكم، وفرز، وتمييز، وقهر. وبدأت موجة منظمة كاسحة بتمويل هادر من ثروات قدرية انفجرت في صحارى نجد والحجاز.

وهي مرحلة “تديين” (أو دروشة) المجتمعات بمفهوم جديد، يقوم على إضافة بعض السلوكيات والمظاهر وصبغها بصبغة دينية شعبية، مقصود منها إعلان السيادة والسيطرة الجغرافية. ثم تلتها مرحلة “دروشة” الأنظمة، بإضافة مظاهر ونصوص وتشريعات ذات مرجعية دينية.

ثم تمدد نفوذ “الدراويش الجدد” بدءًا من إمبراطورية الخميني في إيران، ثم اجتياح كل شمال أفريقيا والسودان وأجزاء مؤثرة من شرق أفريقيا، بالإضافة إلى مناطق في شرق آسيا وأخرى في القوقاز.

كما تمددت معه كيانات اقتصادية ضخمة برعاية تنظيم دولي امتد إلى قلب أوروبا، مستغلًا سياسات هجرة ساذجة، ومتحالفًا مع يسار مريض. ونشأت “غيتوهات” مغلقة من المهاجرين المؤدلجين في معظم عواصم ومدن أوروبا: في بلجيكا، وهولندا، وفرنسا، والنمسا، وإيطاليا، ولندن.

وإلى جانب ذلك ظهرت جمعيات ومراكز تتمثل مهمتها في تنظيم وتمويل خطة “دروشة” الكوكب كله، وتصدير وهم قيام دولة الخلافة وتحرير الأندلس. وأغرقوا العوام في غيبيات ساذجة عقيمة، ونشروا الكراهية والعنصرية في أرجاء الكوكب كافة.

وكنتيجة حتمية، سالت نوافير الدماء في لندن وباريس وبروكسل ونيويورك وغيرها. وتمدد نشاط حماس وحزب الله عبر التحرش بإسرائيل وأمريكا، وكان السابع من أكتوبر تاريخًا سيظل يؤرخ به: قبل وبعد.

فقد أفاق العالم على واقع جديد، وتم تدمير الجمهورية الإسلامية، ومحو غزة وتسويتها بالأرض، واصطياد قيادات حزب الله في غرف نومهم. وتوحشت إسرائيل بعلمها وتقنياتها واقتصادها، وغرق الدراويش الجدد في الاحتراب والفقر والانقسام. وأجبر أغنياؤهم قسرًا على دفع الجزيات وهم صاغرون.

وأصبح الكوكب كله يدفع ثمن مغامرات ومحاولات فاشية لتدوير عجلة التاريخ في عكس اتجاه عقارب الساعة، ومحاولات جر البشرية إلى عصور الدروشة المظلمة التي تجاوزها العالم المتحضر، واكتشف زيفها وخطورتها على البشرية منذ قرون طويلة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13025

موضوعات ذات صلة

كلمة السر

المحرر

عودة الإرهاب إلى دارفور

المحرر

قصة ميلاد مَدرسة

المحرر

على جبهة الذكاء الاصطناعي

محرر الموقع

البابا تواضروس يكتب: سنة سعيدة جديدة

حازم رفعت